كال اورتون
يناير 22 2018

الاحتلال التركي لعفرين قد يتسبب في فاجعة لأنقرة

هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الثالث عشر من يناير بإطلاق عملية عسكرية "خلال أسبوع" لطرد المسلحين الأكراد من عفرين شمال غربي سوريا. وكان أردوغان قد هدد مرارا خلال العامين الأخيرين بأن "يطهر" عفرين من المقاتلين الأكراد. لكن تبين أن تهديداته كانت حقيقية هذه المرة، ففي العشرين من يناير بدأت تركيا العملية غصن الزيتون التي استهدفت بها عفرين.
وتشكل القوات الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني عنصرا مهما في قوات التحالف البرية في سوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية منذ أواخر عام 2014، حيث وسعت دويلتهم "روج آفا" من خلال الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي من يد تنظيم الدولة الإسلامية في شمالي وشرقي سوريا وصولا إلى عفرين بموجب اتفاق مع التحالف الموالي للنظام وبشار الأسد وإيران وروسيا.
وأي حكومة تركية سترى في هذا الموقف تهديدا وستغضب من  الولايات المتحدة لدعمها الأكراد. ويعتبر حزب العمال الكردستاني روج آفا وحزب الاتحاد الديمقراطي الحاكم عنصرين مهمين في حربه الطويلة ضد الدولة التركية. وفي واقع الأمر، قدم الأكراد في روج آفا بالفعل الدعم اللوجيستي على الأقل لهجمات حزب العمال الكردستاني داخل تركيا.
وكان رفض الغرب حتى فرض حدود متفق عليها على حزب الاتحاد الديمقراطي أمرا بالغ الأهمية في إعادة تشكيل سياسة تركيا أواخر عام 2016 حيث أعطت أولوية للأكراد على حساب الأسد وتحركت صوب سوريا مباشرة لطرد مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي وتنظيم الدولة الإسلامية. ولكي تتجنب خوض قتال على ثلاث جبهات، أبرمت تركيا اتفاقا مع الروس سمح بسقوط مدينة حلب.
بعد ذلك بقليل، بدأت "عملية سلام" ثلاثية الأطراف بتوجيه روسي مع إيران وتركيا في آستانة تركز على آليات "وقف التصعيد" انتهت إلى استخدامها من قبل التحالف الموالي للأسد لترتيب تسلسل حربه. كما كان من شأنها المصادقة سياسيا على المكاسب العسكرية التي حققها التحالف الموالي للأسد بحيث يمكن الاستعانة بها في عملية جنيف المعترف بها دوليا للوصول إلى تسوية بشروط النظام.
وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه-- وهو نزع الشرعية عن حزب الاتحاد الديمقراطي في أي تسوية سورية -- مع إدراكها للهزيمة، ذهبت تركيا إلى آستانة حتى حاول التحالف الموالي للأسد، الذي تربطه علاقات واسعة بالإدارة الكردية، الدفع بهم إلى العملية. وفي السابع والعشرين من ديسمبر، بدا أن صبر تركيا ينفد حيث عاد أردوغان إلى خطابه القائل إن الأسد كان ينبغي أن يرحل.
وكانت هناك إشارات أخرى على المسافة بين أنقرة وموسكو.
أولا، جرت مهاجمة قاعدة روسيا في حميميم عشية العام الجديد ومرة أخرى خلال ليل يومي الخامس والسادس من يناير باستخدام طائرات بدون طيار. ومن المحتمل جدا ألا يكون المنفذ دولة، لكن في الوقت ذاته لا يمكن استبعاد احتمال تورط تركيا.
بعد ذلك، وفي الحادي عشر من يناير، فتحت تركيا الباب أمام طوفان حلفائها من المتمردين في إدلب وهو ما سمح بهجوم مضاد يبدو أن تحالف النظام نجح في إيقافه إلى الآن.
ثالثا، كانت هناك عفرين. فقد كان ما توفره روسيا من حماية ودعم للمدينة بهدف خلق المزيد من المشاكل لتركيا يحول في السابق دون تحرك أنقرة. من ثم كان الانشقاق المنمق عن روسيا في وقت سابق من هذا الشهر مهما.
فبالنسبة للغرب، كان هذا الصدع الجديد بين تركيا وروسيا فرصة للبدء في التئام الجروح داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) بما يمثله من خلق توازن في مواجهة التحالف بين روسيا وإيران والأسد والوصول إلى تسوية قابلة للبقاء لا تقيم لتنظيم الدولة الإسلامية قائمة حيث إن ترتيب الوضع الحالي في سوريا -- وهو نتاج سنوات من السياسة القصيرة النظر -- متقلب بشكل لا يصدقه عقل كما تجلى في عفرين، وهي أزمة كانت متوقعة منذ فترة طويلة. والتغير الأساسي الذي كانت تحتاج الولايات المتحدة إحداثه لإعادة تركيا إلى حظيرتها هو إعادة التوازن إلى علاقاتها مع الأكراد.
لكن بدلا من ذلك، ومع تصاعد الأزمة، لم ينكر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة فحسب وجود نفوذ له على عفرين -- وهو موقف حياد يناقض مسؤولية الولايات المتحدة الكبيرة عن أحدث جولة من التوترات -- بل أعلن أيضا أنه يؤسس قوة حدودية يهيمن عليها الأكراد لمنطقة روج آفا وشكل سياسة تجاه سوريا تعطي روج آفا ضمانا أمنيا غير محدد.
كما تجاهلت الولايات المتحدة الاحتجاجات التي اندلعت في منبج خلال الأسبوع الأخير بعد أن أقدمت سلطات حزب الاتحاد الديمقراطي على تعذيب سجينين من العرب حتى الموت. وكان باستطاعة واشنطن التوسط وإجبار الأكراد على تنفيذ بنود الاتفاق الذي وقعوه عام 2016 لترك منبج تحكم نفسها طالما أن تركيا ترفع يدها عن عفرين. لكن بحلول الوقت الذي حاولت فيه الولايات المتحدة التراجع عن الإعلان عن القوة الحدودية، كانت قد فاتت فرصة إعادة تركيا تحت لواء القيادة الأمريكية في سوريا وجعل أنقرة ترى أن الوجود الأمريكي في مصلحتها. وتُركت تركيا وقد باتت تشارك الائتلاف الموالي للأسد الرأي القائل إن رحيل الولايات المتحدة يصب في مصلحتها.
وهذا عار لأن بإمكان تركيا لعب دور بناء في سوريا من خلال تأمين إدلب من القوات الموالية للأسد، وهو أمر أكثر إلحاحا من عفرين حتى بالنسبة لتركيا نفسها. وسيكون من شأن الوجود التركي لصد تحالف النظام والجهود المتسارعة لإماطة ذريعة هيئة تحرير الشام عن التحالف الموالي للأسد أن يجعلا وجود تركيا في سوريا أسهل كثيرا من الناحية السياسية وأن يجنبا الكثير من الناس الكثير من المعاناة والبؤس بالإضافة إلى الحيلولة دون قدوم موجة جديدة من المهاجرين إلى تركيا على نحو يزعزع الاستقرار.
ومع انفصامها عن الغرب، ترى تركيا أن حزب الاتحاد الديمقراطي أولوية أساسية وملحة. وزار رئيس الاستخبارات التركية موسكو يوم الخميس ومن المحتمل أنه كان يمهد الأرض لعملية في عفرين. وكانت الرسالة المعلنة من روسيا هدفها إحراج تركيا. وهدد حليف موسكو الأسد بإسقاط الطائرت التركية في سماء عفرين، وهو أمر لم تستطع أنظمته المضادة للطائرات أن تفعله في 100 محاولة ضد إسرائيل. لكن من الواضح أن تركيا حصلت على ما كانت تحتاجه؛ وماهية ذلك هي السؤال الأكثر إثارة للاهتمام الآن.
ربما لم يكن باستطاعة روسيا إيقاف الغزو التركي لعفرين في الواقت الذي تواجه فيه تركيا إلى الآن خطرا، ومن ثم تهيأت موسكو لدعم العملية التركية وهو الأمر الذي لم يمنحه الغرب لتركيا. ومن المحتمل أن تكون روسيا قد اتفقت مع تركيا على احتلال عفرين بالكامل، وهو الأمر الذي قد يتسبب في فاجعة لتركيا. ومن وجهة نظر أنقرة، فإن ذلك قد يؤدي إلى سحب القوات الكردية من أقصى الشرق باتجاه عفرين على نحو يضعف البنية التحتية لروج آفا بالكامل. لكن المعركة ضد الجنود الأكراد المتخندقين والقادرة على إثارة الكثير من المشاعر الشعبية ستكون لها تكلفة مفزعة ومن غير المرجح أن يكون باستطاعة تركيا إرساء الاستقرار فيما بعد. ومثل ذلك المستنقع سيكون مناسبا للروس الذين بإمكانهم أن يعرضوا المساعدة بعد ذلك مقابل الحصول على تنازلات.
لكن ربما يكون اتفاق مشابه لذلك بشأن حلب قد تم التوصل إليه حيث وافق الروس لتركيا على الاستيلاء على المناطق ذات الأغلبية العربية حول تل رفعت، التي كان حزب الاتحاد الديمقراطي قد استولى عليها قبل عامين بمساعدة الضربات الجوية الروسية، والتي ربما تكون كافية لربط منطقة درع الفرات بمواقع المراقبة التركية في شمالي إدلب مقابل موافقة تركيا على سيطرة الائتلاف الموالي للأسد على إدلب لما يصل إلى مطار أبو الظهور. وسيكون هذا موافقا للخرائط المسربة من عملية آستانة. وسيكون الروس بذلك استرضوا الأتراك بأقل الخسائر في علاقاتهم مع الأكراد.
وفي كلا الحالتين، تظل تركيا تدور في فلك روسيا بينما يقترب التحالف الموالي للأسد أكثر إلى تحييد المعقل الأخير للتمرد، وهي انتصارات لروسيا في وقت تبدو فيه سيطرتها على الوضع في سوريا آخذة في الانحسار.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: