فبراير 04 2018

الاستبداد السلطوي والنزعة العسكرية في تركيا هل تنهيان احلام الاسلام السياسي؟

إلى أين تسير تجربة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب اردوغان؟
سؤال صار يراود المراقبين في الداخل والخارج للشأن التركي كما صار يراود الساسة الاتراك بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم ما عدا انصار وقواعد العدالة والتنمية فإنهم يسيرون وراء اردوغان وهم شبه مغمضي العيون.
لعل الاشكالية الاولى التي يمكن تشخصيها في سياسات الدولة التركية في ظل العدالة والتنمية / اردوغان هي ميزة التقلبات المفاجئة والانتقال السريع من موقف الى نقيضه.
بأمكان الرئيس التركي ان يصنع من صديق عدوا والعكس صحيح في وقت قصير وتقلبات مفاجئة.
شهدت العلاقات التركية مع العديد من الدول مثل تلك التقلبات الصارخة والمفاجئة فلا يوجد في قاموس اردوغان مساحة واسعة بين من يحمل صفة عدو عن ذلك الذي يحمل صفة صديق فالاثنان يمكن ان يحضرا في آن واحد وزمن قياسي.
في مثل هذه الحالات كان على الخارجية التركية ان تغير بوصلتها في كل مرة وتعزف على نفس وتر الغضب والانفعال الاردوغاني.
لاشك ان الامثلة كثيرة من ابرزها علاقات تركيا مع روسيا وايران والمانيا واميركا وهولندا والنمسا والسويد ومصر وصولا الى العراق وغيرها.
الاستبداد السلطوي هو الذي صار يوما بعد يوم يقدم صورة زعيم فريد في تاريخ الدولة التركية ، زعيم نزق يتميز بنزعة انفعالية غضبية مفاجئة سرعان ما يغلفها اما بنزعة استعلائية عثمانية ومثال ذلك عندما صرح اردوغان في اثناء تصاعد خصوماته السياسية ان الزعيم الغربي او العربي الفلاني ليس بمستواه لكي يجادله.
استصغار الاخر صار من علامات الاستبداد السلطوي ، انسحب ذلك على زعامات وحكومات دول كما انسحب على طيف واسع من المعارضة التركية.

نفثات من تصريحات الرئيس الغاضب
نفثات من تصريحات الرئيس الغاضب

 * أنت لست ندي ولست بمستواي، وصراخك في العراق ليس مهما بالنسبة لنا على الإطلاق، فنحن سنفعل ما نشاء، وعليك أن تعلم ذلك، وعليك أن تلزم حدك أولا.

اردوغان مخاطبا رئيس الوزراء العراقي حيدرالعبادي - اكتوبر 2016

* ومخاطبا وزير الخارجية الالماني زيغمار غابرييل - اغسطس 2017:

إنه لا يلتزم حدوده ! من أنت لتخاطب رئيس تركيا بهذه الطريقة؟ التزم حدودك! إنه يحاول إعطاءنا درسا .... منذ متى تتعاطى السياسة؟ كم تبلغ من العمر؟.

* ومخاطبا رئيس الوزراء الهولندي - مارس 2017

انتم ايها المسؤلون الهولنديون تنزعجون من وصفكم  بـ”النازيين الجدد" ،الحكومة الهولندية تقوم بإعطاء دروس الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحرية للعالم، أما عندما يتعلق الأمر بمصالحهم فيكونون فاشيون بأمتياز.

* ومخاطبا منظمة الامن والتعاون الاوربي - ابريل 2017

من أنتم؟ عليكم قبل كلّ شيء أن تعرفوا حدودكم، وهذا الأمر لا يعنيكم.

* ومخاطبا المستشا الالمانية انجيلا ميركل - مارس 2017

 ميركل، أنتِ تدعمين الإرهابيين وتغذينهم.

الكل ليسوا في مستوى الزعيم الاوحد الذي جمع السلطات كلها بين يديه وصنع دستورا تركيا كما يشاء هو اتاح له ان يصبح رئيسا مطلق الصلاحيات لا ينازعه فيها أحد بعدما مضت الجمهورية التركية في مختلف مراحلها على مبدأ الدور الشرفي للرئيس والرمز للجمهورية التركية فيما كانت السلطات التنفيذية علي الدوام في يد رئيس الوزراء.
انقلب كل شيء في الدولة التركية وصارت الانتخابات اقصر طريق لبلوغ ناصية الاستبداد من خلال خلق فئتين من الشعب التركي اما مع او ضد اردوغان وصار استعداء ايّ كان ومهما كان موقعه مرتبط بالولاء المطلق لكل ما يفعله او يقوله اردوغان.
تبع ذلك بروز ظاهرة العسكرة وتعبئة الرأي العام باتجاه الانغماس في الحروب والصراعات الاقليمية.
وهكذا تم تسخير كل امكانات الدولة التركية لتنفيذ هوس بالغزو العسكري انطلق فيه الجيش التركي بفيالقه باتجاه الارض السورية غير عابئ باعتراضات المعترضين سواء اكانوا دولا او سياسيين او غيرهم.
كل من يشكك في عملية غصن الزيتون وانها تصرف متسرع وغير مسؤول واضراره فادحة وغير محسوبة على الشعب التركي يكون في مفهوم العدالة والتنمية خائنا او عدوا او مناصرا للارهاب.
في وسط هذا المأزق والمنحدر الذي تنحدر اليه تركيا ما بين سطوة الاستبداد السلطوي والنزعة العسكرية المطلقة سيطرح السؤال الاهم:
اين هي شعارات الاسلام السياسي وماذا تبقي منها؟
واين هي الدولة الفاضلة التي تستقي اسسها من المبادئ الاخوانية في ظل البطش السلطوي والاندفاع العسكري؟

مقولات الدولة الفاضلة وخيالات الحاكمية  الدينية تتهشم يوما بعد يوم تحت قبضة الاستبداد والقوة العسكرية
مقولات الدولة الفاضلة وخيالات الحاكمية الدينية تتهشم يوما بعد يوم تحت قبضة الاستبداد والقوة العسكرية

لا شك ان لا وجود اصلا لاطروحات الاسلام السياسي فيما تسير عليه الدولة التركية اليوم فلا احد منشغل بها اصلا ، اردوغان وحزبه منشغلون بأمر اهم ، تنتظرهم انتخابات حاسمة في العام المقبل واردوغان شخصيا مصمم على البقاء زعيما مطلق الصلاحيات ولو سار مئات الاميال على جماجم الخصوم ايا كانوا.
المقدمات هي مرحلة ما بعد المحاولة الانقلابية في منتصف يوليو من العام 2016: السجون تغص بالمعارضين وسجناء الرأي والاتهامات بالخيانة ومساندة الارهاب تلاحق كل من لا يدين لاردوغان بالولاء المطلق.
على صعيد آخر امتلك اردوغان شخصيا زمام الماكنة العسكرية بكاملها فقام بعملية تطهير واسعة النطاق في قيادات الجيش وزج الالاف من خيرة قادته في السجون وجاء بالذين يدينون له بالطاعة المطلقة والولاء.
هذا المشهد القاتم انسحقت تحت وطأته وشراسته بقايا شعارات مهلهلة لاطروحات الاسلام السياسي الذي ظل يرسم هالة من حول اردوغان بوصفه زعيما روحانيا دينيا فضلا عن كونه سياسيا وسنتذكر هنا ذلك الكتاب الذي ذاع صيته في تمجيد ادوغان تحت عنوان " الشيخ الرئيس".

المطبلين وحارقي البخور صنعوا هالة وهمية  وصور لهم خيالهم شكل ومضمون الشيخ الرئيس الحاكم بأمره ولا صوت يعلو علي صوته
المطبلين وحارقي البخور صنعوا هالة وهمية وصور لهم خيالهم شكل ومضمون الشيخ الرئيس الحاكم بأمره ولا صوت يعلو علي صوته

امران لا ثالث لهما يشغلان عقل الرئيس هما الفتك بالخصوم ايا كانوا والوصول للحكم المطلق لدورة اخرى تمتد حتى العام 2023 حيث سيتم دفن اسس علمانية الدولة التركية وسيتحول دهاقنة الاسلام السياسي الى مجرد دراويش وحارقي بخور وممجدين لعظمة اردوغان.
القراءات الواقعية لمستقبل الدولة التركية على وفق المنهج الحالي تذهب الى ماهو اشد تشاؤما فالحروب العرقية التي يشنها اردوغان وتحقير القوى والتيارات المدنية في داخل المجتمع التركي عاملان اساسيان في تمزيق تماسك المجتمع التركي فلا يمكن لاي عاقل ان يقتنع ان ما توصل اليه اردوغان من حل في ادارة الدولة التركية هو حل صحيح.
الدولة التركية صارت مبتلاة بعاهتين كارثيتين هما سلطة الاستبداد المطلق واستخدام القوة العسكرية لغرض التطهير العرقي.
لقد صارت من كوميديا المشهد التركي اليوم ان كل من يختلف مع النظام التركي حالي فأنه يتبع حركة غولن وانه مستأجر من غولن وتلك قمة المهزلة فلا غولن ولا اردوغان يصلحان للنهوض بالامة التركية من كبوتها الحالية.
كلاهما انتاج تيار اثبت فشله ، تعكز علي اطروحات هلامية في حاكمية استبدادية مغلفة بشعارات الاسلام السياسي وانتهى الامر بهما الى ما انتهى اليه : غولن منفيا واردوغان حاكما مستبدا مطلقا لا صوت يعلو على صوته.

اقطاب الاسلام السياسي في العالم العربي يعيشون خريفا قاتما في ظل ماكنة القتل والاستبداد التي يقودها اردوغان وتتهاوى امامها طوباوية الشعارات التي كانوا يرفعونها
اقطاب الاسلام السياسي في العالم العربي يعيشون خريفا قاتما في ظل ماكنة القتل والاستبداد التي يقودها اردوغان وتتهاوى امامها طوباوية الشعارات التي كانوا يرفعونها

في المقابل فأن اقطاب الاسلام السياسي يعيشون اليوم ازمات معقدة في تبرير سياسات الاستبداد والعسكرة كما هي في النموذج التركي ولا يجدون ما يكفي من مبررات يسوقونها لمواصلة مسلسل الخداع لجمهورهم في توصيف تجربة العدالة والتنمية انها ملاذ الحاكمية الاخوانية وملاذ المطبلين لاطروحات الاسلام السياسي.
الحكم التركي الحالي ليس معنيا ولا مشغولا بهؤلاء الذين لا يخدمونه في تكريس الاستبداد ولا في شن الحروب والانغماس في الصراعات وسيرضى اردغان عليهم ان يكيلوا ويكثروا له الدعاء فيما هو سائر في نهجه الذي خطّه لنفسه مسنودا بآفتي الاستبداد السلطوي والعسكرة الطائعة الصمّاء .