الأويغور: أتراك الصين يتهمون تركيا بالخيانة

كان صالح هدايار في سن صغيرة جدا عندما وجد نفسه منغمسا في معركة الأويغور ضد الصين.

وخلال مقابلة أجريت معه في الآونة الأخيرة، قال هدايار وهو يستذكر حادثة وقعت في العام 1997 في إقليم شينجيانغ الصيني: "قرأ عمي أحد الكتب، وقام جارنا بالإبلاغ عنه، ومن ثم داهمت الشرطة منزلنا في منتصف الليل، وهددت بقتلنا جميعا".

وتابع: "وضعوا بندقية على رأسي وأنا في الرابعة من عمري. ذاك شيء لا يُنسى أبدا. في ذلك الوقت، لم أكن أعلم ما هي تركستان الشرقية، لكنني عرفت أننا مختلفون عن الصينيين. عرفت أنهم مختلفون، وأنهم غير صالحين".

وبعد مرور سنوات قليلة، انتقلت أسرة هدايار إلى الولايات المتحدة. وشأنه شأن معظم الأويغور، شعر هدايار بالسرور في العام 2009 حين أصبح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك، أحد أوائل القادة في العالم الذين يصفون معاملة الصين للأويغور بأنها "إبادة جماعية".

وعلى مدار عقود، عكفت تركيا على مساعدة الأويغور والدفاع عنهم، إذ يتشاركون في كثير من السمات الثقافية واللغوية، ويعتبرهم القوميون الأتراك إخوانهم في العرق. واستمرت حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا في تبني هذه السياسة، وفتحت أبوابها أمام عدد لا يحصى من الأويغور في السنوات الأخيرة، وزودتهم بوثائق رسمية بل ووفرت لهم المسكن.

لذا، أصيب الكثير من الأويغور بالصدمة جراء صمت تركيا بعد ورود تقارير من الأمم المتحدة وصحيفة نيويورك تايمز ومنظمة هيومن رايتس ووتش وغيرهم تصف بالتفصيل معاملة الصين لما يصل إلى مليون من الأويغور في معسكرات إعادة التأهيل في منطقتهم شينجيانغ.

رأى هدايار، مؤسس حركة الصحوة الوطنية لتركستان الشرقية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، أن ذلك جاء نتيجة توطيد العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وبكين. فيقول: "كل شيء له علاقة بالاقتصاد، حتى السياسة... (المسؤولون الأتراك) يقدرون المال ويؤثرونه على حقوق الإنسان".

ربط كثير من المراقبين التحول في موقف تركيا باقتصادها المضطرب ومساعيها الرامية للاستفادة من مبادرة "الحزام والطريق" الصينية الكبرى، وهي خطة ضخمة لتطوير البنية التحتية تتضمن طرقا برية وبحرية جديدة إلى أوروبا. فالاستثمارات الأجنبية، كتلك التي تعهد بها بنك صيني العام الماضي بقيمة 3.6 مليار دولار، باتت ضرورية لتركيا بعد أن مرت بسنة عصيبة من الناحية الاقتصادية.

أفراد من مجتمع الأويغور الذين يعيشون في تركيا يحملون أعلاما لما يطلق عليها الأويغور اسم "تركستان الشرقية"،
أفراد من مجتمع الأويغور الذين يعيشون في تركيا يحملون أعلاما لما يطلق عليها الأويغور اسم "تركستان الشرقية"،

وبعد زيارة قام بها عدد من الصحفيين من عدة دول على طول مبادرة "الحزام والطريق" لمنطقة شينجيانغ في الآونة الأخيرة تحت رعاية بكين، قال أردال كوروتشاي الصحفي التركي الموالي للحكومة الذي يعمل مراسلا لقناة (إيه.تي.في) إن التقارير التي تنشر عن المعسكرات هي "معلومات مضللة" من "قوى رأسمالية وإمبريالية عالمية".

وأضاف: "نقرأ وسائل الإعلام الغربية ونتحرك ونتخذ موقفا بناء على الإعلام الغربي... لكننا أدركنا الخطأ الذي كنا نرتكبه".

بدأت تركيا في الترحيب بالأويغور في أوائل خمسينات القرن العشرين، بعدما غزا الزعيم الصيني ماو تسي تونغ المنطقة التي يطلق عليها الأويغور اسم "تركستان الشرقية" بينما تسميها بكين "شينجيانغ" (المناطق الغربية). في البداية، استوطن نحو 1850 فردا في إسطنبول ومدينة قيصري بوسط البلاد، ثم تبعهم ألفان آخرون.

ومن بين هؤلاء زعيم حركة الأويغور القومية عيسى ألبتكين الذي أقام في تركيا حتى وافته المنية في العام 1995. وعلى مدى عشرات السنين، وجد الأويغور سهولة أكبر بكثير من المهاجرين الآخرين في الحصول على الأوراق الرسمية بل والجنسية في تركيا، وفقا لما ذكره أركين أحمد الأستاذ بجامعة أنقرة وسكرتير منظمة مؤتمر الأويغور العالمي التي تتخذ من ميونخ مقرا لها.

لكن ذلك كله قد تغير الآن. فيقول الأويغور إنهم يتمتعون حاليا بحرية أقل في ممارسة شعائرهم الدينية والتجمع في احتجاجات. وقال هدايار إن أنقرة ترحل أعدادا صغيرة من الأويغور في هدوء، وإن أكثر من ألف أويغوري يقبعون حاليا وراء القضبان في تركيا، مشيرا إلى أن السفارة الصينية في أنقرة أقامت دعاوى قضائية على الأويغور في تركيا بتهم الإرهاب والخطف وغيرهما من الجرائم. وعلى الرغم من أنه لم يتسن التأكد من تلك الاتهامات بشكل مستقل، إلا أن هذه الإجراءات تتسق مع الإشارات التي بعثها الحزب الحاكم في الآونة الأخيرة.

وفي العام الماضي، حصل عضو برلماني من حزب الشعوب الديمقراطي المعارض المؤيد للأكراد على تأييد لاقتراح بتدشين لجنة بمعنية بإجراء بحوث في محنة الأويغور، لكن الاقتراح باء بالفشل حين صوت حزب العدالة والتنمية برفضه. والأكثر من ذلك أن نسبة تأييد الصين بين الأتراك قد زادت من 30 في المئة إلى 46 في المئة في الأشهر الأخيرة.

يعتقد مايكل كاستر، أحد المدافعين عن حقوق الإنسان الذي ألف كتابا عن الاختفاء القسري في الصين، أن بكين عززت العلاقات الاقتصادية والسياسية مع أنقرة خصيصا لوقف تعاطف تركيا مع الأويغور. وأبلغ صحيفة آسيا تايمز قائلا: "لقد سلّمت الصين بتاريخ الدعم التركي للأويغور، وأرادت أن تخمد ذلك".

وخلال زيارة لبكين في شهر أغسطس من العام 2017، تعهد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بالحد من الأنشطة المناهضة للصين في تركيا ووضع نهاية للتقارير الإعلامية السلبية بشأن الصين.

وقال هدايار: "لقد كان رد الفعل التركي على قضية تركستان الشرقية مثيرا للقلق الشديد... فتقارب تركيا مع الصين أمر مفزع للغاية. وكثير من المنظمين في تركيا لا يرغبون حتى في الحديث عن الأمر لأنهم لا يريدون المزيد من المشاكل".

ربيعة قدير، السجينة السياسية السابقة التي تشغل حاليا منصب رئيسة مؤتمر الأويغور العالمي
ربيعة قدير، السجينة السياسية السابقة التي تشغل حاليا منصب رئيسة مؤتمر الأويغور العالمي

نتيجة لذلك، بدأت حركة الأويغور في النظر ناحية الغرب. فمنظمة مؤتمر الأويغور العالمي تتمركز في ألمانيا منذ سنوات، بينما نشأت عدة منظمات جديدة للأويغور في الولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة، ومن بينها حركة الصحوة الوطنية لتركستان الشرقية التي تأسست في العام 2017 ومشروع الأويغور لحقوق الإنسان الذي تأسس في العام 2016.

وقال هدايار: "نحاول نقل حركة الأويغور إلى الولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة هي المكان الذي يتم فيه إنجاز الأمور... الآن، ونظرا لتعزز العلاقات بين تركيا والصين، ترى منظمتنا أنها أكثر تناغما مع الولايات المتحدة".

وفي شهر أكتوبر، وصف نائب الرئيس الأميركي مايك بنس المعسكرات بأنها "محاولة متعمدة من بكين لخنق ثقافة الأويغور والقضاء على العقيدة الإسلامية". وفي الشهر التالي، تقدم السيناتور الأميركي ماركو روبيو بمشروع قانون في الكونغرس لإدانة جرائم الصين بحق الأويغور والدعوة إلى إغلاق المعسكرات.

ولكن على غرار تركيا، لم يتبن من الدول الإسلامية موقفا معارضا لبكين سوى القليل منها، على الرغم من حقيقة أن ممارسات بكين تمثل في جزء كبير منها هجوما على الدين. وكتب روبرت كارل أستاذ علم اللاهوت والإسلام في كينغز كوليدج بمدينة نيويورك الأسبوع الماضي قائلا: "من المحير أن الحكومات الإسلامية لم تبد أي اعتراض تقريبا على توجيهات الحزب الشيوعي الصيني بفصل الآباء المسلمين عن أبنائهم وحظر أسماء المواليد الإسلامية وإطلاق اللحى والحجاب والصوم في شهر رمضان".

وأضاف: "لم تثر هجمات الصين على الإسلام احتجاجات في الشوارع بأي مكان في العالم الإسلامي على غرار تلك التي رأيناها تستهدف الغرب بسبب إساءات تافهة للدين. يبدو أن الأموال والاستثمارات الصينية قد اشترت استكانة المسلمين في الوقت الراهن".

وأشار كارل إلى أن الجماعات الإرهابية في باكستان وأفغانستان أبرمت اتفاقات مع بكين للإحجام عن مهاجمة المصالح الصينية، وهو تطور مرتبط بموقف الصين من شينجيانغ. وتقول بكين إن معسكرات شينجيانغ عبارة عن مراكز مهنية تهدف إلى مكافحة التطرف وتعليم مهارات مفيدة.

وفي شهر نوفمبر الماضي، قال وزير الخارجية الصيني: "هذا يحمي حقوق الإنسان للغالبية العظمى، وفي الوقت نفسه ينقذ هؤلاء الناس... إنها مساهمة مهمة أخرى من الصين في مجال مكافحة الإرهاب على الصعيد العالمي".

وقد نفذت جماعات أويغورية عددا من الهجمات داخل الصين في العقد الأخير، وانتهى المطاف بآلاف الأويغور الفارين من الصين في السنوات الأخيرة إلى القتال في سوريا، بل والانضمام إلى جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

لكن المحللين المعنيين بشؤون الأويغور مثل شون روبرتس، الأستاذ بجامعة جورج واشنطن، قالوا إن سياسات بكين بمثابة نبوءة محققة لذاتها، إذ أثارت مشكلة لم تكن موجودة من قبل.

وعلى الرغم من قلة الأدلة، فإن هدايار مقتنع بأن الاستخبارات الصينية والتركية ساهمت في جذب الأويغور الفارين من الصين إلى المشاركة في الصراع الدائر في سوريا. ويقول: "تستخدمهم تركيا وكلاء لها، بينما يمكن للصين أن تشير إليهم وتقول ‘انظروا، هاهم الأويغور إرهابيون‘... إنهم يموتون من أجل قضية عديمة الجدوى، ويخدمون أهداف الصين دون قصد".

هذه القضية تسلط الضوء على أهمية ممارسة النشاط والعمل في الغرب. وقال هدايار إن حركة الصحوة الوطنية لتركستان الشرقية هي أول منظمة أويغورية لا تصور طائفته على أنهم أقلية مضطهدة، بل دولة محتلة. وتقول حركة الصحوة الوطنية على موقعها الإلكتروني إنها "تسعى لاستعادة استقلال تركستان الشرقية".

ولتحقيق هذا الهدف الطموح، تهدف حركة الصحوة الوطنية لتركستان الشرقية إلى حمل الولايات المتحدة على الاعتراف بتركستان الشرقية باعتبارها أرضا محتلة، ووصف ما يحدث بأنه إبادة جماعية، ثم إقناع الأمم المتحدة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، الأمر الذي ينطوي على اتخاذ إجراء ضد بكين.

وقال هدايار الذي لم يسمع أي أخبار عن أقارب له منذ أشهر: "ثمة هولوكوست في القرن الحادي والعشرين بالفعل... الله وحده يعلم عدد من قتلوا في السنوات القليلة الماضية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: 

https://ahvalnews.com/uighurs/uighurs-accuse-turkey-betrayal-seek-new-friends
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.