أويغار غولتَكِن
ديسمبر 25 2017

الأمل في صناعة المربى: مطبخ اللاجئات في تركيا

مضت على الحرب في سوريا سنوات عدة، وهي التي كانت سببًا في فقدان آلاف الأشخاص لحياتهم، فضلًا عن مئات الآلاف الذين تشتت بهم السبل في بلادهم، وآلاف آخرين لفظوا أنفاسهم في بحري إيجه والمتوسط. وتقريبا كافة الدول لها يد فيما حل بتلك البلاد.

ولا نبالغ إذا ما قلنا إن بقعة من العالم قد سويت بالأرض تمامًا. وفي هذه الآونة يمكننا سماع من يتحدثون عن الحلول السياسية من داخل قصور، والجميع يعلمون أنه لن يكون هناك أي شيء كسابق عهده، ولا سيما السوريون أنفسهم فهم يدركون ذلك تمام الإدراك.
في شارع من الشوارع الجانبية بمنطقة "أوق ميداني" بمدينة إسطنبول، ثمة حانوت صغير لا يتعدى الغرفة الواحدة، قد عُلقت عليه كثر من الآمال بشكل لا يكاد يستوعبه، توجد بداخله كميات من المربى التي تعد بمثابة نقطة التقاء السيدات اللاتي يجدن في المكان ملاذًا يتجمعن فيه، فهن ماهرات في صنع المربى اللذيذة.
وفضلا عن كونهن سيدات، وماهراتٍ في صنع المربى، فهناك نقاط أخرى مشتركة تجمع بينهن جميعًا، إذ تركن كلهن مدنهن، وبيوتهن التي عشن فيها طيلة حياتهن، كما تركن أقاربهن وإخوانهن وأخواتهن، وجئن للعيش هنا. تلك السيدات اللاتي اضطررن لترك سوريا، مجتمعات الآن هنا، في مطبخ اللاجئات، والغاية البحث عن رحلة جديدة.
المكان به 17 سيدة من بينهن 15 سورية، دأبن على صنع المربى منذ عامين. في السابق كن يصنعنها في منازلهن، لكن الآن بات لديهن مطبخهن الخاص بهن. الحانوت الصغير بات مكتظا بالسيدات، والأطفال، والمربى. وهناك يُقَدَّمُ الشاي، والفلافل على المنضدة حيث يجري العمل على قدمٍ وساق.
مطبخ اللاجئات
17 سيدة في مطبخ اللاجئات باسطنبول

تركيا، هي الدولة الأكثر إيواءً للاجئين السوريين. وكثيرًا ما نسمع الرئيس رجب طيب أردوغان يحكي كيف فتحت بلاده ذراعيها للسوريين. لكن الكل يعلم تمام العلم كم تشكل تركيا مرحلة صعبة بالنسبة للسوريين.

مرحلة صعبة لأن هناك أصحاب منازل يرفضون التأجير لهم، وأرباب عمل يحجمون عن توظيفهم، بل هناك بعض السماسرة يجبرون السوريين على العمل بنصف أجر، ناهيكم عمن ينظرون إليهم نظرات استهجان وامتهان، ومن بات يصرخ فيهم قائلاً "متى سترحلون عنا"، والأكثر أسفًا تهديد قادة المعارضة الرئيسة في البلاد لهم قائلين "سنرسلكم إلى بلدانكم".
وبينما كانت الأمور تسير على هذا النحو العسير بالنسبة للسوريين في أماكن عدة، كان "أوق ميداني" على النقيض تمامًا. المكان تأسست فيه قبل عامين "جمعية أوق ميداني للتعاون والتضامن" بهدف حماية الحي من التحوُّل الحضري. لكن فيما بعد باتت المنطقة أحد أوائل المناطق التي دأب السوريون على طرق أبوابها.
 
تروي زينب حورباش مغامرة الجمعية والحي نفسه في التعرف بالسوريين:
"حاولنا جاهدين تقديم يد العون في مواضيع كثيرة بدءاً من تسجيل الأطفال في المدارس، وصولاً لتلبية الاحتياجات الناقصة في منازلهم. فكنا نبادر بحل المشكلة قبل أن تبدأ الدولة في الحديث عنها. كما وجدنا العون من (اتحاد الأسر المدرسية)، وتضامن معنا أولياء الأمور.
كان الملبسُ من أكثر الأمور إلحاحاً. فاشترينا ماكينات مستعملة، وقمنا بصيانتها، وذهبنا بها إلى المنازل. ثم خطرت ببالنا فكرة المغسلة. فذهبنا إلي بلدية شيشلي وطلبنا من مسؤوليها تقديم المساعدة في هذا الأمر. فساعدونا هم أيضًا؛ لكن مع هذا ظل الأمر منقوصاً.
لقد اكتشفنا بعد ذلك ونحن نتحدث ذات يوم من الأيام أن ثمة أمر مشترك يجمع بين السوريين، ألا وهو المربى. فكل السيدات هناك يُجدن صُنع المربى. قمنا في بادئ الأمر  بالتَجَمُّع بالمنازل. لكن وجدنا في ذلك صعوبة.
فكما تعلمون المنازل فيها أطفال يذهبون ويعودون من المدارس، فضلا عن وجود الأزواج، كما أن تكاليف اسطوانات الغاز كانت مرتفعة. فأخذنا نفكر فيما لو أصبح لدينا مكان خاص. فتكاتفت الأيدي هنا، وتمكنا بالقليل من هنا وهناك من جمع إيجار عام كامل للمكان. فضلا عن أننا وجدنا العون من أجل تجهيز المطبخ الذي يعد أمرًا ملكفًا.
نحن نعمل حتى نضمن لهذا المكان الاستمرارية. ونحاول أن نؤسس نظاما يحقق كسباً وحياةً كريمة بالنسبة لهم. فهم يعملون على تطوير قائمة الطعام. وهناك من يساعدهم في هذا. وما نتحدث عنه هو ما الذي بمقدورنا تقديمه.
لقد بدأنا في إرسال الطعام إلى التجمعات والاجتماعات المختلفة، لدرجة أنه لو كان لديكم اجتماع مكون من 50 شخصًا، فهذا المكان كفيل بتلبية احتياجاته من المآكولات.
الوصول إلى هذه النقطة حتمًا سيأخذ وقتًا. ونحن نفكر في تأسيس جمعية تعاونية. نجتهد حاليًا في الإجراءات القانونية الخاصة بذلك، وعاكفين على العمل في هذا الصدد. لكن لا شيء يصير بين يوم وليلة. غير أننا نجتهد حتى يصبح هذا المكان خاص بهن."

السيدات متحمسات، وعندما يأتي صحفيون، فهناك متحدثات باسمهن، يتولين أمر هؤلاء الصحفيين. "مريم الحمد" التي يُطلقون عليها اسم "الرئيس"، سيدة صاحبة نفوذ، تتولى مهمة التفتيش على ما يُقدَّم للضيوف، كما تقوم بالإشراف على المطبخ، وتلتقط الصور مع معاونيها. وبحسب ما قصته على مسامعنا، فهي أم لعشرة أبناء. قَدِمَت من مدينة الحسكة وتسكن في إسطنبول منذ عامين.

انتقل نصف أبناءها إلى أوروبا عبر بحر إيجة. ويعيش الخمسة الباقين في اسطنبول. لديها بنت تدرس حالياً في المدرسة الثانوية. يعمل زوجها واثنين من أبناءها كذلك. فقد ترك أبناؤها جامعاتهم واُضطروا إلى المجيء إلى هنا. وهم يعملون حالياً في ورشة للمنسوجات.
"الحياة صعبةٌ هنا. لذا ينبغي على كل شخص أن يتمسك بعمله" وهي تشعر بالحاجة إلى تفسير سبب قدومها هي الأخرى إلى هنا، "لم نأتِ إلى هنا بمحض إرادتنا. فقد كانت الحرب تدور هناك. كانوا سيسوقون أبناءنا إلى العسكرية."
مطبخ اللاجئات في اسطنبول
مريم الحمد ونادية حلَّاوي

موضوع العودة محفوف بالمشاكل. مريم الحمد، تشعر بالحنين إلى سوريا، ولكنها لا تستطيع أن تفصح عن رغبتها تلك في العودة. فعلى الرغم من كثرة ما تعانيه إلا أن اسطنبول بالنسبة إليها أكثر أمناً.

أما هبة حيَّلي فتبلغ من العمر 29 عاماً. جاءت إلى اسطنبول قبل أربعة أعوام قادمةً من حلب مع طفليها. وفي اسطنبول انضمت للفريق. زوجها يعمل هو الآخر في ورشة للمنسوجات. وكانت اسطنبول هي وجهتهما الأولى. يعيش أخوها وأُختها الذين يكبُرونَها فى حلب.
تقول هبة "أعلم أنهما بخير. "الإنترنت به مشاكل لذا لا أتواصل معهم إلا بين الحين والآخر، ولكنني واثقة من أنهم بخير. لقد أخرجت حيَّلي موضوع سوريا من رأسها تقريباً.
" اسطنبول جميلة. صعبةٌ ولكنها جميلة. سوريا بالفعل جميلة ولكن اسطنبول أكثر جمالاً. لا أحُبذّ العودة إلى سوريا."

تود حيَّلي أن تلتحق بكورس كي تتعلم التركية.

تحكي حيَّلي كم أحبت اسطنبول، ولكنها عانت الكثير من المصاعب كذلك. وكان أكثر شيء عانوه فيها هو إيجاد المنزل. "لا يوجد منزل للسوريين." لقد صار الحصول على منزلٍ واحداً من أكبر المصاعب.

وعندما يجري الحديث عن موضوع المنزل تدخل فريدة وهي من أعضاء المطبخ في الحوار وتقوم في الوقت نفسه بمهمة الترجمة للسوريين: "موضوع السكن هو مشكلة مستمرة. فهم يرفضون إعطاءهم المسكن. بعدها نذهب نحن، ونتحدث مع صاحب المنزل ونحاول أن نتوصل إلى حلٍ للمشكلة. نفس الشيء يحدث بالنسبة إلى المدرسة. فهم يرفضون قبول الطلاب في البداية وبعدها نذهب نحن. "
فريدة أبيتش، 27 عاما، من سكان ماردين. انضمت إلى الفريق لتقوم بالترجمة، وبعدها أصبحت إحدى أعضاء المطبخ كذلك. تحكي فريدة كيف أحدث العمل الجماعي هنا تغييراً في حياة السيدات.
"لقد أصبحن أكثر ثقةً بالنفس. كانت جميع السيدات الموجودة هنا ربات بيوت. ولم يخرجن للعمل. وعندما جئن إلى اسطنبول أول مرة لم يخرجن من المنزل. ولم يكن أزواجهن يأذنون لهن. أما الآن فهن يعملن."
نادية حلَّاوي، أم لطفلين. رُزقت بأحدهما في اسطنبول. تجيد التركية. فهي من التركمان السوريين. تعيش في اسطنبول منذ أربعة أعوام. يعمل زوجها في ورشة للمنسوجات.
تعتبر حلَّاوي أكثر حظاً من قريناتها.

 

مطبخ اللاجئات في اسطنبول
تنتظر السيدات المساعدة حتى يروج عمل المطبخ.

تقول حلَّاوي "معرفتي للغة التركية جعلني أشعر براحة أكبر." يعيش كل أفراد عائلة حلَّاوي وأقربائها تقريبا في حي فاتح. وهم لا يتلقون مساعداتٍ مالية من الدولة. وتحكي أنهم يحصلون على الخدمات الصحية بلا مقابل، ويذهبون إلى المستشفيات بكل حرية. "زوجي يريد العودة ولكنني لا أريد ذلك. "

حلَّاوي متفائلة بشأن موضوع المطبخ. وتقول "لم نربح مالاً بعد" ولكن لديها الكثير من الأفكار حول كيفية تحقيق الاستمرارية له فتقول "نحن بحاجة إلى المساعدة. يمكن لأي منا أن يقدم العون."
تتشابه حكايات السيدات مع بعضها البعض. الجميع سعداء. يكمن في صدرِ كل منهن حماسة خلق مطبخ من العدم. أما ضمان استمراريته فسيصبح انتصاراً للسيدات وللتضامن معاً.
يمكنكم التطوع لمساعدة هؤلاء. يمكنكم شراء منتجات "مطبخ اللاجئات". يمكن الحصول على عناوين الأماكن التي تُباع فيها أنواع المربى من الموقع الموجود على صفحة فيسبوك.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: