جلدم أتاباي شانلي

الأوروآسيوية أم العودة نحو الغرب.. ما الوجهة التالية للاقتصاد التركي؟

ليس سرا أن العلاقات التركية الأمريكية الشائكة ستصبح أكثر توترا مع انطلاق محاكمة تتعلق باتهامات بخرق العقوبات المفروضة على إيران في نيويورك.

وتعرضت أسواق المال التركية لهزة أحدثتها التداعيات المحتملة التي تتراوح بين فرض عقوبات ضخمة على عدد من البنوك التركية والتورط المحتمل للقيادة التركية في التعاملات التي نفذها تاجر الذهب التركي ذي الأصول الإيرانية رضا ضراب، المتهم السابق الذي تحول إلى شاهد في القضية.

وتتزامن هذه التوترات مع العجز المزدوج في الحسابات المالية والتمويل الخارجي الذي يهدد المسار المستقبلي للاقتصاد التركي. وحتى المعنويات الإيجابية النابعة من النمو الاقتصادي القوي هذا العام تبخرت لفترة طويلة جراء التقلبات الشديدة في الوضعين السياسي والاقتصادي في تركيا.

وفي ظل التوتر الحالي في علاقات الرئيس رجب طيب إردوغان بالدول الغربية واقتراب الانتخابات الرئاسية في الداخل، ربما تكون هناك حاجة لنظرة عن كثب على الجهود التي يبدو أن إردوغان يبذلها لتحريك الدفة التركية باتجاه روسيا نظرا لأن مثل تلك الجهود من شأنها احتواء صعود الأكراد في الشرق الأوسط والانتقادات الموجهة لسعي إردوغان إلى تعزيز سلطته.

بيد أن مسألة إن كانت مثل تلك العلاقات الآخذة في الدفء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإردوغان، اللذين التقيا ست مرات هذا العام فقط، ستخفف حاجة تركيا الشديدة للتمويل الخارجي في الأجل القصير إلى المتوسط يجب أن تكون النقطة المحورية.

وربما تكون صورة بوتين وإردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني وإيديهم متشابكة في مدينة سوتشي الواقعة جنوبي روسيا، والتي التقطت بعد أيام فقط من حضن بوتين الدافئ للرئيس السوري بشار الأسد، تمثل بداية حقبة جديدة في الشرق الأوسط. ونجحت موسكو في استعادة مقعهدها على طاولة القوة الجيوسياسية في المنطقة.

الاقتصاد التركي

وبالنسبة لتركيا، يبدو التراجع التام عن موقفها بشأن سوريا الأكثر جلاءً الآن. فمن دعمها للمعارضة السنية إلى جانب الإدارة الأمريكية في مواجهة الأسد، تحولت تركيا إلى دعم موقف نظام الأسد من خلال التحالف مع روسيا وإيران. من ثم بات من المؤكد أن الأزمة الروسية التركية، التي نشبت في عام 2015 عندما أسقطت تركيا طائرة حربية روسية وما أعقب ذلك من عقوبات اقتصادية روسية على أنقرة ، أصبحت ماضيا. بل إن الأمر بلغ حد تخفيف إردوغان نبرته بشأن أكراد سوريا من أجل المساعدة في وضع أسس لتسوية سياسية.

أسست تركيا وروسيا علاقات اقتصادية عميقة منذ تسعينات القرن الماضي. وتستورد تركيا حاليا أكثر من نصف احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا محتلة بذلك المرتبة الثانية ضمن أكبر أسواق تصدير الغاز الروسي بعد ألمانيا. وسجل حجم التجارة بين تركيا وروسيا مستوى قياسيا بلغ 34 مليار دولار في عام 2008عندما بدأ الجانبان الحديث عن استهدافهما الوصول بهذا الرقم إلى 100 مليار دولار. لكن الاعتماد المتنامي لكل طرف على الآخر تلقى ضربة في عام 2016 عندما حظرت روسيا الصادرات التركية وحدت من تدفق السياحة الروسية على المنتجعات التركية. وهوى حجم التجارة إلى نحو 50 بالمئة من مستويات الذروة التي كان قد سجلها في عام 2008. بعد ذلك، تخلى إردوغان فعليا عن رؤيته في التحول إلى مركز للغاز الطبيعي من خلال خط أنابيب عابر لبحر قزوين، والتي ظل يلاحقها طويلا، ورضخ بدلا منذ ذلك إلى المطالب الروسية لإيجاد بديل مما جعل تركيا ممرا لنقل الغاز الروسي.

ويحقق البلدان في الوقت الحالي تقدما بشأن خط أنابيب نقل الغاز الطبيعي ترك ستريم وفي خطط روسيا لبناء أول مفاعل نووي في تركيا بتكلفة تبلغ نحو 20 مليار دولار. كما وحد البلدان جهودهما لتطوير حقول نفط وغاز طبيعي في إيران. لكن التطور الأكثر إثارة للجدل في العلاقات الثنائية كان اتفاق تركيا على شراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400، وهو الأكثر تقدما، مقابل 2.5 مليار دولار.

وتصطف تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حاليا في جانب روسيا وإيران وسوريا -- وإلى حد كبير -- بشأن قضايا الشرق الأوسط بوجه عام وتخلق توترات مع حلفاء غربيين. وواحدة من بين نقاط النقاش في الوقت الحالي هي ما إذا كانت تركيا ستعيد النظر في عضويتها بالناتو، وقد أثار هذا السؤال عدد من كبار مساعدي إردوغان.

ويبدو أن تركيا تلعب بالورقتين الروسية والأمريكية بالتبادل وتبدوا حاليا تولي دفة ولائها باتجاه الشرق. وفي الوقت الذي ربما تكون فيه علاقات تركيا مع الولايات المتحدة عند أدنى مستوياتها في 50 عاما، يصبح الاصطفاف مع روسيا خيارا جذابا من أجل دعم سياسي واقتصادي.

يُعرّف بوتين الأوروآسيوية بأنها تأسيس لسيادة روسيا على وسط آسيا والقوقاز وإحكام قبضة أكثر قوة على الشرق الأوسط. لكن مفهوم الأوروآسيوية هو أيضا جزء لا يتجزأ  من سياسة تركيا الخارجية، وتفسيره في هذه الحالة مختلف تماما. بالإضافة إلى ذلك، تبدو رؤية إردوغان المتمثلة في جعل تركيا عضوا ذا نفوذ في منظمة شنغهاي للتعاون تتعارض مع طموح بوتين المتمثل في بسط النفوذ الروسي على هذا الحليف الشرقي. فضلا عن ذلك، لا يمكن للتطورات الإيجابية في العلاقات التركية الروسية أن تمحو حقيقة أن البلدين خاضا أكثر من 17 حربا منذ القرن الخامس عشر وأن تركيا حاولت إبعاد جمهوريات وسط آسيا عن النفوذ الروسي طوال تسعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى أنها كانت متعاطفة على الأقل مع الشيشان خلال تمردهم على موسكو واستضافت قادة شيشان في اسطنبول.

الاقتصاد التركي

وبينما تبدو تركيا وروسيا الآن وقد وحد قواهما عامل عدم الثقة المشترك في القوى الغربية، يظل هناك تنافس امتد لقرون بين البلدين.

ومن المرجح أن يحدث صدام بين منظور بوتين للأوروآسيوية ومنظور إردوغان للإسلام السياسي عند نقطة ما في المستقبل، مما يعني أنه من غير المرجح أن تدير تركيا ظهرها للعالم الغربي تماما أو لبعض الوقت قدما.

بالإضافة إلى ذلك، من غير المرجح "طرد" تركيا من الناتو في أي وقت قريب لأسباب في مقدمتها أن الحلف ليست لديه آلية لإقصاء عضو من أعضائه. كما أنه لا يمكن للناتو تحمل تكلفة خسارة تركيا في الوقت الذي يتمركز فيه عدد كبير من عسكرييها في منطقة مهمة من الناحية الجغرافية. وعلى الرغم من تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، والتي من المرجح أن تضعف بسبب قضية ضراب وعدم تسليم الولايات المتحدة رجل الدين الموجود في المنفى فتح الله جولن، تعني الصورة الأمنية السريعة التغير في الشرق الأوسط أن تركيا ستظل في الناتو وستظل شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة في المستقبل المنظور.

ويبدو أن إردوغان يخطط للعب لعبة الأوروآسيوية الروسية حتى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤها في عام 2019 في الوقت الذي يحاول فيه الحيلولة دون تأسيس دولة كردية مستقلة في سوريا. بيد أن مسألة وجود تحالف راسخ يضم الدول الأربع تركيا وإيران وروسيا وسوريا الأسد سيكون عرضة لتقلبات شديدة بالنظر إلى سمات كل بلد من هذه البلدان.  وسيقابل التعاون في أحد الجوانب تنافس على الجانب الآخر.

وبناء على ذلك، وبالنظر إلى الروابط الاقتصادية الراسخة التي تجمعها بالغرب و-- في واقع الأمر -- الجمود الهيكلي التركي الذي يجعل تدفق الأموال القادمة من الغرب ضروريا من أجل استمرار مسيرة الاقتصاد، يبدو سيناريو إعادة تركيا نفسها في الأجل المتوسط إلى الطويل لوضع البلد الموالي للغرب الذي تربطه صلات أقوى بالشرق هو السيناريو الأرجح للمستقبل. وتتلقى تركيا حاليا 75 بالمئة من استثماراتها الأجنبية المباشرة من الاتحاد الأوروبي، كما أن 68 بالمئة من دائنيها بقروض طويلة الأجل من الغرب.

وعلى الرغم من أن روسيا في الوقت الحالي ثقل استراتيجي موازن ومفيد، لن تكون تركيا في نهاية المطاف راغبة في إعادة توجيه دفتها بعيدا عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: