ذو الفقار دوغان
يونيو 12 2018

الانتخابات التركية: القيادة السياسية مشابهة لقيادة كرة القدم

خلقت الاضطرابات الانتخابية التي أطاحت بعزيز يلدريم، بعد أن ظل مهيمنا على رئاسة نادي فناربخشة الرياضي لعشرين عاما، تموجات سياسية واجتماعية في تركيا قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تُجرى في الرابع والعشرين من يونيو.
يُجري فناربخشة انتخابات الرئاسة كل ثلاث سنوات، وهو معروف بثرائه وعلاقاته الوثيقة بالدولة. وفي تاريخ النادي الممتد منذ 111 عاما، لم يسبق أن ظل أي رئيس في المنصب لعشرين عاما كما كان الحال مع يلدريم. لكن في انتخابات الثالث من يونيو، فاز رجل الأعمال التركي البارز علي كوتش بأكثر من 75 بالمئة من الأصوات وأصبح الرئيس الثالث والثلاثين لفناربخشة.
وكان الاثنان قد طرحا قائمة بأعضاء مجلس إدارة النادي لدى ترشحهما للمنصب. وتتألف قائمة الكوادر القيادية التي طرحها عزيز يلدريم من أشخاص يشاركونه خلفيته في التعاقد على وظائف البناء في الحكومة. وقد مني هؤلاء بهزيمة ثقيلة في مواجهة القطاعات الاقتصادية التي يمثلها أعضاء مجلس إدارة علي كوتش، بما في ذلك القطاعات الفعالة مثل القطاع المصرفي وقطاعي الطاقة وتكنولوجيا المعلومات.
وهناك أوجه شبه عديدة ولافتة للنظر بين انتخابات فناربخشة التي أجريت في الثالث من يونيو وانتخابات الرابع والعشرين من يونيو. كما أن هناك تشابها بين أعضاء نادي فناربخشة والناخبين الأتراك، فضلا عن أوجه الشبه الأخرى مع المرشحين الرئاسيين وأحزاب المعارضة ومناظرات المرشحين والحملات الانتخابية. كل ذلك يكشف حقيقة الدرجة التي تجعل انتخابات فناربخشة دراسة حالة، في ظل وجود تداعيات اجتماعية وسياسية واقتصادية لها على تركيا ككل.
قبل الانتخابات، تراكمت على فناربخشة ديون بملايين الدولارات. فقد اعتمد النادي على الاقتراض بشكل مستمر لكي لا ينهار؛ كما أنه صار مدينا بالفضل للرعاة الماليين، الذين بات لهم نفوذ كبير في قرارات النادي. والاقتصاد التركي الغارق في الديون للخارج، والمُلزم بالشروط التي وضعتها جماعات الضغط فيما يتعلق بأسعار الفائدة والصرف، في موقف مشابه إلى حد كبير.
في المناظرات التي جرت بين يلدريم وكوتش، طرح عزيز يلدريم مشروعات تنموية وإنشائية كان من بينها بناء استاد وصالة داخلية لألعاب اللياقة البدنية. وتعهد يلدريم بإيجاد حل للضائقة الاقتصادية ومشكلة الديون الضخمة التي غرق فيها فناربخشة، كما لو أن أفعالة خلال العشرين سنة الماضية لم تكن مسؤولة عن تلك المشاكل الاقتصادية.
وعلى نحو مماثل، يؤكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه الزعيم الوحيد القادرة على إنقاذ تركيا من محنتها الحالية متجاهلا دوره هو نفسه في جر تركيا إلى هذا المسار من البداية. فقد أمضى أردوغان 16 عاما في السلطة بسط خلالها نفوذه على السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وكان يفعل كل ما يحلو له.
وفي حملاته الانتخابية، يُفرد أردوغان قائمة نجاحاته في مشروعات تشييد تشمل البنى التحتية والإسكان والطرق والأنفاق والجسور والمطارات. والمشروعات التي يتباهى بها هي مجرد استثمارات اضطرت الحكومة إلى اقتراض ديون أجنبية بأكثر من 350 مليون دولار وإصدار أوراق مالية بمليارات الدولارات. وما زال أردوغان يبني وعوده للمستقبل على مشروعات البناء.
ولا يحتاج الأمر لخيال واسع لكي نرى أوجه الشبه بين يلدريم – المعروف بضربه لاعبي كرة القدم وإهانته للمدربين والتهديد والوعيد بين شوطي المباريات في غرف تبديل الملابس – وأردوغان الذي يستخف بمعارضيه السياسيين عبر توجيه إهانات تصل في بعض الأحيان إلى اتهام المعارض بأنه "إرهابي" أو "خائن".
كما أن الاثنين لديهما الميل للعب دور الشخص المستضعف والضحية. فقد أمضى الرئيس أردوغان أربعة أشهر في السجن عام 1999 بسبب إلقائه قصيدة رأت الحكومة العلمانية وقتها أنها تحريضية. وبعد مرور عقد من الزمان، أصبح يلدريم هدفا لفضيحة غش في عام 2011 فجرتها حركة غولن التي تتعرض حاليا لتشويه سمعتها من خلال مزاعم بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016 ضد حكومة الرئيس أردوغان. وتُظهر نتائج انتخابات الثالث من يوليو أن أعضاء فناربخشة قد ضجروا من تكتيكات الاستكانة التي يتبعها يلدريم؛ لكن أردوغان مستمر في استخدام واقعة سجنه قبل عشرين عاما في استراتيجية تهدف إلى زيادة أصوات مؤيديه.
وعلى عكس مجلس إدارة عزيز يلدريم ذي الثقل في مجال البناء، جلب علي كوتش معه مجموعة من القادة المتنوعين الذين أثبتوا جدارة في عدد كبير من المجالات. ومن بين تلك المجالات، القطاع المصرفي، والقانون، وتكنولوجيا المعلومات، وتصميم المنتجات. وقد فاز الرجل بفضل مجموعة أعضاء مجلس الإدارة هذه التي تضم لفيفا من أهل الخبرة في مختلف المجالات.
وفي انتخابات الرابع والعشرين من يونيو، سيواجه الرئيس أردوغان مرشحين مثل محرم إينجه. وإينجه عالم في الطبيعة يقضي حملاته الانتخابية في إلقاء الوعود بإخراج جيل من مهندسي الروبوتات وتنشئة مجتمع سيصمم علامات تجارية مبتكرة، ويتابع المعارف الجديدة، ويحشد مهارات التفكير النقدي، ويجسد الثقة بالنفس. أما أردوغان فلديه سجل يمتد على مدى 16 عاما من السياسات الريعية التي أفرزت جيلا من مقاولي الحكومة.
وتركيبة الكوادر القيادية التي أفرزتها انتخابات فناربخشة في الثالث من يونيو ودينامياتها الداخلية، عندما تقارن بالقيادة التي يبديها أردوغان وإينجه في الفترة السابقة على انتخابات الرابع والعشرين من يونيو، تكشف عن اختلافات واضحة بين الرؤيتين الموضوعتين للبلاد. فعلى أحد الجانبين، هناك هيكل متين للقيادة يوجه بعض موارد الحكومة إلى النادي ويعتمد على دورة استدانة لتسيير أمور المؤسسة. على الجانب الآخر، هناك هيكل قيادة يخلص النادي من ديونه، ويؤمن له الاستقلال المالي، ويضع أهدافا، ويستثير الطاقة في النفوس، ويجبُر الخلافات، ويعطي الأفضلية للخبرة والجدارة والتخصص.
في الثالث من يونيو، أطاح أعضاء فناربخشة بسلطة ظلت في موقعها عشرين عاما ولعبت خلال تلك المدة دور الضحية المستضعفة وظلت تنشد فترة تلو الأخرى في السلطة. وقد نجح فناربخشة في الوقوف بقوة والمضي في مسار جديد بثقة.
في الرابع والعشرين من يونيو، سيصوت الناخبون على سلطة لم تبرح موقعها منذ 16 عاما، سلطة تأسست على المقاولات والتوجهات الريعية، سلطة تستغل معاناة الناس وتخشى أهل الخبرة والكفاءة، سلطة تختار حكم الرجل الأوحد وتفضله على الحكمة وأهلها. وستكون أمام الجمهورية التركية فرصة لوضع نهاية لهذا النمط من القيادة، تماما كما اختار نادي فناربخشة الرياضي أن يفعل.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: