غوكهان باجيك
يوليو 05 2018

الأساس الاجتماعي للتحديث التركي يواجه خطر الانقراض

عندما انهارت الدولة العثمانية، تأسست تركيا الحديثة على يد ثلاث مجموعات اجتماعية رئيسة: الأناضول الغربية التي تشمل مجموعة كبيرة من المهاجرين الذين كانوا قد وصلوا مؤخرا من منطقة البلقان، والأناضول والأكراد.

كانت المجموعة الأساسية هي الأناضول الغربية، إذ أنها كانت تضم صفوة النظام العثماني في كثير من المجالات ومنها الثقافة والاقتصاد والسياسة.

ورغم أن العثمانيين حكموا أراضي عربية مختلفة مثل الحجاز أو مصر، فقد كانت البقعة الأكثر إشراقا في النطاق العثماني دوما البلقان والأناضول الغربية. فقد تأسست الدولة العثمانية نفسها وتطورت في تلك الأراضي.

وفي واقع الأمر، كان معظم النخبة الذين حكموا خلال الانتقال من النظام العثماني إلى الجمهورية التركية ينحدرون من البلقان. فقد أسس مصطفى كمال، الذي ينحدر من سالونيك، الدولة الجديدة. كما كتب محمد عاكف، الذي ينحدر والده من ألبانيا، النشيد الوطني التركي.

وبشكل ما فقد تأسست الجمهورية على أنقاض الآثار العثمانية في البلقان والأناضول الغربية من حيث الاستمرارية الثقافية والسياسية وإن كان ذلك بشكل مختلف إيديولوجياً.

غير أن الأناضول تعرضت للتهميش في الحقبة الجديدة. وكانت الاستراتيجية الرئيسة للمنهج الكمالي تجاه الأناضول تقوم على إدخال تغيير عليها من خلال أجندات تعليمية وثقافية طويلة الأمد. لكن الكثيرين في الأناضول اعتبروا مثل هذا المشروع الطموح نموذجا قمعيا حُرموا فيه من تكافؤ الفرص.

وبالنسبة للأكراد، الذين يشكلون ثالث أكبر مجموعة، لم تمضِ الأمور أيضا على ما يرام. إذ أنه سرعان ما تم إلغاء التحالف الذي كان يشملهم والذي تشكل في حرب الاستقلال التركية، وسارعت تركيا الجمهورية إلى تبني استراتيجية قاسية في التعامل معهم.

وتحت تأثير الثقافة العثمانية العالمية المستقاة من البلقان العثماني والأناضول الغربية، فرض النظام الكمالي عمليا هيمنة ثقافية استبدادية في جميع أجزاء الأناضول حيث لم تتورع الحكومات عن استخدام أساليب عسكرية شديدة عند الضرورة.

ونظرا لأن تغيير الأكراد تمشيا مع المشروع القومي الجديد كان مستحيلا، فقد كان المخطط الأساسي يهدف إلى تحجيم الحركة السياسية الكردية خشية أن تصبح خطرا حيويا على تركيا. ومن ثم يمكن تلخيص استراتيجية تركيا بشأن الأكراد على أنها حرب محدودة ودائمة تهدف إلى إبقاء الأكراد في حالة أزمة "مستدامة" بدلا من حل مشكلاتهم.

ولذلك، فقد اقتصر مشروع التحديث الكمالي، مثلما كان عليه العثمانيون، على المراكز الحضرية أساسا في الجزء الغربي من تركيا. وبالتالي، تكلّف الجيش والجهاز الإداري الكماليان بمهمة حماية المشروع من الآثار الجانبية في الأناضول.

لذلك، وعلى الرغم من الرواية الرسمية للدولة التركية، فقد تشكلت تركيا الحديثة من ثلاث مجموعات اجتماعية رئيسة مختلفة تتسم بتباينات شديدة سياسيا وثقافيا وكذلك من حيث الهوية.

إذن، ما الذي يحدث اليوم؟

العامل الاجتماعي الرئيسي الذي يفسر شكل تركيا في وقتنا الحاضر هو صعود الأناضول باعتبارها المجموعة المهيمنة الجديدة لتحل محل مجموعة الأناضول الغربية.

لكن، مع صعودها لتكون المجموعة الحاكمة الجديدة، تكرر الأناضول بصورة طبق الأصل تقريبا أساليب المنهج الكمالي: فهي تواصل قمع الأكراد بالقوة، وتحاول فرض هيمنة سياسية وثقافية استبدادية على الجماعات العلمانية المحصورة حاليا في غرب تركيا.

والنخبة السياسية الإسلامية والقومية، التي تستمد قوتها وشرعيتها حاليا من الأناضول، عازمة على تغيير نمط الحياة في الأناضول الغربية بما يتفق مع رغباتها الإيديولوجية والثقافية.

وبالتالي، فمن الناحية الهيكلية لا يختلف منهج الإسلاميين تجاه المجموعات الاجتماعية الأخرى كثيرا عن نهج الكماليين من قبلهم. فهم مثلهم يرون المجموعات الأخرى أيضا على أنها تمثل مشكلة ثقافيا وينبغي أن تتغير بما يتماشى مع وجهة نظرهم.

والوضع بالنسبة للأكراد مرة أخرى بالغ السوء نظرا لأن وجهة النظر السائدة تجاههم بين الأتراك مشابهة: فالأتراك الإسلاميون، مثل العلمانيين، يتوقعون فعليا أن يتحول الأكراد ثقافيا، وهو ما يتطلب منهم أن يعيشوا مثل الأتراك الآخرين وأن يبقوا أكرادا فقط في المنزل أو في حدائقهم في أفضل الأحوال.

لكن هناك نقطة مقلقة في هذه القصة: فالأساس الاجتماعي للتحديث التركي، الذي يضرب بجذوره في أواخر العهد العثماني واستمر لاحقا في عهد تركيا الكمالية، يواجه اليوم خطر الانقراض الاجتماعي.

فتركيا ربما تفقد قريبا مجموعة اجتماعية حيوية ما زالت تحتفظ بالحماس التاريخي للتحديث في شكل توليفة مع القيم الغربية.

ويعاني أنصار المنهج الكمالي الآن من الإنهاك والشيخوخة.

على الجانب الآخر، يتمتع أنصار الإسلاميين والقوميين بالحيوية ويطالبون بنموذج جديد يجري فيه تحديث القواعد الاجتماعية والسياسية في إطار عمل أكثر انسجاما مع الدين.
بل إن من الممكن أيضا ملاحظة تلك التغييرات الاجتماعية في المراكز الحضرية. على سبيل المثال، فقد تحولت تقريبا مدن رئيسة مثل إسطنبول وبورصة، اللتين لهما دور تاريخي في التحديث، إلى مدن أناضولية نموذجية من الناحية الاجتماعية.

ولنضرب مثلا بمدينة بورصة: فقد كانت في وقت من الأوقات مركزا حضريا تركيا نموذجيا قام بشكل أساسي على التراث الثقافي الثري لشعب البلقان. أما الآن، فبورصة في أغلبها مدينة يهيمن عليها أهل الأناضول من مختلف المحافظات الشرقية مثل أرتوين وموش وأرضروم.

وقد فشلت مدن مثل بورصة وإسطنبول في استيعاب ملايين الوافدين الجدد، بل على العكس هيمن هؤلاء الوافدون على تلك المدن وفقا لثقافتهم الأناضولية المحلية.

وهكذا، ليس من الخطأ وصف إسطنبول وبورصة اليوم على أنهما من مدن الأناضول، بغض النظر عن موقعهما الجغرافي على الخارطة.

وتظهر مثل تلك العوامل الجديدة في تركيا أن أزمة التحديث التركي لم تعد سياسية، وإنما باتت أزمة اجتماعية.

فاللاعبون السياسيون الجدد الذين يستمدون قوتهم من الأناضول باتوا يسيطرون الآن على الدولة وهم عازمون على استغلالها لفرض تغيير ثقافي مركب بما يشمل الجزء الغربي من تركيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: