الادعاء التركي يطالب بسجن محتجي غيزي 47 ألفاً و520 عاماً

طالب ممثلو الادعاء الأتراك بسجن المشتبه بهم، وهم ممثلون ومحامون ونشطاء وصحفيون، في المجمل 47 ألفاً و520 عاماً بتهمة محاولة الإطاحة بالحكومة عن طريق تنظيم احتجاجات غيزي في عام 2013، التي كانت أكبر مظاهرات ضد الرئيس رجب طيب أردوغان منذ أن وصل إلى السلطة في عام 2003.
كان أردوغان، الذي كان ينظر إليه من قبل كقوة من أجل الديمقراطية التي تقود تركيا نحو الإصلاحات التي أوصى بها الاتحاد الأوروبي، يشرف على حملة قمع متصاعدة على جميع المعارضين، لا سيما بعد الانقلاب الفاشل عام 2016، ويقول منتقدون إنه يوجه البلاد بعيداً عن حلفائها التقليديين في الغرب صوب علاقات أوثق مع روسيا وإيران.
قبلت محكمة جنائية في إسطنبول لائحة الاتهام الصادرة عن ممثلي الادعاء والمؤلفة من 657 صفحة تتضمن قائمة بجميع أعضاء مجلس الوزراء لعام 2013 ضمن المدعين، بالإضافة إلى 746 مدعياً إضافياً من جميع أنحاء البلاد يدعون في معظم الأحيان أن ممتلكاتهم تضررت نتيجة للاحتجاجات.
وقد بدأت مظاهرات حديقة غيزي في صورة اعتصام صغير ضد التدمير المقترح لواحدة من المساحات الخضراء القليلة المتبقية في إسطنبول لإفساح المجال لمركز تسوق، لكنها سرعان ما تحولت إلى احتجاجات جماهيرية واسعة النطاق بعد أن تدخلت الشرطة بالهراوات والغاز المسيل للدموع لتفريق المظاهرة. وقد قُتل 11 شخصاً وأصيب ما يربو على ثمانية آلاف شخص في أعمال العنف التي تلت ذلك.
وتسعى لائحة الاتهام إلى إثبات أن احتجاجات غيزي، بدلاً من أن تكون رد فعل على حملة القمع التي تقوم بها الشرطة ونتيجة لخيبة الأمل من حكم أردوغان الإسلامي الاستبدادي على نحو متزايد، دبرها المشتبه بهم في مؤامرة تهدف إلى الإطاحة بالحكومة.
وجرى اتهام رجل الأعمال التركي ورجل الأعمال الخيرية عثمان كافالا بأنه المتآمر الرئيسي، من خلال رعاية الفتنة عبر منظمته غير الهادفة للربح مؤسسة الأناضول الثقافية، التي أُقيمت لدعم السلام والديمقراطية من خلال الفنون والثقافة، وعلاقاته بالفرع المحلي لمؤسسة المجتمع المفتوح التي أسسها المستثمر الأميركي المجري جورج سوروس.
ويشكل المشتبه بهم الآخرون عدة مجموعات فضفاضة متصلة ببعضها البعض ويواجهون اتهامات بتشجيع الاحتجاجات التي انتشرت في جميع أنحاء البلاد تقريباً.
ويشكل المنتج السينمائي جيجدوم مطر أوتكو ورجل الأعمال يجيت علي إكميكجي، والناشطة المدنية مين أوزردن مجموعة واحدة مرتبطة بمؤسسة الأناضول الثقافية، في حين شكلت غوكجه تويلو أوغلو، رئيسة مؤسسة المجتمع المفتوح في تركيا عام 2013، وعلي خاقان التيناي، رئيسها السابق، مجموعة أخرى.
وشكل الممثل محمد علي الأبورا وزوجته الممثلة آيس بينار الأبورا، وكذلك الكاتبة المسرحية هاندان ميلتيم أريكان مجموعة أخرى. ووفقاً لممثلي الادعاء، بدأ الثلاثة الاستعدادات لاحتجاجات غيزي في اجتماع عُقد في القاهرة عام 2011، ثم طوروا المؤامرة من خلال عرض مسرحية عن ثورة وهمية ضد ديكتاتور. ثم شاركوا في تنظيم احتجاجات غيزي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتضم مجموعة أخرى نشطاء المجتمع المدني هانزاده حكمت جيرميان أوغلو وييجيت اكساك أوغلو وإيناناج إكميكجي. ويقول ممثلو الادعاء إن هذه المجموعة، بعد احتجاجات غيزي، حاولت الإطاحة بالحكومة من خلال محاولة تأسيس منظمة عملت على أشكال من الاحتجاجات غير العنيفة.
كانت المهندسة المعمارية عائشة موسيلا يابيسي والمحامي وخبير تخطيط المدن طيفون كهرمان والمحامي جان عطا الله، في الوقت نفسه أعضاء في مبادرة التضامن مع تقسيم، وهي مبادرة أسسها بشكل أساسي المهندسون المعماريون وخبراء تخطيط المدن لمعارضة خطط الحكومة لبناء مركز تسوق على غرار ثكنات الجيش العثماني التي سبق وكانت في موقع حديقة غيزي.
وأخيراً، يشكل الصحفي جان دوندار مجموعة بنفسه، ويواجه اتهامات بإثارة احتجاجات غيزي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

رجل الأعمال التركي والناشط الحقوقي عثمان كافالا
رجل الأعمال التركي والناشط الحقوقي عثمان كافالا

تشير لائحة الاتهام إلى مئات الأشخاص، معظمهم من العاملين في قطاع المجتمع المدني في إسطنبول، في محادثات هاتفية تم التنصت عليها، وبينهم صحفيون يطرحون الأسئلة من أجل كتابة تقارير إخبارية. وتشير أيضاً إلى شخصيات بارزة في مجموعة إيكزاجباشي القابضة وشركة بوينر القابضة، وهما أكبر شركتين تجاريتين في تركيا، وتتهمهما بمحاولة إنشاء منافذ إعلامية جديدة مع كافالا للترويج للاضطرابات. وتقول لائحة الاتهام أيضاً إن شركة بوينر القابضة قامت بتوفير مراحيض متحركة لمحتجي غيزي.
بيد أن لائحة الاتهام يكتنفها شيء من الغموض، ففي حين أن عدداً كبيراً من الناس يشار إليهم في لائحة الاتهام، لماذا تم توجيه تهم إليهم ولم يتم توجيه التهم لبعضهم الآخر. قد يشير ذلك إلى أن ثمة مزيداً من التهم قد تظهر في المستقبل وتثبت أنها رادعة للآخرين الذين وردت أسماؤهم في لائحة الاتهام.
ومن خلال المعلومات التي تم الحصول عليها من لجنة التحقيق في الجرائم المالية، تدرج لائحة الاتهام تقريباً جميع المنظمات الدولية المانحة التي تعمل في تركيا، وكثير من الناس الذين عملوا في مؤسسة الأناضول الثقافية ومنظمات المجتمع المدني التي حصلت على منح من مؤسسة المجتمع المفتوح. حتى الأشخاص الذين حصلوا على نفقات السفر لحضور اجتماعات مدرجون على لائحة الاتهام.
تقدم لائحة الاتهام رؤية مدهشة للعقلية التآمرية لممثلي الادعاء العامين في الدولة التركية، وهي مهنة مليئة بالموالين لأردوغان. تأخذ لائحة الاتهام القارئ إلى قصة متعرجة من التظاهرات في صربيا عام 2000، إلى احتجاجات الربيع العربي في عام 2011، وتربط نظريات المؤامرة بشأن سوروس ودوره المزعوم في الاضطرابات في جميع أنحاء العالم، إلى الحاجة الملحة إلى الشطائر والأقنعة في حديقة غيزي للمتظاهرين المنهكين بسبب الغاز المسيل للدموع.
ثمة صفحات من المحادثات الهاتفية بين الأشخاص الذين يعملون في مؤسسة المجتمع المفتوح يناقشون وقت وكيفية كتابة رسالة مفتوحة إلى الحكومة التركية لرفض مزاعم عضو مجلس إدارة سابق، جان باكير، الذي قال ضمنياً في مقابلة إن سوروس يؤيد سياسات إسرائيل.
هناك مناقشات حول فيلم وثائقي مدته 15 دقيقة عن احتجاجات غيزي، حاول بعض المشتبه بهم الترويج له في المهرجانات السينمائية الدولية، والجهود المبذولة لضمان عدم تداخل إقامة معرض للصور الفوتوغرافية حول غيزي في بروكسل مع الأحداث الأخرى المرتبطة بتركيا هناك، والمحادثات حول حملة محتملة لمطالبة المجتمع الدولي بحظر مبيعات الغاز المسيل للدموع إلى تركيا.
تقول لائحة الاتهام إن منظمة أوتبور الصربية، التي تأسست في أواخر تسعينات القرن الماضي لتعزيز التعبئة الاجتماعية ضد الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش، ألهمت احتجاجات حديقة غيزي بعض الشيء. تحولت أوتبور إلى منظمة تعمل على أنواع الاحتجاجات السلمية بعد سقوط ميلوسيفيتش في عام 2000 ونظمت تدريبات حول العالم، بما في ذلك في تركيا. لكن لا يوجد دليل على أن أياً من المشتبه بهم شارك في فعاليات أوتبور داخل تركيا.
كما أبدت منظمة أوتبور اهتماماً باحتجاجات الربيع العربي، لكن الرابط الموضوعي الوحيد بين المشتبه بهم والمنظمة الصربية كان اجتماعاً في القاهرة حضره محمد علي الأبورا. وتشير لائحة الاتهام أيضاً للسفر إلى تركيا من قبل أشخاص مرتبطين بمنظمة أوتبور، بما في ذلك إقامتهم في فندق فخم في إقليم أنطاليا بجنوب البلاد، وهو مكان شهير للسائحين.
تشير لائحة الاتهام أيضاً إلى كتاب كتبه البروفسور الأميركي جين شارب، رصد فيه 198 نوعاً مختلفاً من الاحتجاجات غير العنيفة، والتي حسب البعض، ألهمت ثورات الربيع العربي. تتضمن قائمة شارب العديد من أشكال الاحتجاج المعروفة، مثل تقديم الالتماسات والاجتماعات والخطب العامة واللافتات والشعارات والمنشورات والدراما والموسيقى، العديد من الإجراءات التي تحميها الاتفاقيات الدولية التي وقعتها تركيا، ويحميها الدستور التركي.
تسرد لائحة الاتهام جميع أنواع الأنشطة التي شوهدت أثناء احتجاجات حديقة غيزي وتحاول ربطها بنشاطات منظمة أوتبور في صربيا، وكتاب شارب واحتجاجات الربيع العربي. في أحد الأمثلة، قال ممثلو الادعاء إن نشطاء أوتبور وزعوا الكعك في مراكز الشرطة الصربية في عام 1999، وقارنوا ذلك بمحاولات النشطاء تقديم الزهور للشرطة في حديقة غيزي في عام 2013.
وقال ممثلو الادعاء إن مجموعة الست عشر مشتبها بهم قامت بجمع المنظمات القانونية وغير القانونية معاً، وقامت بتحليل البنية الاجتماعية في تركيا ووجهت المجتمع عن طريق غرس مفاهيم خاطئة.
وقالوا إن المشتبه بهم لهم آراء وقدرات سياسية مختلفة، لكنهم تمكنوا من الاجتماع معاً في منظمة معقدة ذات بنية فريدة لم يسبق لها مثيل في تركيا.
وقال ممثلو الادعاء أيضاً إن المنظمة تشبه حركة غولن، وهي جماعة إسلامية سرية كانت متحالفة في السابق مع أردوغان وانفصلت عن الحزب الحاكم ويجري اتهامها بتدبير محاولة الانقلاب في عام 2016. 
ومن المقرر أن تبدأ المحاكمة في سجن يخضع لحراسة مشددة في سيليفري غربي إسطنبول يوم 24 يونيو.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/turkish-prosecutors-seek-47520-years-jail-gezi-park-protest-suspects
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.