الانتخابات التركية في ظلال معضلة اقتصادية

حملت الأيام الماضية أحداثا متسارعة ودرامية كشفت حجم المشاكل التي يمر بها الاقتصاد التركي وكذلك تأثير التقلبات في الأسواق المالية العالمية على الوضع الاقتصادي في بلاد الأناضول.
وبالطبع كان الحدث الأبرز الذي طغى على المشهد التركي الأسبوع الماضي هو قرار بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي يوم الأربعاء برفع أسعار الفائدة للمرة الثانية هذا العام بمقدار ربع نقطة مئوية إلى اثنين في المئة والبيان الصارم الذي أصدره ويحمل تلميحات إلى حدوث زيادات أخرى هذا العام. 
ولجأ بنك الاحتياطي الفدرالي إلى هذا القرار بعد ظهور إشارات إلى اتجاه الاقتصاد الأميركي إلى ما يسمى بنقطة "الفوران" الاقتصادي، وهو ما دفعه إلى التخلي عن إجراءات تحفيز النشاط الاقتصادي والاكتفاء بالوقوف في موقف المحايد، أو بعبارة أخرى عدم الخوض في مجازفات اقتصادية غير مأمونة العواقب قد تنجح في تصحيح مسار الاقتصاد الوطني أو تتسبب في إلحاق الضرر به. ومن شأن تشديد السياسة النقدية الأميركية أن يزلزل الأسواق الناشئة، لا سيما في اقتصاد مثل الاقتصاد التركي الذي أصبح في حاجة ماسة إلى تدخل سريع وحريص لعلاج الاختلالات العديدة التي تشوبه.
فعلى الصعيد المحلي، أظهرت البيانات التي صدرت يوم الاثنين بشأن إجمالي الناتج المحلي خلال الربع الأول في تركيا أن النمو الاقتصادي سجل 7.4 في المئة على أساس سنوي بزيادة نسبتها 2 في المئة على أساس ربع سنوي، وهو ما يؤكد استمرار التسارع المفرط في النشاط الاقتصادي في تركيا من العام الماضي حتى أوائل 2018 جراء اعتماد سياسات مالية ونقدية فضفاضة للغاية.
لذلك لم يكن من المفاجئ أن نرى نموا في الطلب المحلي بمعدل مرتفع بلغ 11 في المئة سنويا و4.2 في المئة على أساس ربع سنوي. وبالتوازي مع استمرار الاقتصاد في النمو بوتيرة سريعة، يتجه معدل التضخم صعودا إلى 15 في المئة، في حين من المتوقع أن يتسع العجز الكبير في الحساب الجاري أكثر وأكثر ليصل إلى 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
كما كشفت بيانات ميزان المدفوعات لشهر أبريل، والتي صدرت هذا الأسبوع، كيف دفعت الواردات نسبة عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي حتى وصلت إلى 6.4 في المئة، مما يجعل من تركيا حالة شاذة بين اقتصادات الأسواق الناشئة. ومما لا شك فيه أن ارتفاع أسعار النفط لعب دورا في زيادة نسبة عجز الحساب الجاري (بنسبة تقارب 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)، ومع ذلك، بداية من شهر أبريل، يظل الطلب المحلي القوي هو السبب الرئيسي في هذه الزيادة.
وكان للتقلبات في الأسواق المالية العالمية واستمرار النشاط الاقتصادي التركي في التسارع المفرط أثرا بالغا في تسميم الأجواء وزعزعة ثقة المستثمرين في الأسواق المحلية. وعند إضافة البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى خطاب جميل إرتم، كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي ألمح هذا الأسبوع إلى أن الحكومة ستواصل الضغط من أجل تحقيق المزيد من النمو الاقتصادي بعد انتخابات 24 يونيو بحجة أن هذا النمو لا يؤدي بالضرورة إلى حدوث تضخم، يتكشف الآن السبب الرئيسي وراء ضياع المكاسب التي حققتها الليرة التركية بعد رفع أسعار الفائدة بواقع 500 نقطة أساس هذا العام.

جميل إرتم كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس أردوغان
جميل إرتم كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس أردوغان

علاوة على ذلك، لا تزال تصريحات أردوغان في لندن الشهر الماضي حول نيته إحكام قبضته على السياسة النقدية بعد الانتخابات وتخفيض أسعار الفائدة لتحفيز النمو الاقتصادي تسيطر على أذهان المستثمرين. وحاول بالفعل نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك ومحافظ البنك المركزي مراد جيتين كايا إلى تخفيف وطأة هذه التصريحات وتهدئة المستثمرين خلال زيارة لاحقة قاما بها خصيصا إلى لندن لهذا الغرض.
وتعطي تصريحات إرتم الانطباع بأنه مثلما أدت قرارات بنك الاحتياطي الفدرالي إلى وضع المزيد من الضغوط على الأسواق الناشئة مع احتمال رفع سعر الفائدة للمرة الرابعة، فإن تركيا تعتزم العودة إلى انتهاج سياسة اقتصادية "جريئة ومغامرة" في حال فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. وبالطبع، تسهم مثل هذه التصريحات في زيادة شعور المستثمرين بالتهديد من التدخلات الحكومية المتنامية، وبالتالي في عزوفهم عن المخاطرة بالاستثمار في الأسواق التركية.
على الجانب الآخر، يسعى شيمشك إلى بعث رسالة بشكل متكرر هذه الأيام مفادها أن تركيا ستعود إلى انتهاج سياسات اقتصادية أكثر توازنا تستهدف العمل على معالجة التضخم وعجز الحساب الجاري. كما يصر نائب رئيس الوزراء على أن الحكومة، تماشيا مع هذه الأهداف، ستقوم كذلك بإطلاق جولة جديدة من الإصلاحات الهيكلية. ومع ذلك، تذكرنا تصريحات إرتم في كل مرة كيف يبدو حزب العدالة والتنمية منقسما على نفسه بشأن السياسة الاقتصادية التي يجب تبنيها في مرحلة ما بعد الانتخابات. 
وحتى على الرغم من أن شيمشك يظهر بشكل متكرر أمام المستثمرين باعتباره "وجه السياسات الاقتصادية التقليدية"، لا يوجد دليل ملموس على أنه قادر، سواء الآن أو مستقبلا، على التأثير في خيارات تركيا الاقتصادية بالقدر الازم، حيث يقف في مواجهته عدد كبير من الأصوات الزاعقة في الدوائر الحكومية المقربة من أردوغان والتي تؤكد على أن النمو الاقتصادي لا يزال هو الخيار الأول والوحيد للحكومة.
لذلك لا عجب في أن تتراجع قيمة الليرة بشكل مستمر مقابل الدولار الأميركي حتى وصلت إلى مستويات قياسية منخفضة دفعت البنك المركزي لاتخاذ تدابير بشأن أسعار الفائدة. كما بلغ عائد السندات لأجل سنتين 19.1 في المئة وارتفعت أسعار الفائدة على القروض المصرفية إلى 25-28 في المئة، الأمر الذي أدى إلى خنق الاقتصاد التركي أكثر وأكثر.
وفي حين يتوقع أن يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي في النصف الأول من العام 6 في المئة، فإن الوضع سيكون مختلفا تماما في النصف الثاني من العام. إذ أنه من المرجح أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 4-5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث. وفي غضون ذلك، يتوقع أن يتسارع معدل التضخم في مؤشر أسعار المستهلكين إلى 15 في المئة مقارنة بـ12.2 في المئة في مايو. وهاتان النسبتان تكونان معا ما يعرف باسم الركود التضخمي.
وللخروج من هذا المأزق المعقد، يقتضي الأمر التنفيذ العاجل والدقيق لحزمة من السياسات الاقتصادية التصحيحية، ومن ضمنها إجراءات تعزيز المصداقية واستيعاب الوضع على أرض الواقع بشكل فعلي وبلورة رؤية مستقبلية تعطي الأولوية لإخماد لهيب التضخم.
والوضع لا يحتمل التسويف أو التأجيل، ففي نهاية المطاف، أطلقت سياسات بنك الاحتياطي الفدرالي كرة الثلج التي من شأنها أن تجفف منابع الأسواق الناشئة، وهو ما سيؤدي بالتالي إلى استمرار جروح تركيا الاقتصادية الغائرة في النزيف دون علاج.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/conundrum-turkish-economy