الانتخابات التركية واستطلاع راويست: لمن ستذهب أصوات الأكراد؟

كشفت مؤسسة "راويست" للأبحاث، الأسبوع الماضي، عن نتائج استطلاع للرأي؛ أجرته خلال الفترة الماضية في مؤتمر صحفي؛ عقدته في مركزها بديار بكر؛ حضره العديد من رموز السياسة في المنطقة.
شمل الاستطلاع الذي قامت به مؤسسة "راويست" في الفترة بين 5-6 مارس عام 2018 عدد 15 مدينة تركية؛ توزعت بين (أغري، عنتب، باتمان، بينغول، بدليس، تونجلي، ديار بكر، أرزروم، هكاري، قارص، ماردين، سعرت، أورفة، فان)، وبلغت عينة الاستطلاع 1537 شخصاً، بمعامل ثقة بنسبة 95 %، ومعدل خطأ لم يتجاوز حاجز 2.5%.
ذكر التقرير الصادر عن المؤسسة أن 65 % من المشاركين كانوا من طوائف كرمنجي، في حين بلغ من شملهم الاستطلاع في منطقة ظاظا 11.8 %، في الوقت الذي بلغت فيه نسبة الأتراك 4.2 %. كنتُ بين من حضروا المؤتمر الصحفي، الذي عقدته هذه المؤسسة للإعلان عن نتائج الاستطلاع، الذي أراه مؤثراً للغاية باتجاه معرفة الطرف الذي سيعطيه الأكراد أصواتهم. لم تكن مهمة إجراء الاستطلاع في هذه المنطقة بالأمر الهين بالنسبة لمؤسسة "راويست"، خاصة في ظل حالة الطوارئ المفروضة هناك.

الانتخابات التركية واستطلاع راويست: لصالح من ستذهب أصوات الأكراد؟

قام بهذا الاستطلاع فريق مكون من الذكور والإناث؛ 59% منه من الذكور، و41 % من الإناث. وما لفت الانتباه بالنسبة للشريحة، التي جرى عليها الاستطلاع، أن نسبة 51 % منها كانوا من العاطلين عن العمل، في حين كانت النسبة المتبقية من  الموظفين؛ من ذوي الدخول الدنيا، والمتوسطة.
عندما طُلِب ممن شملهم الاستطلاع أن يُعَرِّفوا أنفسهم وفقاً لانتمائهم السياسي، استحوذت إجابتهم "متدين، محافظ" على المركز الأول بين التعريفات الأخرى بنسبة 29.3٪، إلى جانب بعض التعريفات الأخرى التي جاءت بنسب صغيرة متقاربة. ويشير هذا المعدل إلى أنه على الرغم من أن الحساسية الدينية للمنطقة صارت أقل من ذي قبل، إلا أنها لا تزال تواجه حساسية عرقية أخرى. الأمر الذي يؤكد أن أولئك الذين يمارسون السياسة في المنطقة، يحتاجون إلى إجراء تحليل جيد حول الحساسية الدينية للمجتمع التركي.
ورداً على سؤال "ما هي أكبر مشكلة تعاني منها المنطقة؟" جاء رد 57% ممن شملهم الاستطلاع بأنها "البطالة"، في حين أكد 21% منهم أنها "القضية الكردية"، أما الخمس عشرة المتبقية فأرجعتها إلى "تدني التعليم، وعدم توفير التدريب الملائم". وتشير هذه النسب إلى أن الوضع الاقتصادي هو الشغل الشاغل لأبناء هذه المنطقة، تليه القضية الكردية بنسبة 21%؛ مما يدل على أنها تستحوذ، هي الأخرى، على جزء كبير من أذهان المواطنين هناك، وإن لم تكن العنصر الموجه الأول لديهم.
ويمكن تفسير حديثهم على ضعف التعليم، وعدم توفير التدريب الملائم، بأنه مجرد لفت للانتباه إلى ما تعانيه المنطقة من العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. وتشير هذه الأرقام إلى ضرورة أن تدرك الأحزاب السياسية في تركيا ما تحمله القضية الكردية من أهمية، وأنهم لن ينالوا ما يبتغون طالماً أنهم لم يطورا من سياستهم، ومن أسلوب تعاملهم مع هذه الأزمة بالشكل الكافي.
ورداً على سؤال "لو قررت الحكومة أن تجري استفتاء 16 إبريل عام 2017 من جديد، فأي مرشح ستختار اليوم؟" جاءت نسبة الذين أجابوا بقولهم "صوَّتُ حينها بنعم، أما الآن فسأصوت بلا" بنسبة 3.7 %، في حين بلغت نسبة الذين ردوا على بقولهم "صوَّتُ حينها بلا، أما الآن فسأصوت بنعم" 1.5 %.
وتشير نتائج الاستطلاع، في هذا الاتجاه، إلى عدم وجود تغير ملموس على أرض الواقع، خلال الفترة الحالية في المنطقة. وتلفت الانتباه إلى أن حالة الطوارئ المفروضة، وما يواكبها من ضغوط وتضييق من جانب الحكومة على هذه المناطق، لم تخلق ردود أفعال كبيرة، ويشير كذلك إلى أن الطموح الاقتصادي هو العنصر الأهم لدى المواطن في هذه المنطقة، وليس تدهور وضع الديموقراطية. 
جاء في نتائج الاستطلاع كذلك أن نسبة 17.4 % لم يحسموا أمرهم بعد، وهو ما يمكن تفسيره بأنهم إما لم يشعروا بالثقة تجاه الموظف الذي قام باستطلاع رأيهم، أو لأنهم بالفعل ما زالوا "مترددين". ويمكن القول إن هذه النسبة يمكن أن تلعب دوراً فاعلاً في الانتخابات المقبلة".
ورداً على سؤال "هل ستتوجه للإدلاء بصوتك في انتخابات البرلمان التركي، وانتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها في 24 يونيو المقبل؟" جاءت نسبة المؤيدين للمشاركة في الانتخابات بنسبة 88.2 %؛ لتعلن أن نسب المشاركة في الانتخابات ستكون مرتفعة، وهو ما يعكس تنامي الرغبة لدى المواطن في المشاركة في الانتخابات، مقارنة بنسبة المقاطعين، والمترددين في الماضي.

الانتخابات التركية واستطلاع راويست: لصالح من ستذهب أصوات الأكراد؟

وعندما نقارن نتائج الاستطلاع، الذي أُجري في 1 نوفمبر 2015، وخلال الفترة بين 5-6 مايو 2018، ندرك أن نسبة الذين سيصوتون لحزب الشعوب الديموقراطي، قد تراجعت من 55 % في الأول من نوفمبر إلى 47% في الاستطلاع الحالي.

الانتخابات التركية واستطلاع راويست: لصالح من ستذهب أصوات الأكراد؟

تشير نتائج الاستطلاع إلى احتمال خسارة حزب الشعوب الديموقراطي لعدد من الأصوات لصالح "تحالف الشعب" بنسبة 6 % في الوقت ستستحوذ الأحزاب الأخرى مثل حزب السعادة على نسبة أكبر من الأصوات. 
أما حزب العدالة والتنمية، فلن يخسر بنسبة كبيرة؛ حيث بلغت نسبة الذين أعطوا إجابات سلبية رداً على السؤال "كيف تنظر إلى التحالف القائم بين حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية؟" 22.5 % ممن شملهم الاستطلاع.
وعلى الرغم من أن النتيجة الإجمالية تشير إلى عدم شعور قطاع كبير من المواطنين بالارتياح تجاه هذا التحالف، إلا أننا ندرك، عند مقارنة تحليل هذه الإجابات مع الإجابات الأخرى، أن نسبة عدم الارتياح تلك لم تتزايد بالشكل اللافت، الأمر الذي يستدعي أن يشعر حزب الشعوب الديموقراطي معه بانزعاج أكبر من تحالف الشعب.
وإذا استطاع حزب الشعوب الديموقراطي أن يستغل هذه النقطة بشكل جيد، فقد يصل إلى حل لكثير من مشكلاته.  ورداً على السؤال "هل تريدون أن يتخطى حزب الشعوب الديموقراطي نسبة الأصوات المطلوبة، حتى إذا لم تدلوا بأصواتكم؟" قال 60.9% من الذين شملهم الانتخابات إن حزب الشعوب الديموقراطي يمثل ضمانة كبيرة بالنسبة لهم، وهو ما عكس رغبتهم في بقائه على ساحة السياسة الديموقراطية.
وعند سؤالهم عن "المرشح الذي سيمنحونه أصواتهم خلال الجولة الأولى للانتخابات" أكد 40 % ممن شملهم الاستطلاع أنهم سيصوتون لصالح أردوغان، في حين أيدت نسبة 49.5 % التصويت لصالح دميرطاش، وهي نسبة أراها، في اعتقادي الشخصي، أقل من المتوقع بالنسبة لدميرطاش.

الانتخابات التركية واستطلاع راويست: لصالح من ستذهب أصوات الأكراد؟

اللافت للانتباه هنا هو ارتفاع نسبة التصويت لصالح دميرطاش بشخصه على حساب حزب الشعوب الديموقراطي. ورداً على سؤال "من هو المرشح الأوفر حظاً، الذي يمتلك فرصاً أكبر للفوز في انتخابات الرئاسة إذا صعد للجولة الثانية في مواجهة أردوغان؟" رجَّحت نسبة 38.5% خوض محرم اينجه الجولة الثانية أمام أردوغان على حساب دميرطاش، وهو ما عكس تزايد الثقة في محرم اينجه يوماً بعد يوم، وفي مقدرته على إحراز النصر.

الانتخابات التركية واستطلاع راويست: لصالح من ستذهب أصوات الأكراد؟

 

دخل حزب الشعوب الديموقراطي مرحلة التعافي بعد الأول من نوفمبر. وهو الأمر الذي استشعرته؛ بوصفي أحد المواطنين في هذه المنطقة؛ حيث تزايدت حدة الانتقادات الموجة إلى حزب العدالة والتنمية في الشارع التركي، والميل إلى حزب الشعوب الديموقراطي بشكل أكبر. ومع ذلك، لم تعكس النسب المعلنة في الاستطلاع هذا الاتجاه؛ بسبب الضغوط الاقتصادية من ناحية، وضغوطات حالة الطوارئ من ناحية أخرى. 
من أجل هذا، يتعين على حزب الشعوب الديموقراطي أن يقدم وعوداً اقتصادية حقيقية، ويرسل برسائل طمأنة إلى المنطقة، وإلى الغرب على حدّ سواء. مما لا شك فيه أن وجود دميرطاش على مسرح الأحداث كان سينعكس إيجاباً على نتائج الانتخابات، ومع هذا فوجوده في السجن سيخلق نوعاً من التعاطف مع كل الذين سلبت حقوقهم في تركيا.
يخوض الانتخابات، الأكثر جدلاً في تركيا، حزبان جديدان. قد تزداد شريحة المصوتين لحزب السعادة، ولكنها لن تكون الزيادة المؤثرة في نتائج الانتخابات. أما الحزب الصالح، فقد يفيد من الملف الشخصي لمرشحه في سرقة أصوات من الأحزاب الأخرى.
من أجل هذا، يجب على حزب الشعوب  الديموقراطي أن يركز، بشكل أكبر، على إدارة حملاته الانتخابية بشكل أكثر مهنية. كما ينبغي عليه أن يأخذ في الحسبان أن نتائج الانتخابات قد تقل عن المعدلات الموضحة في أحدث استطلاعات الرأي؛ بسبب الفساد في منطقةٍ تتعرض لضغوطٍ غير مسبوقة لسرقة أصوات الناخبين. ومع ذلك، ينبغي على حزب الشعوب الديمقراطي أن يستغل كافة إمكانيات التأثير لديه، وألا يترك الأمور لمجرد الأماني فحسب. 
تقول معاهد البحوث الأخرى، التي تحدثت إليها بشكل رسمي، إن لديها نسب قريبة من النسب المعلنة في تقرير مؤسسة "راويست" للأبحاث. وتؤكد جميع النتائج أن لدى حزب الشعوب الديموقراطي عملاً شاقاً في المنطقة؛ كي يتمكن من زيادة الكتلة التصويتية لصالحه. 
رأينا في انتخابات سابقة كيف عمل موظفون مدنيون في المنطقة مثل الميليشيات لصالح حزب العدالة والتنمية، ونعلم يقيناً أن هذا الأمر سيتكرر مرة أخرى. كانت حالة الطوارئ، وتحالف الشعب يزعجان الشارع الكردي باتجاه كثافة التصويت لصالح حزب الشعوب الديموقراطي. ومع هذا، سيكتب الفوز للمرشح الذي يقوم ببحث موضوعي، ويعطي تحليلات واقعية. من أجل هذا يمكن للملفات الشخصية للمرشحين، والنشاط الذي سيقوم به الحزب التابع له كل مرشح، أن يُحدث تأثيراً حقيقياً على أرض الواقع، خلال الأربعين يوماً المتبقية على خوض ماراثون الانتخابات في تركيا.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.