الإسلاموفوبيا سلاحُ أردوغان لابتزاز الغرب

أنقرة - تسعى حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامية في تركيا على إبراز تركيا بأنّها القوّة الإسلامية الصاعدة عالمياً، وأنّها صاحبة اليد الطولى في العالم الإسلامي، متّكئة على إرث السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية التي كانت تمثّلها على مدار قرون، وذلك من منطلق استغلال الغرب وابتزازه برفع سلاح الإسلاموفوبيا في أي موقف سياسيّ تحتاج إليه. 

ويستثمر أردوغان في الإسلاموفوبيا، ويوظّف الأمر لخدمته الشخصية، فهو من جهة يبدو الحالم بدور السلطان العثماني الذي كان خليفة للمسلمين، ومن جهة أخرى يظهر نفسه الرئيس العصري الذي يمثّل وجهاً معاصراً للإسلام، يسعى إلى تعميمه في المنطقة، ويحتكر القيادة الإسلامية في رؤاه وتوجّهاته التي تعكس ألاعيب تنظيم الإخوان المسلمين العالميّ الذي يصدّر تركيا كقائدة ومستخدمة له.. 

وتجهد حكومة أردوغان الإسلامية لتوظيف المواقف التي ترفع فيها شعار "مكافحة الإسلاموفوبيا" وتحاول تطويعه سياسياً لخدمتها، بحيث يكون المراد منه محاربة مَن ينتقد سياسات حكومته، أو يتعرّض لها بقول أو فعل، وتقوم بتحويله إلى أداة للرد على الخصوم، ومواجهة الاتهامات والإدانات باتهامات أخطر لنسف مصداقيتهم، وتعميم الحديث عن الكراهية للتشكيك بهم، بحيث يحلّ التشكيك بمَنتقديها محلّ الموضوع الأساسيّ الذي تحاول إخفاءه والالتفاف عليه. 

ويكون شعار مواجهة الإسلاموفوبيا ومحاربة التطرّف والكراهية كلامَ حق يراد به باطل. والكلام الحقّ المفترض هو وجوب محاربة أيّ سلوك من سلوكيات التطرّف والعنصرية تجاه أيّ إنسان، بعيداً عن دينه أو عرقه، أمّا الباطل فيكمن في تجيير حكومة أردوغان لبعض ممارسات معاداة الإسلام وكراهية المسلمين لدى متشدّدين ومتطرّفين في الغرب لتشويه صورة الغرب، وإبرازه أنه يحمي المتطرّفين بطريقة ما ويحتضنهم ويدعمهم، ليحيل بشكل ما تالياً بأنّ الحكومات الغربية لا تختلف عن حكومته في استغلال الخطابات الدينية في خدمة سياساتها..  

ولا يوفّر أردوغان أيّ حدث مهمّ إلا ويقوم بتوظيفه سياسيّاً لصالحه، ليؤكّد على دوره القياديّ في العالم الإسلامي، مثلاً في أزمة نقل السفارة الأميركية إلى القدس في منتصف مايو، احتضنت إسطنبول قمة عاجلة لمنظمة التعاون الإسلامي دعا لها أردوغان، ليظهر نفسه الناطق باسم المسلمين، والمدافع الأكبر عن القدس كذلك.. 

وقد حرص على تقديم نفسه، في زيارته الأسبوع الماضي لألمانيا، كحامٍ للمسلمين وناطق باسمهم في العالم، وتحدّث في مقالة له بعنوان "مطالبنا من ألمانيا" عن صعود تيار اليمين المتطرف في القارة الأوروبية، موضحًا أن الأحزب اليمينية المتطرفة تسيء استغلال الهجمات الإرهابية، وأزمة تدفق اللاجئين".

وبيّن أردوغان أنه "بسبب هذه الكراهية، وهذا الضعف السياسي، والاجتماعي الاقتصادي، بات المسلمون في أوروبا في مرمى الهدف"، موضحًا أن "اليمين المتطرف هناك تاريخيًا يبدأ في استهداف الجماعات الضعيفة، لكن عندما تقوى شوكته سيستهدف كافة قطاعات المجتمع التي لا تفكر مثله". 

وذكر أردوغان أن "ظاهرة الإسلاموفوبيا التي تعرف بأنها عنصرية مناهضة للمسلمين، تعتبر أكبر عائق أمام عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي، فاليمين المتطرف جعل الاستقرار السياسي في بعض الدول الأوروبية هشًا". 

واشتكى أردوغان خلال زيارته من أن نجم كرة القدم مسعود أوزيل استبعد من المنتخب الألماني بعد خروج ألمانيا من كأس العالم لكرة القدم بسبب جذوره التركية. وقال أردوغان "هذه العنصرية يجب أن تنتهي".. وكان ذلك كردّ غير مباشر منه على مطالبات الرئيس الألماني له بضرورة احترام الحريات وحقوق الإنسان في بلاده. 

وكانت الحكومة الألمانية أوقفت الدعم الذي كانت تقدمه لمشاريع الاتحاد الإسلامي التركي (ديتيب) الذي تشرف عليه رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت) في أنقرة، ويشكل ذراعاً للحكومة التركية، والذي كان قد أصبح عرضة لفضيحة تجسس الأئمة لصالح حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الإسلامية. 

وتساهم مزاعم تركيا بمحاربة ظاهرة الإسلاموفوبيا في زيادة التحريض عليها بطريقة غير مباشرة، أي تقوم بصناعتها في الوقت الذي تدّعي محاربتها، ما يدفع الجاليات المسلمة إلى التقوقع والانعزال على نفسها والابتعاد عن محيطها الأوروبيّ ويخلق حالة من الاغتراب بين أبنائها.

وقال كريستوف فريس، خبير الحزب المسيحي الديمقراطي في الشؤون الداخلية، في تصريح له "لا يمكن لمن ينشر القومية وينشر الكراهية ضد المسيحيين واليهود، ومن ليس له دين ويتجسس هنا بتكليف من الحكومة التركية، أن يكون شريكا في مكافحة التطرف الديني في ألمانيا". 

وقد دعا أردوغان إلى تحديث وتجديد لغة الخطبة والمواعظ الدينية بحيث يفهمها الشباب الأتراك، ليوحي بأنه المجدّد في الخطاب الإسلامي، والباحث عن بلورة صورة عصرية للإسلام الذي يقوم بتوظيفه سياسياً، وليس فقط المحارب للإسلاموفوبيا في العالم. 

ويأتي تأكيد الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين على "أن تعاظم ظاهرة الإسلاموفوبيا والتمييز العنصري، يولّد في العالم حالة من الشعور بغياب الأمن" كرسالة سياسية إلى الغرب، والتهديد المبطّن بإمكانية التسبّب بتوتّرات أمنية.. 

وقد أرسلت الحكومة التركية لجنة برلمانية في أبريل إلى ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، لتقصي الحقائق حول ظاهرة "العداء للإسلام"، عبر معاينة الظاهرة بشكل دقيق، تمهيدا لتقديم مقترحات للقضاء عليها.

وطرح تقرير رسمي تركي بعضًا من الممارسات العنصرية للحكومات الأوروبية، مثل قضاء محكمة العدل الأوروبية بأن حظر الحجاب لا يدخل ضمن إطار التمييز العنصري، وإقرار كل من النمسا ورومانيا لحظر ارتداء النقاب، فضلًا عن قيام بلجيكا بمنع اللحوم الحلال، إلى جانب قرارات أخرى في عدد من المناطق الأوروبية بشأن منع إنشاء المساجد، وإعلاء الأذان، والنقاب، والبرقع، والبوركيني. 

ولفت التقرير التركيّ إلى أن الكثير من السياسيين والصحفيين الأوروبيين يستخدمون موضوع الإسلاموفوبيا ضمن إطار الخطابات السياسية والحملات الإعلامية. وللمفارقة هذا الاتهام نفسه يوجّهه معارضو أردوغان له. 

وفيما يتعلّق بالحرب السورية، كشف أردوغان للعالم صلاته المريبة بالجماعات الإسلامية المتشدّدة المصنّفة على لوائح الإرهاب عالمياً - كبجهة النصرة سابقا - وذلك من خلال تكفله بنزع سلاحها، وضمانته بأنها ستلتزم باتفاق سوتشي الذي وقعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. 

وبالرغم من أنّ معارضيه يشكّكون بقدرته على ذلك، إلّا أنّهم أشاروا إلى أنّ أردوغان يقرّ بدوره المشبوه في تغذية الجماعات المتشدّدة في سوريا واستعمالها لتطبيق أجنداته، والاستثمار فيها بما يخدم مصالحه، ناهيك عن أنّه كان قد فتح الحدود للمتطرّفين والجهاديين كي يعبروا إلى سوريا، وبالتالي يحتفظ بملفّاتهم، ويوحي بإمكانية توجيههم إلى هذا المكان أو ذاك، بحيث يبقون لغماً موقوتاً بيده قد يلقي به على مَن يعارضه، وبؤرة مرشّحة للانفجار في الزمان والمكان اللذين يخدمانه. 

ويلفت مراقبون للشأن التركي أنّ أردوغان يستمرّ في نهجه باستغلال الشعارات الدينية والسياسية لإسكات خصومه ومعارضيه، والتعتيم على الأزمات التي تتسبّب بها سياساته وممارساته، وبخاصة الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها تركيا في الآونة الأخيرة، والتي أدّت إلى انهيار تاريخيّ لليرة التركية، وارتفاع التضخّم إلى معدّلات قياسية، وهروب المستثمرين ورؤوس الأموال من الأسواق التركية، ناهيك عن فقدان الثقة بالاقتصاد التركي الذي يبدو مقيداً بقرارات ورغبات أردوغن وصهره وزير المالية بيرات البيرق. 

ويعبّر معارضون للرئيس التركي عن استهجانهم للازدواجية التي تتخلّل أقوال أردوغان وأفعاله، والتناقض السافر بينهما، ويقولون إن "من المثير للسخرية أن من ينشر الإرهاب والتطرّف ويدفع المجتمعات الغربية لمعاداة الإسلام هو من يدعو إلى مواجهة الإسلاموفوبيا، ويدّعي دفاع عن المسلمين ضدّ العدوانية والعنصرية والكراهية".

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.