هشام النجار
نوفمبر 15 2017

الإسلام المعتدل .. السعودية تفرمل دور تركيا في العالم الإسلامي

عكست عبارة واحدة العديد من التباينات في الرؤى والمسارات بين تركيا والمملكة العربية السعودية، وكشفت أيضًا وهو الأهم عن تصورات مستقبلية بشأن ملفات حيوية فيما يتعلق بمنهج الحكم والعلاقة مع العالم وهي مصطلح "الإسلام المعتدل".

المصطلح وظفه حديثًا ولي العهد السعودي كشعار لمشروع المملكة الطموح، وهو ما رفضه الرئيس التركي في سياق رده الذي حمل العديد من الدلالات.

وبدا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واعيًا بأبعاد ما يعنيه تبني المصطلح المتنازع عليه خاصة من قبل قوة إسلامية وعربية ذات تأثير واسع في العالم الإسلامي مثل السعودية، وهو يسارع في نفي ما طرحه ولي العهد عبر إشارتين تلخصان هدف الرئيس أردوغان، عندما ألمح بأن المصطلح هو من اختراع الغرب، وبأن المملكة لا علاقة لها به.

لفت البعض من المحللين النظر إلى الأبعاد السياسية لهذه المساجلة، فالأمر متعلق بشكل أساسي بالعلاقات الغربية الإسلامية والبحث منذ عقود خلت عن قوة إسلامية كبرى قادرة على تأمين علاقات منتجة مع الولايات المتحدة والعالم، فضلًا عن أن تكون جادة في عزل التطرف والإرهاب وساعية لفرض الاستقرار في الشرق الأوسط.

وهو ما دفع البعض من المتابعين إلى القول بأنه لو كان مشروع المملكة السعودية الجديد قد رأى النور منذ العام 1995 كانت أمور كثيرة اختلفت حينما بدأت الولايات المتحدة – والأطلسي- تكتشف خطورة التشدد الإسلامي على مصالحها الاستراتيجية وتجتهد في التنقيب عن شريك إسلامي قوي يعكس روح الحداثة الديمقراطية بثوب إسلامي.

برزت السعودية تاريخيًا كشريك مناسب بما تمتلكه من نية وعزم للوفاء بالتعهدات المطلوبة من جهة القوى الغربية، استنادًا لما تمتلكه من رصيد روحي مؤثر على امتداد العالم الإسلامي، كما أنها عنصر وازن فيما يخص أمن مصادر الطاقة والنفط والوقوف أمام تمدد إيران.

وأثبتت العديد من الوقائع للقوى الغربية أن المملكة في حينه لم تقدر على التكيف مع المتطلبات الفكرية والسياسية للقيم والبرامج الغربية، وحالت عوامل ثقافية واجتماعية داخل بنية المجتمع السعودي دون المواءمة مع متغيرات العولمة وحاجة الغرب إلى دمقرطة الشرق الأوسط وردم الهوة بين العالمين الإسلامي والغربي.

في هذه السياقات ظهر مصطلح "الإسلام المعتدل"؛ فالعبارة التي ليس لها جذور في التاريخ والفقه الإسلامي القديم، حيث كانت تستخدم كلمة التسامح وليس الاعتدال، ظهرت على خلفية معطيات سياسية وجيو إستراتيجية بطبيعتها.

ونشأت بداية من رغبة المرجعيات الدينية في المشرق في نفي صفة التطرف عنها بعد الحملة التي شنها الإعلام الغربي بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، وانتهاءً بتقديم كيانات وقوى جديدة غير القوى الكلاسيكية نفسها كممثلة عن العالم الإسلامي بوصفها الأقدر على مصالحة الإسلام بقيم الحداثة الغربية وتقويض التطرف.

نبه البعض من المختصين إلى أن تركيا امتلكت فعليًا مقومات هذا الدور بما تحمله من طموحات أوربية وروح إسلامية، وهي تمتلك إمكانيات القوة الناعمة ولديها حضور وتأثير في الأوساط الإسلامية العربية وطبقت الديمقراطية الممزوجة بقيم الحداثة الغربية وصبغتها بمسحة من  الشرعية الإسلامية.

وكان الضامن لنجاح تركيا في القيام بهذا الدور في ظل الجمود الذي تعاني منه الساحة الإسلامية على المستوى العربي، هو الاعتماد على تيار إصلاحي منفتح على نتاجات الحداثة ويمتلك مشروعًا تنويريًا فكريًا متكاملًا.

التيار الذي اختاره الرئيس التركي للتحالف معه لأغراض سياسية وطموحات توسعية تخدمها الطبيعة الأممية لهذا التيار وهو حركة الإخوان المسلمين، متشكك منهجيًا عبر إنتاج رموزه التاريخيين كسيد قطب وغيره من تلك التسويات بين الشرق والغرب من جهة والإسلام والديمقراطية من جهة، ويرى أنها ستفقد التيار الإسلامي محتواه أو نقاءه الفكري.

ما أثبتته التطورات المتسارعة خلال العقد الفائت هو أن تركيا في سياق بحثها عن قاعدة تنظيمية وفكرية لمشروع الإسلام المعتدل، قد اختارت الظهير الفكري الخطأ الذي عولت عليه لصناعة النفوذ الروحي والأدبي لها داخل العالم الإسلامي بما يجعلها بمثابة الزعيم للعالم الإسلامي السني.

اللافت أن الدراسات الغربية المواكبة لهذا التحول كانت قد طرحت التيار الصوفي التنويري وذكرت حركة الداعية التركي فتح الله جولن التي تمتد جذورها للمفكر الصوفي بديع الزمان سعيد النورسي، كمقوم منهجي ومرجعية لتركيا الجديدة التي قدمت نفسها كجسر تواصل بين الشرق والغرب.

جماعة الإخوان التي قدمها مرجعها الفكري يوسف القرضاوي في كتبه ومحاضراته كونه "تيار الوسطية الذي يمثل أعرض قاعدة في الصحوة، وهو الذي يرجى طول عمره واستمراره" عكست ممارساته في الواقع أثناء توليه السلطة وحال كونه بالمعارضة إشتمال منهجه على ما يؤسس لثقافة العنف وما يعمق الإنقسامات المجتمعية ويتعارض مع قيم التعددية والتداول والمواطنة.

من السهل تتبع جذور تنظيمي داعش والقاعدة الفكرية كنوع من التطور المرحلي داخل التيار الإسلامي، وهو ما أدى لتعاون بين مجمل مكونات هذه الحالة لتكوين الميليشيات المسلحة والتسبب في إشعال الحرب الأهلية بسوريا وليبيا على سبيل المثال.

وتطور بعضها الآخر في دول مثل مصر إلى مشاريع لتعطيل الدول والإقتصاد والعمل على العسكرة الميليشياوية وتكوين خلايا سرية مسلحة بهدف تفكيك الجيوش وشل أجهزة الأمن.

ورصد محللون مدى تأثير المزاوجة بين النظام التركي السياسي وتيار الإسلام السياسي، ففي سياقات غابت عنها أصول الحكم الديمقراطي الصحيح وآليات الانتصاف لحقوق الأفراد والجماعات وتشوه فيها مفهوم الولاء الوطني ظهر النمو التدريجي على مستوى ممارسات الدولة لولاءات جديدة وتكرست ظواهر الولاء المذهبي والعقائدي التي تتجاوز بطبيعتها الحدود الجغرافية للدولة الوطنية.

وتجسد التدهور في انتقال ما تقوم به الجماعات الدينية والمذهبية من توظيف للدين في أغراض سياسية للدولة، كنوع من محاولة اكتساب الشرعية والنفوذ الشعبي عبر مرجعيات وآليات وطقوس ترتبط بالدين والتدين.

وبالمقارنة فإن أداء حزب العدالة والتنمية قبل توثيق العلاقة مع جماعة الإخوان كان أكثر تطورًا بشأن اشكالية العلاقة بين الديني والسياسي، وبدت الجماعة هي من جرت قادة الحزب لممارسة تلك الازدواجية غير المنطقية التي تمارسها جماعات الإسلام السياسي في معالجتها لمسألة التداخل بين الديني والسياسي.

وتبلورت مآلات هذا التحالف في انتاج ما كانت تسعى إليه جماعة الإخوان بعد صعودها للسلطة في مصر في الواقع التركي بقصر فرص العمل في مجالات وطنية معينة على أتباع مذهب معين علاوة على اعتماد نظام المحاصصة الدينية أو الطائفية في تشكيل المجالس والمؤسسات العامة وتدشين دستور ديني والاتجاه لأسلمة المجتمع من خلال مجالات التعليم والثقافة.

والأهم ما استجد في الساحة السياسية التركية من تراجع كبير لقيم الحريات العامة سواء حرية إبداء الرأي أو الحرية السياسية وقيم الديمقراطية.

كان التطور اللافت في العلاقة بين تركيا والغرب وآثار تحالفات النظام الحاكم في أنقرة مع تنظيمات الإسلام السياسي والجهادي على الأوضاع بالمنطقة وعلى الأوضاع بالداخل الأوربي، هو أن تركيا تحولت خلال عقد زمني واحد من جسر تواصل وعامل عول عليه الغرب لاحتواء التطرف إلى ناقل للتوتر والإحتقانات وعنصر إثارة لمزيد من تعقيد العلاقة بين الشرق والغرب.

تفاعل القوى الدولية الكبرى إزاء تلك التطورات بالنظر لاعتبارات الموقع الاستراتيجي للبلد الذي يشهد تغييرًا سياسيًا ومنهجيًا وحراكًا اجتماعيًا بحجم المملكة السعودية، من المنطقي أن يثير حفيظة الرئيس التركي الذي يكتشف أن هناك تطورًا منهجيًا وفكريًا داعمًا للتحولات السياسية تتبناه المملكة، وهو ما يعني امتلاكها الإصرار على انجاح مشروعها الجديد، بما يؤثر على المكانة التي احتلتها تركيا أخيرًا كواسطة بين العالمين الإسلامي والغربي.

يبدو أن التحولات الكبيرة بالمملكة جعلت تركيا تتحسس موقعها السابق ودفعها للنظر بتمعن في النقد الغربي الموجه إليه؛ حيث لم تعد نموذجًا للإصلاحيين فى الشرق، على العكس مما كانت عليه فى مطلع الألفية، عندما وصل حزب العدالة والتنمية للحكم لأول مرة.