الانتخابات المحلية: مرشّحون بلا رؤية ولا خطط مستقبليّة

الانتخابات المحلية في تركيا عندنا شكلية بلا معنى أو مضمون، وليس السبب في ذلك تعيين السلطات التركية أوصياء على البلديات المنتخبة. ولعل ما يزيد من فظاعة الأمر، ووباله، ما قاله كل من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ووزير داخليته، سليمان صويلو بشأن رؤساء البلديات الأكراد الذين سيتم انتخابهم خلال الانتخابات المحلية المقبلة، إذ قالا في هذا الصدد "إذا ثبت ضلوعهم (رؤساء البلديات) في أية أعمال إرهابية، سنقوم على الفور بعزلهم، وتعيين أوصياء مكانهم".
 بالفعل هذا حدث، لكن هذه ليست المشكلة الأساسية.
الانتخابات المحلية ليس لها في تركيا أي منطق عالمي اقتصاديًا كان أو ماليًا، لذلك تعتبر هذه الانتخابات شكلية لأقصى درجة وبلا معنى أو مضمون. ومن ثم سأحاول هنا في هذا المقال تسليط الضوء على هذا الموضوع الذي يهمني للغاية.
لا شك أن الانتخابات وفق الأدبيات السياسية، تعني أن الناخب يطب من الإدارة الحاكمة خدمة ما بمقدار وشكل معينين، ويقوم بدفع الضرائب التي تتناسب مع ذلك الطلب. وأنا الذي أقصده بكلمة انتخابات هنا، ليس الانتخابات المحلية فحسب، لأن هذا هو منطق الانتخابات بشكل عام محلية كانت أو عامة، والجميع متفقون على ذلك.
والآن دعوني أبسط القضية أكثر، وأقدمها لكم بأسلوب سهل: بشكل نظري نحن في الانتخابات العامة نصوت لسلال الخدمات العامة التي يقترحها حزبا العدالة والتنمية أو الشعب الجمهوري، أي لا نصوت لشخص أردوغان، أو زعيم المعارضة التركية، كمال كليجدار أوغلو. ونقر في ذات الوقت على جملة من الأوراق الرسمية بالعبء الضريبي الذي تقتضية سلال الخدمات التي ذكرتها.
وهذا الإطار النظري يعمل بشكل أكثر وضوحًا في الولايات المتحدة الأميركية. فالرئيس، دونالد ترامب، حينما ترشح للرئاسة، قال بإنه سيلغي نظام الرعاية الصحية العام الذي أتى به سلفه باراك أوباما، وذكر كذلك أنه سيقدم قليلًا من الخدمات العامة، لكنه على الجانب الآخر تعهد بعمل تخفيضات كبيرة في معدلات الضرائب المفروضة على المواطنين. فهذا من وجهة نظري منطق انتخابي ثابت ومتزن في حد ذاته.
وعلى الجانب الآخر لم تقل هيلاري كلينتون، المنافسة الديمقراطية لترامب في تلك الانتخابات، إنها تعتزم القيام بعمل أية تخفيضات في الخدمات العامة. وبالتوازي مع ذلك لم تقل أيضًا إنها ستقوم بأية نخفيضات ضريبية قبل الانتخابات. وهذا أيضًا موقف وطريقة متزنة لمرشحة تخوض انتخابات رئاسية لأكبر دولة بالعالم.
ورغم عدم وجود سبب نظري لتفعيل هذا النظام بالانتخابات العامة في تركيا، غير أنه لا يوجد في عاداتنا وتقاليدنا السياسية أي كلام بخصوص تقليل الخدمات العامة. فالجميع على اختلاف إيديولوجياتهم ينتظرون الخدمة من الدولة، ولا يختلف في ذلك العلماني عن اليميني، أو اليساري عن الإسلامي، والليبرالي، والديمقراطي الاجتماعي.
في المقابل نفس هؤلاء الأشخاص لا يرغبون في دفع الضرائب، كما أن الدولة لا يمكنها كسر هذه الحلقة المفرغة، ولا يمكنها أخذ الضرائب، لا سيما ضريبة الدخل. ونتج عن ذلك أن أكثر من ثلثي عائدات الضرائب، تأتي من ضرائب غير مباشرة تندرج تحت مسميات مختلفة مثل "ضريبة الاستهلاك الخاص"، و"ضريبة القيمة المضافة".
لكن المؤسسة المنتخبة التي تتمتع بسلطة التمثيل، ليس بالضرورة أن تكون مجلسًا مركزيًا قوميًا ، فهناك مؤسسات أخرى تنتخب محليًا، وتكون لها سلطة تمثيل أيضًا، وبإمكانها أن تفرض ضرائب محلية داخل نطاق سلطاتها.
والأنظمة التي تتمتع بسلطة إصدار الضرائب المحلية فيها مؤسسات محلية منتخبة، ليس من الضروري أن تكون أنظمة فيدرالية. إذ بإمكان المجالس المحلية في دولة مركزية للغاية كفرنسا – وهناك بالطبع جهود كبيرة لتعميم اللامركزية -، أن تصدر الضرائب المحلية. ولا يمكن لأحد إزاء ذلك أن يتحدث عن مصطلحات ومفاهيم مثل التقسيم، والفيدرالية.
أما في تركيا، فالمادة السابعة من دستور البلاد، جعلت من احتكار البرلمان التركية لسلطة التشريع، مبدءًا دستوريًا. والمادة الـ73 كما قلنا ربطت مشروعية الضرائب بقرار ما. إلا أنه بمنْحِكم البرلمان احتكار سلطة إصدار الضرائب من المادة السابعة، لا يتبقى للكيانات المنتخبة محليًا سلطة من هذا القبيل حتى ولو كانت مقيدة بالضرائب المحلية فقط.
حسنًا، إذا فكرنا في المادتين المذكورتين معًا، كيف سيكون تأثير هذا الوضع على المشروعية الديمقراطية للانتخابات المحلية ؟
في أدبيات الديمقراطيات، من غير الممكن أن نطلق اسم الديمقراطية على المناخ السياسي الذي يعيش فيه مرشحون لا يمكنهم تقديم أية مقترحات للناخبين بشأن الإنفاق أو الضرائب. فإمكانية تقديم أية مقترحات بهذا الشأن، تؤثر حتمًا على الانتخابات المحلية إلى حد ما. كما لا يزال المهم هو تحديد أي مرشح حزبي سيكون رئيسًا للبلدية، وهذا النوع من الأهمية ليست له أية علاقة بمفهوم الديمقراطية المحلية.
والديمقراطية المحلية، تعني أن المرشح سيكون قادراً على اقتراح سلة خدمة عامة أي مقدار من الخدمات المحلية للناخبين في الوحدة الإدارية المحلية، على أن تكون لديه إمكانية توفير تمويل خاص له من خلال فرض بعض الضرائب دون الحاجة إلى العطية السلطانية التي تأتيه من الحكومة المركزية.
ويمكننا طرح المثال التالي لتوضيح المسألة بشكل أكبر: على كل يساري، أو اشتراكي أو ديمقراطي اجتماعي مرشح لرئاسة بلدية ما في وحدة إدارية ما، أن يقدم لناخبيه مقترحات ووعود بتقديم خدمات عامة تشمل جوانب كثيرة من حياة المواطنين، كإنشاء مزيد من الحضانات للعائلات، لا سيما بالنسبة للأمهات العاملات، وتوفير مواصلات عامة بأسعار مخفضة، وكذلك العمل على إنشاء مكتبات عامة لكل حي من الأحياء. على أن يكون لكل مرشح أيضًا سلطة فرض ضرائب محلية تمكنه من توفير التمويل اللازم لتحقيق كل هذه الوعود.
أما مرشح البلدية اليميني في نفس الوحدة الإدارية فمن المحتمل أنه سيقترح خدمات عامة أقل، مع ضرائب محلية أقل أيضًا. وبالتالي فإن الناخب بدوره سيقوم بتقييم هذه الوعود والمقترحات ويختار بين هذا أو ذاك بالشكل الذي يعود بالنفع عليه.
وبالتالي إذا كانت لا توجد إمكانية لدى المرشحين لتقديم هذه المقترحات، لا سيما تلك المتعلقة بإقرار أعباء ضريبية مختلفة، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نطلق على هذا المناخ السياسي ديمقراطية محلية. وهذا هو الحاصل في تركيا التي تفتقر إلى هذه الأجواء الديمقراطية. فالمرشحون في البلاد مضطرون للعمل في حدود الميزانية المخصصة لهم من الإدارة المركزية.
والمثير في كل هذا أن الأحزاب السياسية في تركيا لا تنتقد بأي حال من الأحوال هذا الإطار الدستوري الذي يحيط بالعملية السياسية ويؤثر عليها بهذا الشكل الذي طرحناه. ومن ثم يتعين على تلك الأحزاب العمل بشكل فعّال لكسر الصورة النمطية التي لا تقدم أي جديد على الساحة السياسية، ولا تعود بالنفع على العملية الديمقراطية.
لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/yerel-secimler/bizde-yerel-secimler-gostermeliktir-0
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.