دوا أولاش أرالب
ديسمبر 21 2017

الاتحاد الأوروبي يطور دفاعاته ويهمل تركيا مجددا

يسعى الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة إلى إعادة توجيه سياسته الأمنية والدفاعية، وقد حقق في الأسبوع الماضي تقدما كبيرا باتجاه هذا الهدف.

تلقت أحدث مبادرة لبروكسل بشأن إطلاق "التعاون الدائم المنظم" أو (بيسكو) دفعة كبيرة بموافقة المجلس الأوروبي عليها في 11 ديسمبر.

وربما ينظر لهذا باعتباره تطور واعد مهم في وقت تشكل فيه بريطانيا التي صوت مواطنوها بالموافقة على الانفصال عن الاتحاد والولايات المتحدة تحت قيادة ترامب تهديدات مفاجئة للنظام الأمني القائم منذ انتهاء الحرب الباردة.

تهدف الإستراتيجية العالمية الجديدة للاتحاد الأوروبي إلى التصدي لصراعات وأزمات خارجية وفي نفس الوقت بناء القدرات مع الشركاء مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وطرح زعماء الاتحاد الأوروبي خطة تنفيذ في ديسمبر الماضي تشمل محطات طموحة ومنها إطلاق مراجعة سنوية منسقة للشأن الدفاعي من المتوقع أن تشجع على التعاون بين أعضاء التكتل والأهم منذ ذلك إطلاق "بيسكو"  بين الدول الأعضاء الراغبة في الانضمام.

الاستمرارية هي الكلمة السحرية هنا. كانت "بيسكو" طرحت أول مرة في عام 2009 كسياسة أمنية ودفاعية للاتحاد الأوروبي. ويوجد تحديان رئيسيان أمام تنفيذ الفكرة وهما الرغبة والإمكانات.

فيما يخص الرغبة، أبدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تصميما ملحوظا.

والآن، وفي ظل تقدم عملية خروج بريطانيا من الاتحاد واستبعاد احتمال أن تشكل لندن أي معوق، لم يعد أمام المحور الفرنسي-الألماني أي متحدين مهمين.

أما مسألة الإمكانات فهي التي يواجه فيها الاتحاد رحلة شاقة. وبناء القدرات ينصب في الأساس حول (أ) كيفية استخدام أصول حلف الأطلسي بدرجة أكثر فعالية واستقلالية و(ب) سبل تعزيز الأصول المملوكة للحلف.

وهنا تظهر تركيا في الصورة.

تركيا ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي ولهذا فهي ليست مستفيدا مباشرا من السياسة الأمنية والدفاعية للاتحاد. ووكالة الدفاع الأوروبية، المتوقع أن تضطلع بدور أكثر بروزا في إبرام عقود دفاعية على نطاق أوروبا، تهمل تركيا.

وعلى الجانب الآخر، تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتملك أكبر جيش في أوروبا، ويشارك الضباط الأتراك بنشاط في أعمال منظمة البحث والتكنولوجيا التابعة للحلف.

تركيا أيضا مشارك غير عضو في منظمة التعاون التسليحي المشترك التي تضم في عضويتها المملكة المتحدة.

وشعرت أنقرة بإحباط لاستبعادها من عملية السياسة الأمنية والدفاعية للاتحاد الأوروبي. وترى تركيا أن مساهماتها  واسطة النطاق في الأصول والقدرات القتالية للحلف خلال وبعد الحرب الباردة دليل يكفي لدعوتها كشريك غير عضو له نفس القدر من الثقل في عملية تطوير "بيسكو".

هذه نبوءة تسعى  تركيا لتنفيذها بنفسها إذ أنها ليست ولن تكون عضو في الاتحاد الأوروبي في أي وقت قريب بينما "بيسكو" مفهوم يرتبط بالاتحاد.

والتطورات السلبية في الماضي القريب لا توفر أي أمل في استقبال تركيا دعوة كهذه أبدا.

فتركيا منعت وصول الاتحاد الأوروبي إلى كامل أصول الحلف خلال السنوات الأولى من الألفية الجديدة عندما كان الاتحاد يختبر استعداده العملياتي في غرب البلقان من خلال مهام قوة "يوفور".

يرجع ذلك للخصومة بين اليونان وقبرص عضوي الاتحاد من جهة وبين تركيا من جهة أخرى وكذلك رفض فرنسا وألمانيا حصول تركيا على عضوية الاتحاد.

وما يجعل "بيسكو" مختلفة بعض الشيء عن أدوات أمنية سابقة في الاتحاد الأوروبي هو مرونتها، فالدول الأعضاء الراغبة فقط في الانضمام هي التي يُطلب منها المشاركة وتملك استقلالا نسبيا في المشاركة في مشروعات من اختيارها.

أيضا وضع وكالة الدفاع الأوروبية باعتبارها المركز الرئيسي الذي يستقبل ويقيم وينسق المقترحات بشأن التكنولوجيا الدفاعية والابتكارات تطور يغري بشدة المتعاقدين في المجال الدفاعي.

ونظام أردوغان ( وتجدر الإشارة هنا إلى أن صهر أردوغان من أقطاب الصناعات الدفاعية التي تركز على الطائرات الحربية بدون طيار) يستثمر بشدة في تطوير صناعة الدفاعات التركية الخاصة بهدف تقليل اعتماد أنقرة على المتعاقدين الدفاعيين الأمريكيين (ومثال ذلك صفقة الصواريخ إس-400 مع روسيا)

وشهدت العلاقات بين الحكومة التركية وحلف الأطلسي صعوبات في الفترة الأخيرة، فالفضيحة الأخيرة المرتبطة بصورة مصطفى كمال أتاتورك واسم أردوغان، حين نشرا كأعداء في محاكاة افتراضية بمركز الحرب المشترك التابع لحلف الأطلسي في النرويج وما تبعه من رد فعل قوي من قبل أنقرة، أبرزت تململ تركيا المتنامي من انتمائها للحلف.

وفي المقابل، تسعى شركات صناعات دفاعية تركية مثل "أسيلسان" و "روكيتسان" المملوكتين للحكومة إلى إبرام اتفاقيات ثنائية مع شركات تصنيع دفاعية أوروبية مثل العملاق الأوروبي "يوروسام" التي وقعت مؤخرا على مشروع جديد مع فرنسا وإيطاليا لتطوير منظومة الدفاع الصاروخي والجوي التركي تحت مظلة حلف الأطلسي.

ويظل حلف الأطلسي المنصة الوحيدة القابلة لاستمرار التعاون بين شركات الدفاع التركية والأوروبية.

وسيكون أمر مثير للاهتمام معرفة كيف ستطور الصناعات الدفاعية التركية إستراتيجيتها في السوق الأوروبي بمجرد أن تتولي وكالة الدفاع الأوروبية زمام قيادة الصناعات الدفاعية الأوروبية وظهور"بيسكو" كواقع ملموس أكثر منه مجموعة من مذكرات التفاهم بين الحكومة الأوروبية الراغبة.

والسيناريو الأقرب هو أن الصناعات الدفاعية التركية الناشئة ستميل إلى البحث عن أسواق أخرى لإقامة شراكات معها مثل الصين وكوريا الجنوبية وروسيا.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: