الإفلاس يهدد المزيد من الشركات ومستحقّات العمّال في مهب الريح

بات مصطلح "تسوية الإفلاس" على رأس أكثر المصطلحات الاقتصادية تداولًا خلال الآونة الأخيرة في تركيا. وهذا المصطلح يعني وبشكل مختصر أن الشركات قد فقدت قدرتها على الدفع. وعادة ما يتم اللجوء إلى هذه الخطوة كمرحلة تسبق إعلان الإفلاس بشكل تام. والشركة التي عليها ديون إذا وقعت ضائقة مالية تخص أعمالها التجارية تَعَذَّر معها دفع ديونها في مواعيدها المحددة، يمكنها التقدم بطلب "تسوية إفلاس" إلى الجهات المعنية. 
ولا شك أن هذا الإجراء يساعد الشركة على التوصل لاتفاق مع دائنيه يؤدي إلى دفع ديونها، وتفادي الدخول في إجراءات الإفلاس، وبالتالي تنقذ الشركة نشاطها وسمعتها التجارية. 
وبإمكان الشركات في تركيا طلب تسوية إفلاس من القضاء للحماية من الإفلاس، والحجز على ممتلكاتها، وتعني الخطوة إرجاء الإفلاس مؤقتًا لحين سداد الديون خلال مدة تقدر بـ3 أشهر.
وبفضل هذا الإجراء تصبح ممتلكات الشركة خاصعة للحماية بقرار قضائي ولا يتم اتخاذ أية إجراءات حجز عليها، لكن يتوجب على الشركات سداد نصف ديونها كي يُقبل طلبها هذا.
ومن المعروف أن التقلب الحاد في سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة، وضع الكثير من الشركات في ضائقة كبيرة لا سيما تلك التي عليها ديون بالدولار واليورو. حتى بتنا مع طلعة شمس كل يوم نسمع عن تقدم شركات جديدة بطلبات تسوية إفلاس. ومن بين الشركات التي تقدمت بهذا الطلب، شركات هوتيتش، ويشيل كوندورا، وغونايدن جروب، وكاشي بياض، وآست ألدي، وخاص أوغوللار، ونوفا للأوراق. قائمة هذه الشركات تطول، ومن المتوقع أن يزيد عددها خلال الأيام القليلة المقبلة.
ولا شك أن تقدم هذه الشركات بطلبات لتسوية إفلاسها، أمر يشغل بال الكثير من العمّال الذين قدموا جهودهم لهذه المؤسسات على مدار سنوات طوال. لأن هناك الكثير من المستحقات الخاصة بهم، من رواتب، وإكراميات، ومكافآت نهاية الخدمة، وبدلات مواصلات وطعام.
وبحسب قوانين العمل التركية فإنه يحق للعمال الحصول على رواتب آخر ثلاث شهور في حال تقدم الشركات التي يعملون بها بطلبات لتسوية الإفلاس، أو في حال إعلان إفلاسها رسميًا. هذه الرواتب يتم تحصيلها من صندوق يعرف باسم "صندوق ضمان الأجور" الذي يعتبر إحدى الآليات التي تم إيجادها داخل صندوق البطالة. وكما قلت فإنه في حال تعثر صاحب العمل وعجزه عن دفع الأجور، فإنها تُدفع عن ثلاث أشهر للعمال من هذا الصندوق.
غير أن العمال ليس بإمكانهم أن يأخذوا من "صندوق ضمان الأجور" سوى الرواتب التي تعتبر مستحقات الأجور الأساسية. أما فيما عدا ذلك من مستحقات أخرى مثل مكافأة نهاية الخدمة، وبدلات الإجازات السنوية، والمواصلات، والطعام، فلا تدفع من الصندوق المذكور. وحتى يتسنى للعامل أخذ تلك المستحقات من الصندوق، فإنه يشترط أن يكون قد عمل لمدة عام على أقل تقدير. ومن لا يتوفر فيه هذا الشرط لا يحق لهم الاستفادة من هذا الأمر. 
وثمة مادة أخرى أكثر أهمية في لائحة "صندوق ضمان الأجور"، وهي تلك التي تقول إن المدفوعات التي يستحقها العمال، محدودة بمقدار الموجود من أموال بالصندوق المذكور، وأن الدفع سيكون وفق ترتيب الطلبات المقدمة. وهذا يعني أنه عند انتهاء أموال الصندوق، فلن تصرف أية أموال أخرى، أي أن من يأتي أولًا يحصل على أمواله دون غيره.
حسنًا، كم هو مقدار الأموال الموجودة في صندوق ضمان الأجور هذا ؟
عائدات هذا الصندوق تتكون من 1 في المئة من الإجمالي السنوي للمدفوعات التي يقدمها أرباب العمل كأقساط ضمان البطالة. وبحسب معطيات مؤسسة التشغيل والتوظيف التركية (İŞKUR) فقد بلغت عائدات أقساط "صندوق ضمان الأجور" في العام 2016، 66 مليون ليرة تركية. وفي نفس العام بلغت مدفوعات الصندوق التي منحت للعمال 15.7 مليون ليرة. بينما بلغت في الأشهر التسع الأولى من العام 2017 ما قدره 57 مليون ليرة، أما النفقات في مجمل العام فبلغت 25.8 مليون ليرة. في حين أن هذه النفقات بلغت في أول ثماني أشهر من عام 2018 الجاري، 24.4 مليون ليرة.
ومن ذلك يتضح لنا من خلال معطيات مؤسسة التشغيل والتوظيف التركية، أن مدفوعات "صندوق ضمان الأجور" زادت بنحو أكثر من 100 في المئة اعتبارًا من شهر مايو 2018، وذلك مقارنة بذات الشهر من العام 2017. فمثلا في شهر مايو 2017 قام الصندوق بمدفوعات لـ368 شخصًا، في حين أن هذا الرقم ارتفع إلى 707 أشخاص في نفس الشهر من العام الجاري، أي أن الزيادة كما قلت بلغت أكثر من 100 في المئة. 
ومن الجدير بالذكر أن الصندوق دفع العام الماضي في شهر يونيو أموالًا لـ410 أشخاص، ولـ324 شخص في شهر يوليو، ولـ240 آخرين في شهر أغسطس. أما مدفوعات الصندوق في نفس الأشهر من العام الجاري فذهبت إلى 1160 شخصًا بشهر يونيو، و804 أشخاص بشهر يوليو، و789 شخصًا في شهر أغسطس.
هذا المشهد العام يوضح لنا أن موارد "صندوق ضمان الأجور" محدودة، وأن جزءًا كبيرًا من عائداته تصرف على المدفوعات والنفقات حتى في الأوقات التي لا تكون فيها أزمات كتلك التي تشهدها تركيا حاليًا. وبالتالي من الواضح جدًا أن عائدات هذا الصندوق لن تكون كافية في ظل الأزمة الاقتصادية التي كانت سببًا في تقدم الكثير من الشركات بطلبات تسوية إفلاس. أي أن "صندوق ضمان الأجور" بوضعه الحالي لن يستطيع تقديم مدفوعات سوى لألفين أو ثلاثة آلاف عامل.
ولا شك أن إمكانية أخذ العمال لمكافآت نهاية الخدمة، وغيرها من المستحقات الأخرى من الشركات التي تقدمت بطلبات لتسوية إفلاسها، احتمال ضعيف للغاية. ومن ثم يتعين على الجهات المعنية ودون تأخير اتخاذ الخطوات اللازمة من أجل ضمان دفع هذه المستحقات لأصحابها. وعليها ألا تقف متفرجة تشاهد صامتة ضياع الحقوق، وسلبها من الكادحين الذين قدموا الكثير لهذا الوطن، وللشركات العاملين بها.
والمشكلة الأخرى في "صندوق ضمان الأجور"، هي تقييد قيمة المدفوعات التي ستمنح للعمال بقيمة تعادل ثلاث شهور فقط. فكما تعلمون فإن أول شيء تقوم به الكثير من الشركات التي ما أن تبدأ أمورها في الاتجاه نحو الأسوأ، هو تعطيل المدفوعات المستحقة للعمال. وبالتالي فإن هذه المدفوعات التي تعثرت تلك الشركات في دفعها، تكون هي الأخرى من ضمان المستحقات التي يتعين على العمال أخذها عند إعلان الشركة إفلاسها. وبناء عليه فإن العمال حتى إذا أخذوا راتب الثلاث أشهر المنصوص عليها من "صندوق ضمان الأجور"، فإن هذا غير كافي ليتلافوا خسائرهم بشكل عام. 
أما بخصوص التدبير الآخر الذي من الممكن أن تلجأ إليه الجهات المعنية عند تعثر الشركات في دفع مستحقات العمال، فهو ما يسمى بـ"بدل ساعات العمل القليلة" الذي بالإمكان تطبيقه عادة في حال حدوث أية أزمة اقتصادية سواء أكانت أزمة عامة أو على مستوى قطاع ما. أما الاختلاف هنا عن "صندوق ضمان الأجور"، فهو أن رواتب العمال تدفع من صندوق البطالة كل ثلاث أشهر مع استمرارهم في عملهم بالشركة التي يعملون بها.
ويمكن بقرار جمهوري تمديد هذه المدة حتى 6 أشهر. ولا ننسى أن تركيا خلال الأزمة الاقتصادية التي شهدتها عام 2009 متأثرة بالأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، نجحت بشكل كبير في تطبيق تدبير "ساعات العمل القليلة" هذا الذي نتحدث عنه. وفي هذه الحالة لم تفلس كثير من الشركات، كما أن العمال سيكون بإمكانهم أخذ رواتبهم لكن كما قلت على فترات.
وخلاصة القول في بدل "ساعات العمل القليلة" هي وكأننا نقول لأرباب العمل "لا تسرحوا العمال، ونحن سنتولى دفع أجورهم ورواتبهم". وفي حالة عدم عمل العمال مطلقًا أو عملهم نصف عدد الساعات المقررة، فإن رواتب الفترة التي لم يتم العمل فيها تُسدد من صندوق البطالة على اعتبار أنها بدل "ساعات العمل القليلة". وحتى يتسنى للعمال أخذ هذا البدل، لا بد أن تتوفر فيهم شروط الحصول على إعانات البطالة.
وكما شاهدنا مما عرضناه أعلاه، فإن صندوق البطالة الذي تم إقراره عام 2000 إبّان فترة رئيس الوزراء الراحل، بولنت أجاويد، ليس قاصرًا على مجرد منح إعانات البطالة. بل يمكن في أوقات الأزمات الاستفادة كذلك من "صندوق ضمان الأجور"، و"بدل ساعات العمل القليلة"، وهما كما نعلم آليتان مندرجتان داخل صندوق البطالة نفسه. وبهما يمكننا ضمان استمرار دفع رواتب العمال كل عدة أشهر. لكن ذلك شريطة أن يتم تعزيز هذه الآليات التي من الممكن أن تبقى غير كافية لمواجهة أزمات كبيرة كتلك التي نحن على مشارفها.
كما أن هناك كثير من المدفوعات الأخرى التي يتم تحصيلها من صندوق البطالة لصالح ملايين العمال؛ وذلك بدءًا من نفقات التدريب المهني للعاطلين، مرورًا ببدل نصف العمل بالنسبة للسيدات اللاتي وضعن حديثًا، فضلا عن حافز التوظيف للشباب والسيدات. 
ومن الجدير بالذكر أنه منذ شهر مارس 2002 وهو التاريخ الذي دخلت فيه مدفوعات صندوق البطالة حيز التنفيذ، وحتى شهر أغسطس من العام الجاري، تم دفع 21 مليار و422 مليون ليرة تركية كإعانة بطالة لـ6 ملايين و306 أشخاص. كما حول هذا الصندوق مبلغًا يقدر بـ212 مليون ليرة لصالح 228 ألفًا و610 أشخاص كبدل ساعات العمل القليلة. كما أن 74 ألفًا و639 شخصًا في الشركات التي تقدمت بطلبات لتسوية لإفلاسها، أو أفلست تمامًا، تمكنوا من أخذ رواتب آخر ثلاث شهور من خلال "صندوق ضمان الأجور".
كل هذه المعطيات والبيانات، توضح بشكل جلي أن صندوق البطالة يحمل أهمية كبيرة بالنسبة للعمال. لذلك فإنه من الأهمية بمكان أن يقوم المعنيون باستغلال هذا الصندوق بالشكل الأمثل في ضوء الهدف الذي أُسس من أجله، والعمل على عدم تآكله بأي شكل من الأشكال. لكن رغم هذا فقد شاهدنا على مدار السنوات القليلة الماضية، أن عائدات هذا الصندوق تنفق بسخاء خارج ما خصص له. فالأسبوع الماضي على سبيل المثال خرج علينا البعض بمزاعم تفيد أنه تم صرف 10.8 مليار ليرة من هذا الصندوق كرأس مال لصالح ثلاث بنوك عامة. لكن هذه مزاعم لم يتم تأكيدها أو نفيها بعد.
وأيضًا علينا ألا ننسى أن صندوق البطالة هو الادخار الذي يحرص العامل على جمعه ليتكأ عليه في الأيام الصعبة، ومن ثم لا يجب المساس بهذا الادخار بأي حال من الأحوال.
لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/konkordato-ilan-eden-sirketlerde-iscilerin-alacaklarini-kim-odeyecek
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.