الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني سيزيد التوتر مع تركيا

من المؤكد أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثامن من مايو انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، والمعروفة أيضا بالاتفاق النووي الإيراني، سيزيد التوترات بين الولايات المتحدة وتركيا. ويتعين على الجانبين اتخاذ خطوات من أجل ضمان الإدارة السلسة لإعادة فرض العقوبات، بحيث لا يقود ذلك إلى ارتباك كامل في العلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.

وقال ترامب إن عقوبات اقتصادية قاسية ستُفرض على إيران، في مسعى على ما يبدو لإرغام الحكومة الإيرانية على إبرام اتفاق جديد يعالج قضيتي رعاية طهران للإرهاب وتطوير الصواريخ الباليستية. وأعلن ترامب مرارا أن عدم تناول خطة العمل الشاملة المشتركة لهاتين القضيتين جعلها صفقة سيئة تضر بمصالح الأمن القومي الأميركي.

وعلق ترامب على ذلك قائلا "خلال لحظات قليلة، سأوقع مذكرة رئاسية للبدء في إعادة فرض عقوبات نووية أميركية على النظام الإيراني. سنفرض عقوبات اقتصادية على أعلى مستوى. أي دولة تساعد إيران في سعيها إلى امتلاك أسلحة نووية ستخضع لعقوبات قوية من الولايات المتحدة".

وهذه الجملة الأخيرة بالغة الأهمية في مناقشة أثر قرار ترامب على العلاقات الأميركية التركية، والذي سيكون من شأنه على الأرجح مفاقمة التوتر الحالي في العلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي بدلا من تحسين تلك العلاقات.

خلفية ذات صلة بالموضوع: 

في يناير من العام الجاري، أدين محمد حقان عطا الله بالتآمر والاحتيال فيما يتعلق بمخطط للتحايل على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران. واستند الحكم بإدانة نائب المدير العام السابق لبنك خلق بشكل كبير إلى شهادة تاجر الذهب التركي ذي الأصول الإيرانية رضا ضراب.

وتظهر هذه القضية، التي بدأت قبل دخول خطة العمل الشاملة المشتركة حيز التنفيذ، الذراع الطويلة للادعاء الأميركي في جهوده لإنفاذ قانون العقوبات المعمول به في الولايات المتحدة. (ومن الجدير بالذكر أن عطا الله وضراب اعتقلا خلال زيارتين للولايات المتحدة ولم تسلمهما أي دولة أخرى). وبينما لا يجب أن يُنظر إلى قضية عطا الله على أنها تنبئ بالتطور الذي سيحدث حالما تفرض الولايات المتحدة "عقوبات اقتصادية على أعلى مستوى"، فإن هذه القضية تبين أن مَن يخالفون العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران يضعون أنفسهم تحت طائلة القانون. كما أنها ستقتضي ممن يأملون في استخدام النظام المالي الأميركي، أو في القيام بأنشطة تجارية في السلع والخدمات الأميركية، أن يتأكدوا من الامتثال الدقيق لأنظمة العقوبات الأميركية. 

وبالنظر إلى حاجة معظم الشركات التي لديها أنشطة دولية لأن تكون لديها القدرة على الولوج عبر النظام المالي الأميركي، قد يكون لهذا الامتثال الدقيق أثر يحد من التعامل التجاري مع إيران أو الاستثمار فيها، حتى إذا كان الأثر المباشر على إيران غير كبير بالقدر الذي يفترضه الكثيرون.

ويوجه الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب وزيري الخارجية والخزانة بإعادة فرض العقوبات التي رفعت بسرعة خلال 180 يوما تحت أي ظروف. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إن العقوبات ستدخل حيز التنفيذ على الفور خلال 90 إلى 180 يوما. والعقوبات القائمة التي رُفعت بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة في يوليو 2015 كانت واسعة جدا وشملت فقط إعفاءات واستثناءات في إطار استراتيجية للحفاظ على دعم الحلفاء والدول الصديقة التي انخرطت في تعاملات تجارية حيوية مع إيران – وخاصة من أجل النفط والغاز الطبيعي – للجهود الأميركية الرامية إلى إبرام اتفاق نووي مع إيران. وكانت تركيا واليابان من بين الدول البارزة ضمن تلك الدول.

وقد لا تكون إدارة ترامب راغبة في منح استثناءات وإعفاءات بالقدر الذي كانت تقبله إدارة أوباما. بل إن وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي بولتون قد ينصحان ترامب بضرورة إرغام الحلفاء، والدول الصديقة، على الاختيار بين التجارة مع الولايات المتحدة والتجارة مع إيران، على أمل خنق الاقتصاد الإيراني تماما، بهدف إثارة ضغوط شعبية على الحكومة الإيرانية لكي تتفاوض من جديد على اتفاق نووي.

وبالنظر إلى ما أعلنته الدول الثلاث الكبرى في أوروبا (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) بالإضافة إلى روسيا والصين من استمرار دعمهم لخطة العمل الشاملة المشتركة، فإن من المتوقع أن يكون هناك القليل من الحماس للالتزام بالعقوبات الأميركية القادمة على طهران من الدول التي لديها علاقات تجارية واسعة مع إيران، أو تلك التي تعتمد عليها في توفير إمدادات من السلع الأساسية مثل النفط والغاز الطبيعي.

لكن لسوء الحظ هناك صعوبة بالغة في التكهن بما سيفعله ترامب فيما يتعلق بتركيا. وعدم القدرة على التوقع هذه، إلى جانب ميل ترامب لانتقاد من يراهم غير مؤيدين أو من لا يوافقونه الرأي، تدعو القادة الأتراك إلى التعاطي مع إعادة فرض عقوبات بشكل محسوب بعناية ومن خلال مباحثات في الكواليس.

ماذا بعد؟

من الصعب تصور سيناريو لا يزيد فيه قرار ترامب التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا.

وتستورد تركيا الغاز الطبيعي والبترول من إيران، ولا يمكنها التحول بسرعة إلى مورد آخر، على الرغم من أنه قد يكون هناك من يفترض أن روسيا ستكون راغبة في بيع الغاز والبترول لتركيا إذا قررت أنقرة أن من مصلحتها الانصياع للعقوبات الأميركية. لكن هناك روابط تجارية أخرى بين إيران وتركيا. كما أن التفسير الفضفاض لجملة "تساعد إيران في سعيها إلى امتلاك أسلحة نووية" قد يقود إلى تصنيف أي تعاملات تجارية بين تركيا وإيران على أنها انتهاك للعقوبات الاقتصادية الأميركية الواسعة التي ستفرض من جديد.

وقد تأمل تركيا في الحصول على إعفاءات أو استثناءات، لكن ترامب أظهر كيف أنه ينتظر أن يرى من حلفائه الولاء والتأييد، على الرغم من أنه يقر أحيانا بضرورة أن يرعى الزعماء الوطنيون مصالح بلادهم القومية، كما فعل خلال زيارة ماكرون.

يثير هذا احتمال أنه إذا تمكنت تركيا من إقناع ترامب بأنها ستدعم جهوده بأفضل ما لديها، وأنها تحتاج في سبيلها إلى ذلك مساحة صغيرة للمناورة بحيث لا يتضرر اقتصادها، قد يتم ترتيب تنازلات وإعفاءات. لكن على الرغم من هذا، فإن التعشم في أن ترامب الذي لا يمكن التنبؤ بأفعاله سيخفف العقوبات كبادرة حسن نية لزعيم من الزعماء لا يمكن أن يكون الاستراتيجية الوحيدة التي تلعب عليها تركيا. فيجب أن تبحث أنقرة تحركا مشتركا مع الدول الأوروبية الثلاث الكبرى وغيرها، لكي تتجنب أضرار العقوبات من دون أن تخاطر بأن تدفع ترامب إلى أن يكن لها نوايا سيئة – وهي ليست بالمهمة السهلة – وفي الوقت ذاته تتجنب الظهور بمظهر من يفضل روسيا أو الصين في الجدل الدائر بشأن العقوبات.

وما زال الكثيرون من مستشاري ترامب وأعضاء الكونغرس مرتابين بشدة من العلاقات المريحة التي تجمع بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأي إشارة على أن الاثنين يعملان سويا ضد استراتيجية ترامب للتعامل مع إيران لن تكون محل ترحيب في البيت الأبيض ولا في الكونغرس. 

والجانب الأكثر تعقيدا في التعامل مع تداعيات العقوبات هو أن أردوغان ومعه الكثيرين من الأتراك سيعتبرون فرض عقوبات أميركية بمثابة الإهانة لكرامة تركيا كدولة ذات سيادة ومحاولة من جانب الولايات المتحدة لفرض قوانينها على السلوك التركي فيما يتعلق بسياسة أنقرة التجارية وعلاقاتها الخارجية، وسيستندون إلى قضية عطا الله كدليل على هذا، وهو تقييم للوضع يتبناه أيضا الكثير من الدول الأخرى وزعمائها.

لكن هل يمكن التقليل من حدة التوتر المتنامي الذي لا مفر منه على ما يبدو؟ هذا فقط إذا قرر البلدان عدم استخدام الخلافات التي ستنشأ قريبا بشأن العقوبات في أي خطاب موجه للرأي العام أو لأغراض الحملات.

يجب أن تُجري الولايات المتحدة وتركيا مباحثات بشأن تطبيق العقوبات بعيدا عن عدسات الكاميرات. لكن في ظل موسم الانتخابات في تركيا، قد يبدو هذا صعبا؛ فإثارة النعرات ضد القواعد والقوانين الأجنبية استراتيجية مثمرة جدا مع جمهور الناخبين في تركيا.

وعلى الجانب الأميركي، تجب تنحية التصريحات الاستفزازية حول اختيار الأصدقاء والحلفاء بين الولايات المتحدة وإيران جانبا، بحيث تكون هناك ترتيبات معقولة لجعل العلاقات السياسية والتجارية التركية مع إيران تصب في المصلحة المشتركة للبلدين، والمتمثلة في منع طهران من تطوير أسلحة نووية.

وإذا اختارت الولايات المتحدة أن تصور تركيا على أنها تعمل ضد المصالح الأميركية بدلا من أن تكون داعما بقدر المستطاع، أو إذا رسم القادة الأتراك صورة لتحركات الولايات المتحدة على أنها استعمار عدائي جديد لحشد تأييد الناخبين، فقد تتشابك العلاقات المتوترة مع عواقب وخيمة على البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: