الأكراد وأزمة التوقيت الخاطئ!

يؤلمني كثيراً الحال الذي آل إليه الوضع في تركيا؛ حيث القمع والتعسف، والأسوأ من ذلك كله أن الناس قد اعتادوا على القسوة باعتبارها سلوكاً طبيعياً من الحكومة الحالية. يزخر التاريخ بكثير من الحوادث الوحشية المماثلة.
نعرف جميعاً أنه خلال هذه الفترة كانت هناك أيضاً حشود تقف موقف المتفرج إزاء ما يقع من أحداث. لقد اختلط عليَّ الأمر، في ظل هذا المناخ، لدرجة أنني أصبحت أفهم بعض الأمور، حتى لو كانت سليمة، بشكل مختلف تماماً. أعتقد أن مثالاً أو اثنين قد يفيدان في شرح ما أرمي إليه من قولي هذا. 
عندما أمعنتُ النظر فيما نشهده من تطورات خلال الآونة الأخيرة، تذكرتُ ما شهدناه في عام 1942. كانت الأقليات غير المسلمة تعاني أشد المعاناة؛ إذ كانت السلطات التركية حينها تصادر ثروات الناس، وتزيل المنازل وتبيع الأثاث في المزادات، وتدس الرجال في القطارات لتسوقهم إلى المنفى.  
كان مصيرهم غامضاً، ولم يكن أحد يعرف، على وجه اليقين، إن كانوا سيعودون مرة أخرى أم لا. كانت الزوجات والأطفال يتطلعون إلى وجوه بعضهم البعض، وفي عيونهم نظرة بؤس وأسى. كانوا جميعاً يعيشون صدمة كبيرة حبست دموعهم ومنعتهم من البكاء.   
وفجأة، يقول أحد الجيران شيئًا صحيحًا تمامًا أيضًا "لكنك أيضًا علّقت العلم اليوناني على شرفتك قبل عشرين عامًا عندما جاء الجيش اليوناني إلى أزمير".
هذه أيضاً كلمة صحيحة تماماً؛ لأننا نعرف أن هناك أشخاصاً قاموا بالفعل خلال هذه الفترة بتعليق العلم اليوناني في شرفات منازلهم، ولكن ألا ترون أن قول تلك الكلمة يحمل نوعاً من التبرير لما تعرَّض له الناس آنذاك لانتهاكات لحقوق الإنسان، أم أنه يجب علينا أن نعتبره شيئاً عادياً لا يتجاوز كونه نوعاً من التفسير أو شرح المعنى فقط دون النظر إلى هذا؟
هل يبرر تعليق شخص أو اثنين العلم اليوناني ما تعرضت له أعداد كبيرة من معاناة؟ ألم يكن من الواجب حينها أن يقف الناس قائلين "أوقفوا حملات الإبادة الجماعية؟" أنا هنا أقصد المواقف المشابهة لهذا؛ أي التي نقول فيها الحق، ولكن في التوقيت الخاطئ. أتساءل ما إذا كان ذلك الجار قد ندم على قوله وأنه كان من الأجدر لو التزم الصمت.
ألم يدعم قرار هتلر انتهاج سياسه تمييزية حازمة ضد اليهود ما أشيع عنهم بأنهم "رأسماليين استعماريين"، حتى إن كان في هذا قدر من الصحة؟ لا بد أن هناك غرضاً وراء التذكير بعيوب اليهود ونقائصهم في تلك الفترة؛ لذلك ففي اعتقادي الشخصي إن قول بعض الصدق في مواقف كتلك التي تحدثتُ عنها لم يكن بالاختيار الموفق.
قد يكون ما قيل صحيحاً، ولكن الفعل نفسه كان خاطئاً، وأقصد بالفعل هنا عدم تحري الوقت المناسب؛ مما فتح الباب أمام  ارتكاب أخطاء  أخرى بعد ذلك.
 أعتقد أن تناول الأحداث التي لا ترتبط ببعضها البعض بشكل مباشر في سياق واحد هو، في حقيقة الأمر، نوع من السلوك الغوغائي، الذي قد لا يأتي بنتيجة أخرى، سوى بالفوضى وضياع الحقوق. وبالطبع لا نجد من يتحدث في مثل هذه الحالات عن الحقوق والقانون والعدالة.
ستمر السنوات من بعد ذلك، وسيحدث ما سيحدث، ولكن سيبقى أولئك، الذين تسببوا في آلام الغير بشرهم، وسيحكي كل من طاله الألم من جرَّاء هؤلاء لأحفاده ما قاساه بسببهم، كأنه يحكي قصة من قصص الرعب المخيفة.
سيناقش المثقفون والباحثون والمدافعون عن حقوق الإنسان هذه القضايا، وسيكتبون عنها أعمدة كاملة معبرة عما حدث، وسيشرح البعض الآخر الحقيقة في المؤتمرات، وسيعد الشباب رسائل الدكتوراه حول هذه الموضوعات.  
ولكن هذا كله سيحدث بعد مرور عشرات السنين. سيحدث بعد فوات الآوان. الوقت الحاضر ليس هو وقت الصمت أو الوقت الذي نقول فيه "ولكنهم أيضاً...."، ولكنه الوقت الذي يجب علينا أن نرفع فيه صوتنا ونقول "لم يكن ما جرى صحيحاً".
في رأيي، إن الوقت الآن لم يكن مناسباً للبحث عن عيوب الماضي ونقائصه. ليس ههنا وقت لقول جمل من قبيل "ولكنهم أيضاً...". أعتقد أن "التوقيت" الخاطئ قد يكون واحدة من آليات الدفاع. مما لا شك فيه أنه كان من الأفضل لو تذكرنا عيوب الماضي ونقائصه، بدلاً من التحميل على هتلر وحملته ضد اليهود.
دعوني أقرأ عليكم عدة جمل وردت في نص كُتِبَ قبل ثلاثة آلاف عام:
"لا بد أن تقع أية واقعة تحدث تحت قبة السماء في توقيتها المناسب؛ هناك وقت محدد للميلاد، ووقت للوفاة. هناك وقت للقتل، وهناك وقت للشفاء. هناك وقت للهدم، ووقت للبناء. هناك وقت للضحك، ووقت للبكاء. هناك وقت للحداد، ووقت للهو. هناك وقت لرمي الحجارة، كما أن هناك وقتاً من أجل جمع الحجارة. هناك وقت للعناق، ووقت لا نستطيع فيه فعل ذلك. هناك وقت نلوذ فيه بالصمت، ووقت يتعين علينا فيه أن نتكلم. هناك وقت للحب، ووقت للكراهية. هناك وقت للحرب وآخر للسلام.."
ومع هذا، يبدو أن لكل منا توقيته الخاص الذي يختلف عن الآخرين؛ ففي حين يرى البعض منا أن هذا هو وقت الحديث أو الحب أو الصمت، يؤكد البعض أن الوقت يناسب أكثر الكراهية وإلقاء الحجارة.
أرجو ألا تسيئوا فهم حديثي؛ فأنا لم أقصد هنا الحديث عما تعرض له اليونانيون أو اليهود في الماضي، وإنما قصدتُ الإشارة إلى حالنا في تركيا اليوم. قصدت بحديثي الأكراد، الذين يواجهون مواقف مماثلة اليوم، والمثقفين الذين يعارضون السلطة السياسية، والأفراد الذين يعارضون النظام؛ حيث يتم تجاهل حقوق الأفراد بالقول "ولكنهم أيضاً..."، وإلصاق تهم مثل الانضمام إلى الجماعات الإرهابية، وخيانة الوطن، تماماً كما كان يحدث في الماضي.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/timing-yani-zamanlama
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.