علي يورتاغول
مايو 12 2018

الانتخابات التركية.. صوتي سيكون لحزب الشعوب الديمقراطي

 

وفي نهاية المطاف توقف الضجيج، وتم اختيار محرم إينحه نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري زعيم المعارضة التركية؛ لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة المزمع إجراؤها في الـ24 من شهر يونيو المقبل، ممثلًا للحزب. وكل ما كنا نأمله هو أن نعيش مفاجأة جميلة تشبه تلك المبادرة التي تم من خلالها استقالة 15 عضوًا من الحزب المذكور، وانضمامهم إلى الحزب "الصالح" كي يتسنى للأخير خوض الانتخابات النيابية والرئاسية القادمة. لكن هذه المفاجأة لم تحدث؛ رغم أن حدوثها كان ممكنًا...
من المؤكد أن فرص انتخاب إينجه رئيسًا للبلاد، معدومة للغاية، ويجب أن تكونوا متأكدين من أن ذلك المرشح لو ظل للجولة الثانية من الانتخابات، فإن أردوغان سيفوز بفارق كبير. هل تتسائلون لماذا أتحدث عن هذا بثقة ؟ لأوضح لكم...
لقد قرأت بعناية أول تصريح أدلى به محرم إينجه بعد إعلان حزب الشعب الجمهوري ترشيحه لخوض الانتخابات، قرأتها مرتين، جملة جملة، وسطرًا سطرًا. ووجدت فيها عدة رسائل بارزة: أولاها والأبرز منها شخص "أردوغان"، أردوغان بالنسبة لإينجه أهم من تبني مشروع ما لتركيا.  هو يقوم بذلك  في مسعى منه للتناطح مع أردوغان. أمازلتم تتسألون من سيفوز من حملتين الأبرز فيهما أناني وآخر نرجسي؟
أما الرسالة الثانية التي استنتجتها من تصريحات إينجه، فهي تأكيده على أنه ليس سياسيًا يمثل التيار الرئيس لحزب الشعب الجمهوري الذي رشحه ممثلًا له، وذهابه للقول بأنه مرشح الجناح القومي. وهنا يمكنني القول إن إلقاء نظرة واحدة على قائمة مجلس الحزب التي قدمها من قبل من أجل رئاسة الشعب الجمهوري، حينما ترشح على المنصب خلال المؤتمر العام للحزب في فبراير الماضي، ستكون كافية لرؤية على أية منصة يتسكع القوميون. فهذا الجناح من حزب الشعب الجمهوري هامشي ليس فقط في تنظيم الحزب ولكن أيضا في قاعدة التصويت الخاصة به.
ثقافة الديمقراطية في هذا الجناح شديد العلمانية، لم تكن لها جذور، ولم تتعمق فيه بأي حال من الأحوال. ومن ثم فإنهم ليسوا بعيدين في ذلك عن اتفاق أردوغان، وزعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجة لي الذي لا يؤمن بثقافة الديمقراطية هو الآخر.
ولن تكون هناك أية مفاجأة إذا تعاون هذا الجناح القومي مع أردوغان، وبهجة لي، وزعيم الحزب القومي اليساري الصغير "وطن" دوغو بيرنتشيك (مرشح للانتخابات الرئاسية)، في المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين. ولا شك أن هؤلاء القوميين أيضًا مسؤولون عن انهيار دولة القانون. ألم نرَ أين كان موقوفهم في قضية صحيفة "جمهورييت"، وأين وقف نائب حزب الشعب الجمهوري، مصطفى بالباي في هذه القضية؟
ثالثًا، في كلمته الأولى التي ألقاها عند ترشيحه، قال محرم إينجه، إنه سيولي أهمية ومكانًا لمكافحة حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)، وجماعة "فتح الله غولن". ولم تتضمن كلمته أية رسالة للأكراد، ولم يتطرق كذلك إلى الحديث عن أية حقوق أساسية كحرية المعقتد. ولم يتناول كذلك بالحديث الضحايا المعتقلين بتهم "الإرهاب" في تركيا، ويعذبون في السجون، وصودرت ممتلكاتهم.
ومحرم إينجه لم تكن لديه الشجاعة الكافية في هذا الموضوع كمرشح حزب السعادة لذات الانتخابات، تمل مولا كرم أوغلو الذي كان أكثر شجاعة منه. فهذا الأخير على الأقل يمكنه قول "إخوتنا الأكراد"، أما إينجه فلا يستطيع القول. وذلك لأنه لا يوجد مصطلح "أخوتنا الأكراد" في معجم السادة القوميين. ومن ثم فإني على قناعة تامة بأن محرم إينجه إذا خاض الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فإنه لن يستطيع تجاوز حتى ظله. والأكراد رغم انكساراتهم إما أنهم سيصوتون لأردوغان وإما أنهم لن يذهبوا للانتخاب من الأساس.
وجدير بالذكر أن هناك من يقولون إنهم ينظرون بإيجابية للأكراد لرفضهم رفع الحصانة عن نواب البرلمان، ومحرم إينجه كان قد صرح من قبل بأنه ضد رفع الحصانة، ليس حبًا في الأكراد، ولكن لأن المسألة بالنسبة له عبارة عن مبدأ، واتخذ موقفًا صائبًا في هذا الصدد.
ومن السذاجة بمكان أن نقوم حتى بمجرد افتراض أن يصوت الأكراد لمرشح الشعب الجمهوري بعد ما حدث لنوابنا بالبرلمان الذين أسقطت عنهم حصانتهم البرلمانية وزج بهم في السجون. وعلى افتراض أن هذا المرشح قادر على تجاوز ظله، فليقل لنا كيف وبأي حملة ديمقراطية سيمكنه تجاوز القضية الكردية، هل يستيطع قول ذلك؟ لا أعتقد، فظل القومية لديه عميق، وليست لديه القدرة على فعل ذلك.
رابعًا، بقاء محرم إينجه للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، سيكون بمثابة فرصة كان أردوغان يبحث عنها منذ زمن ولم يجدها، وبذلك سيصل أردوغان  إلى الفرصة التي كان يبحث عنها منذ مظاهرات "غزي" التي شهدتها مدينة إسطنبول عام 2013 رفضًا لهدم مركز أتاتورك الثقافي، والقضاء على منتزه مقابل للبناء يعرف باسم غزي. فكما تعلمون، فإن أردوغان أسس كافة استيراتيجياته بعد تلك المظاهرات على أساس الاستقطاب الإسلامي – العلماني.
يحاول أردوغان بلغته وسياسته، وكافة حركاته وسكناته أن يجعل تركيا تدور على محور كلمتي الإسلامي والعلماني. وهو يرى أنه سيخرج فائزًا من هذه السياسة الاستقطابية التي تستند على أغلبية مسلمة تقدر بـ"70" في المئة على أقل تقدير.
محرم إينجه ليس المرشح الذي لديه القدرة لإبراز موضوعات أخرى غير الاستقطاب القائم على الإسلام والعلمانية، كموضوعات دولة القانون، والحقوق الاجتماعية، والاقتصاد، والديمقراطية، والاتحاد الأوروبي، وليست لديه القدرة على جعل التصويت في الانتخابات المقبلة، قائمًا على خيارين اثنين مطروحين أمام الناخبين، وهما الاختيار بين الاستبداد، وبين دولة القانون.
لا أعرف إن كانت لديه القدرة على البقاء للجولة الثانية من الانتخابات أم لا؛ لكن الناخب المنتمي لحزب الشعب الجمهوري لديه صوتان، أحدهما في الانتخابات النيابية، والآخر في الانتخابات الرئاسية، فكونوا متأكدين أنه لن يصوت سوى في الانتخابات النيابية. فمنذ الأيام التي بدأ فيها الجدل حول اسم محرم إينجه، أصبح احتمال تصويت العضو المتشدد بحزب الشعب الجمهوري، لمرشح آخر غير مرشح حزبه، بات واردًا بقوة.
أما بالنسبة لقناعتي، والرسالة التي أبرزتها في عنوان المقال وقلت فيها بأن "صوتي سيكون لحزب الشعوب الديمقراطي"، فورائها فكرتان، يمكنني عرضهما في ثنايا ما يلي:
التمثيل النيابي لحزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان، له أهمية كبيرة بالنسبة لاستقرار تركيا، والقضية الكردية التي ينبغي تجاوزها وإيجاد حلول لها عبر عملية سلمية ديمقراطية. وبالتالي لن يخرج أي حل من برلمان ليس فيه الشعوب الديمقراطي، ولا يمثل فيه الأكراد. لذلك سيكون صوتي لذلك الحزب. وأريد أن يكون للحزب المذكور تمثيلًا في البرلمان.
فضلا عن ذلك يعتبر الأكراد أكبر الجماعات الاجتماعية المظلومة والضحية في تركيا؛ ولا يقتصر هذا الظلم على مجرد امتهان الحقوق الأساسية، والزج بصلاح الدين دميرطاش، زعيم الشعوب الديمقراطي، وقادة آخرين من الحزب في السجون. بل إن الأمر تعدى ذلك ووصل في ظل قانون الانتخابات الجديد الذي لغيت بموجبه وبشكل فعلي العتبة الانتخابية التي تقدر بـ10 في المئة بالنسبة للأحزاب التركية لدخولها في تحالفات، بينما بالنسبة للشعوب الديمقراطي، فالأمر على عكس ذلك.
أي أن مبدأ العتبة الانتخابية لن يطبق إلا على حزب الشعوب الديمقراطي كما قلت. لذلك يجب شحذ المشاعر الإنسانية بعناية كبيرة من أجل التصدي لهذا الظلم، ولخروقات الديمقراطية، ولهذا البعد الذي جاوز مداه في الغبن.
وهناك خطر آخر يتمثل في أن حزب الشعوب الديمقراطي إذا تعرقل في العتبة الانتخابية المذكورة، فإن البيروقيراطيين الذين سيعينهم أردوغان هم من سيمثلون ولايات، ديار بكر، وأورفا، ووان في البرلمان. أي أن النواب عن هذه الولايات لن يكونوا أكرادًا.
كما لم تعد هناك أهمية للمرشحين للانتخابات المقبلة الذين يعيشون أزمة هوية، ويخجلون من كونهم "أكرادًا". صوتي سيكون لحزب الشعوب الديمقراطي لأن إقصائه عن دخول البرلمان يعني تقديم الأغلبية في المجلس على طبق من ذهب لحزب العدالة والتنمية. لقد بات من الضروري الآن أن يتحول العدالة والتنمية لصفوف المعارضة، وتحظى الأحزاب الأخرى بالأغلبية.
وإن كان لديكم فضول بشأن صوتي في الانتخابات الرئاسية، ألأردوغان أم لصلاح الدين دميرطاش، فإني لا أعرف حتى الآن لمن سيكون. لأنه لا يوجد بعد مرشح نموذجي يضع في أولوية سياساته قضايا البيئة، والإنسان، وحقوق الأقليات، ويدافع عن وحدة تركيا، والسلام، والتكامل مع أوروبا.
ولعل صلاح الدين دميرطاش ليس بعيدًا عن هذه الأمور التي عرضتها بشأن المرشح النموذجي، لكن من الصعب أن يبقى للجولة الثانية، وإن بقي سيكون من الأصعب فوزه بالانتخابات. لذلك فإن صوتي بالنسبة للجولة الأولى من الانتخابات لا زال هناك لم يذهب لأحد من المرشحين الحاليين.
وإذا امتلك أي مرشح ضد أردوغان فرصة أن يتم انتخابه في الجولة الثانية، فإن الخيار هنا سيكون بين الاستبداد وبين ديمقراطية الانتخاب، وسيكون لهذا المرشح صوتي إذا سعى إلى إعادة النظام البرلماني لا الرئاسي، وسعى إلى دولة القانون، وتحقيق الوحدة في تركيا.
وإذا انتهى المطاف بالجولة الثانية من الانتخابات إلى الخيار بين أردوغان وإينجه، فسيكون صوتي لإينجه. وذلك لأنني لم أقدر أن أتخيل أن يكون حزب الشعب الجمهوري حزبا ممسوخًا كالعدالة والتنمية. أما إذا كان الخيار في الانتخابات بين أردوغان وبيرنتشيك، فلن يكون التصويت لأحدهما ممكنًا، وهذا أعرفه جيدًأ، لكن قلت لأفصح لكم عن الأمر، فلن أذهب في هذه الحالة إلى صندوق الاقتراع. فلا شك أن اضطرار الذهاب للانتخابات في هذه الحالة سيكون للاختيار بين الطاعون وبين وباء الكوليرا.
لكن المشكلة الأكبر أمام تركيا حاليًا، هي محاولة أردوغان لفرض الاستبداد والفوضى والتعسف. لقد تعبنا من الضغوط والتوتر، والصراعات. لقد سئمنا من جرح مشاعرنا وكسر خواطرنا كل يوم.. يكفي إلى هذا الحد..
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/erken-secim/oyum-hdpye