الأكراد الممزّقون بين الحزن والنضال والحماسة

منذ الساعات الأولى لصباح يوم 21 مارس تدفق آلاف الأكراد على الميدان الذي تقام في احتفاليات عيد النوروز في مدينة ديار بكر، جنوب شرقي تركيا. لكن هذا التدفق البشري كانت تلازمه مشاعر الحذر، والحرص على التواجد في المكان بهدف إظهار روح التضامن، أكثر من شعوره بالسعادة والتفاعل بحماسٍ مع هذه المناسبة التي ينتظرونها من العام للعام.
مئات الآلاف احتشدوا في المكان حتى غاص بهم. وكان الموضوع الرئيس لاحتفالات النوروز هذا العام هو "إنهاء العزلة" المفروضة على زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان. وذلك لأن كافة الكلمات التي ألقيت بهذه المناسبة أمام الحشد الجماهيري كانت في مجملها تدور حول موضوعات في هذا السياق، مثل الإضراب عن الطعام الذي يخوضه كثرٌ من المعارضين الأكراد للنظام التركي، وكذلك موضوع ليلى غوفين التي تخوض حاليًا إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، إلى جانب موضوع إنهاء العزلة عن أوجلان، إلى جانب الوحدة القومية بين الأكراد جميعًا. ومن ألقوا كلمات بهذه المناسبة، هم ممثلون عن العديد من الأحزاب الكردية على اختلاف إيديولوجياتها.
وبخلاف عَلَم حزب الشعوب الديمقراطي، كانت أعلام الأحزاب الكردية الأخرى ترفرف بالميدان، بحسب ما تم الاتفاق عليه مسبقًا. ناهيكم عن بالونات متعددة الألوان صفراء، وحمراء، وخضراء، وبنفسجية التي كانت تلفت الأنظار مع أعلام أخرى تكتسي بألوان تشبه ألوان قوس قزح.
ولفت انتباهي في احتفالات هذا العام أيضًا وجود أعداد كبيرة من الضيوف القادمين من كردستان العراق. وعلى الجانب الآخر لم يكن هناك حضورًا لافتًا من قبل الضيوف القادمين من الغرب في احتفالات هذا العام؛ لمشاركة الأكراد فرحتهم بهذه المناسبة، غابوا كغيابهم عن المناسبة طيلة السنوات الثلاث الأخيرة. على عكس ما كان يجري من قبل في سنوات السلم حينما كانوا يأتون بأعداد غفيرة. والسيدة التي تقف بجانبي تقول لي في هذا الشأن "إنهم لا يمتلكون من الشجاعة سوى ما يمكنهم من الوقوف بجانبنا في أيام السلام فقط، أما فيما عدا ذلك فلا". وعمومًا كانت المشاركة من خارج الديار قليلة لدرجة أن نقول إنها كانت شبه معدومة.
ورغم أن المناسبة سعيدة بالنسبة للأكراد؛ إلا أنه لا تغيب عن عقولهم، وقلوبهم الإضرابات عن الطعام التي يخوضها أخوة لهم آخرون. لنرى من بين ممن جاءوا للاحتفال فصيل جاء ليقول "ما كنا سنآتي، لكننا أتينا لنقول نحن هنا موجودون"، وآخرون جاءوا ليقولوا "ليس هناك ما يمكننا الاحتفال به، لكننا أتينا من أجل التضامن"، وثمة فصيل ثالث جاء ليقول "رغم كل شيء فإن الدبكة(رقصة شعبية) الكردية، تمثل رمز مقاومتنا"، وآخرون يقولون "لقد مات كثرٌ منا حتى يتسنى لنا الاحتفال بالنوروز. فكان لزامًا أن نكون من الحضور".
ومن ثم يمكننا القول إن الأكراد في احتفالات النوروز هذا العام ممزقون بين الحزن والنضال والحماسة. وفي وسط هذه الأجواء من الصعب الحديث عن أية أجواء انتخابية خاصة بالانتخابات المحلية المزمع إجراؤها نهاية مارس الجاري. فمرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم، جمالي آتيلا، المعين حاليًا بالوصاية رئيسًا بلدية ديار بكر، له فقط بعض اللافتات القماش للدعاية له في بعض الشوارع الرئيسية بالمدينة.
أما حزب الشعوب الديمقراطي الكردي فيحاول جاهدًا القيام بأعماله وحملاته الانتخابية بين ما يعانيه من قمع وإضرابات عن الطعام يخوضها عدد كبير من أنصاره؛ رفضًا للضغوط التي تمارس بحقهم من قبل النظام. وبالتالي فإن الحماس من قبل الحزب في مسألة الانتخابات جد قليل. ولعل السبب الأكبر في قلة هذا الحماس هو أن نتيجة الانتخابات في المدن ذات الأغلبية الكردية تكاد تكون معروفة تقريبًا.
ففي مثل هذه الفترة التي يزج فيها بآلاف السياسيين الأكراد بالسجون، من الواضح أنه لن تكون هناك أية فرص على الإطلاق لفوز مرشح الحزب الحاكم، المعين كوصي حاليًا على بلدية ديار بكر، لأنه فرصه معدومة أمام مرشح حزب الشعوب الديمقراطي، رغم ما يقدمه ذلك المرشح من إغراءات خدمية لسكان المدينة.
وثمة أسباب أخرى ايضًا لقلة الحماس بالنسبة للانتخابات، ومنها الإرهاق، والسأم، فضلا عن انخفاض معدل الثقة في جدوى السياسة بشكل عام.
وفي هذه الأجواء الاحتفالية بالنوروز قام عدد من نواب حزب الشعوب الديمقراطي، مضربون عن الطعام منذ 3 مارس الجاري، بالصعود على المنصة، وتلاوة رسالة النائبة ليلى غوفين. وهؤلاء النواب هم درسيم داغ، وطيب تمل، ومراد صاري صاج. الميدان أثناء تلاوة الرسالة كان يأن ويدوي فيه صوت ليلى غوفين. وكأن هذا الأنين يحمل في نبراته نوعًا من الحزن والتضامن مع المناضلة الكردية. وكنت أرى في نظرات الحاضرين جميعًا قلقًا وخوفًا من احتمال حدوث أي مكروه لغوفين أو لغيرها من المضربين عن الطعام في سبيل قضيتهم.
وفي هذا المقام يمكنني الاستشهاد بتغريدة أعجبتني كثيرًا، كان قد نشرها بالأمس الفنان تركان آلجي، وجاء فيها:
"بحسب الأسطورة فإن كاوه الحداد(بطل اسطوري كردي) خرج تلك الليلة (ليلة الاحتفال بالنوروز) ضد الملك(يدعى ضحاك) ورفض التضحية بابنته(إذ جرت العادة أن يطلب الملك في ذلك الوقت من أهل القرية التضحية بأبنائهم من أجل أفاعيه). فكيف يمكننا في هذا القرن أن نقرأ بشكل صحيح المقاومة التي بداها هذا البطل الأسطوري؟ وكيف بإمكاننا أن نقاوم فكرة أن نكون ضحايا باستمرار؟ وهل يمكننا إدراك قدسية الحق في الحياة كما أدركها كاوه؟".
أنا أوافق تركان آلجي في كل كلمة كتبها. وبمناسبة أعياد النوروز ثمة ألف سؤال يدور في رأسي منها:
لماذا الأكراد مضطرون للموت؟
وهل الأكراد دائمًا مضطرون ليدفعوا هم الثمن؟
لكن من الواضح أن الأكراد أمامهم طريق طويل من النضال قد يمتد لسنوات طوال. ولربما لا يمكنني أنا وجيلي أن نرى ما سيسفر عنه هذا النضال والمقاومة من حرية ومساواة نبتغيها.
وغير أن الشيء المؤكد هو أن هذا النضال يقتضي أن نكون أكثر قوة لا ضعفًا، وأن نبقى على قيد الحياة لا نفنى، وأن نتكاثر لا نتلاشيى؛ كي نلقي بأبداننا من أجل النضال لا الموت.

لقراءة الموضوع باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/newroz/newroz-kawa-bedenleri-olume-degil-uzun-bir-mucadeleye-yatirmak
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.