علي عبادي
سبتمبر 10 2018

الانقسام في المجتمع التركي يتسبّب بضياع مبادئ النبلاء

يتمسك الناس بما يعتنقون من أفكار في كثير من المواضيع ويبذلون جهدا كبيرا للدفاع عنها.

فالنقاشات حول الدين والسياسة يمكن في بعض الأحيان أن تحتدم بصورة تتجاوز بكثير ما قد يحدث في الحوارات التي تتناول مواضيع ذات صلة بالرياضة أو البيئة.

حين تبدأ نقاشا مع شخص يملك وجهة نظر مختلفة، اعتدنا على وجود خطوط لا يمكن لك تخطيها، شيء أشبه بمبادئ النبلاء غير المكتوبة التي يتمسك بها الجميع.

لكنك اليوم لو سعيت للدفاع عن وجهة نظر سياسية مختلفة، فستقابل على الفور باتهامات وستجد على الجانب الآخر من يصمك بأنك "عدو."

أصبح وصم المختلفين في الآراء بأنهم من الأعداء أمرا شائعا هذه الأيام.

تناولت سلسلة الكتب الفكاهية "كابتن أميركا" التي أصدرها مارفل عن الحرب الأهلية عام 2006. تحولت هذه السلسلة إلى فيلم عام 2016.

تعرض رواية "الحرب الأهلية" في هذا الفيلم لوجود أبطال من الطرفين، ومهما كان عِظم المعارك، ظل المجال مفتوحا دائما للسلوكيات النبيلة.

الحرب الأهلية

سيتذكر المشاهدون كيف اندلعت الحرب الأهلية بين كابتن أميركا والرجل الحديدي. وسيتذكرون أيضا كيف اختار جميعُ الأبطال الخارقين طرفا وللعديد من الأسباب.

يكاد الفيلم يتطابق بطريقة أو بأخرى مع الكتاب الفكاهي، لكن في الفيلم، ترغب السلطات في أن يعمل الأبطال الخارقون لصالح الأمم المتحدة؛ بينما في الكتاب الفكاهي، كانت الولايات المتحدة هي من تدفع رواتبهم حين يصدر قانون جديد يتطلب أن يقوم الأبطال الخارقون بالتسجيل لدى الحكومة وأن يتحملوا نتائج أفعالهم.

ولهذا بالطبع، كان عليهم الكشف عن هوياتهم السرية للسلطات.

يتسبب هذا القانون في شق صف الأبطال الخارقين إلى فريقين. الرجل الحديدي والسيد الرائع من فريق "الأربعة الرائعين" شكلوا فريقا مؤيدا للقانون، في مواجهة كابتن أميركا ومجموعته الذين عارضوا القانون بشكل كلي.

وسريعا ما احتدمت النقاشات بين المجموعتين لتتصاعد وتتحول إلى حرب.

حتى الأشرار الذين حارب الأبطال الخارقون ضدهم لسنوات انضموا إلى الحكومة الأميركية في مطاردتها للأبطال الذين يعارضون القانون.

حرب

في الفيلم الموقف مختلف بعض الشيء. تحمل تفاصيل القصة هنا القانون الجديد أيضا، لكن فريق الخارقين الذي يعمل مع كابتن أميركا المنتمي للأمم المتحدة هو من يبدأ النقاش لأن أعضاءه يظنون أن القانون سينزع عنهم حرياتهم، أو سيجبرهم على القيام بأعمال لا يرغبون في القيام بها.

يخشى كابتن أميركا أيضا أن يتم استبعاده من بعض العمليات أو أن تقيد يداه في بعض المواقف بسبب قلة السلطات المسموح بها له.

في المقابل يقف الرجل الحديدي موقف المؤيد للقانون لأنه يؤمن بضرورة فرض قواعد على الخارقين لكي يتمكنوا من مواصلة عملهم والقضاء على المشاكل التي تواجههم.

كنتيجة لهذا، يكافح كل طرف من أجل الدفاع عن آرائه ومعتقداته وقيمه، وعند نقطة معينة، يصبح الثأر قضية مهمة أيضا.

كل بطل من البطلين الخارقين يقاتل دفاعا عن قناعاته، لذا فإن الأبطال الآخرين الذين يختارون تأييد إما كابتن أميركا أو الرجل الحديدي يملكون حججا لتبرير أفعالهم.

لكن كلا الطرفين في نهاية الفيلم، ورغم الحرب الهائلة التي دارت بينهما، يدركان أن عليهما العمل معا مرة أخرى يوما ما. يعني هذا ببساطة أنهم لم ينسوا كيف يكون التعامل النبيل.

تركي

حين نتطلع إلى الوضع في تركيا وفي بلدان أخرى اليوم، يمكننا أن نرى كيف نواجه موقفا مختلفا بعض الشئ.

فالجماعات من أصحاب الآراء المختلفة تتبادل الاتهامات بالخيانة والعداوة، ويصل الأمر لدرجة نسيان أو تناسي طرف ما لمبادئه.

يبدو الأمر وكأن طرفا ما قد تغافل عن مبادئ السلوك النبيل.

في الواقع، لم يدم دفاع بعض الأشخاص - على قلتهم - عن حرية الصحافة لوقت طويل إذ بدأ إغلاق وسائل الإعلام التي كانت متفقة، من الناحية العقائدية، مع الأكراد أو مع حركة فتح الله غولن (التي تتهمها السلطات بتدبير محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016). وبعد ذلك، بدأت التحركات لإغلاق وسائل الإعلام، اليمينية منها واليسارية.

وسرعان ما اتسعت هذه المساعي لتشمل أعضاء المجالس البلدية المنتمين لتيارات معارضة ثم أطيح ببعض نواب البرلمان من مقاعدهم، وجرى اعتقالهم.

حزب الشعوب الديمقراطي

وأخيرا، هناك الصحفي والكاتب المعتقل أحمد ألتان، الذي كتب مقالا من داخل زنزانته ونشر في صحيفة جمهورييت، لتفتح بعدها أبواب جهنم على وسائل التواصل الاجتماعي.

فبينما أخذ بعض الأشخاص ممن يقولون إنهم يريدون حرية الصحافة في استهداف المقرات الصحفية، قال آخرون إن نشر مقال ألتان يمثل خيانة للقيم الصحفية.

ومرة أخرى، نحن في موقف أصبحت فيه المبادئ والسلوك النبيل عرضة للنسيان.

بالإضافة إلى هذا، فإن نفس الانتقادات يمكن أن توجه إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي قال "أنا الادعاء" حين حوكم البعض من الجيش في سلسلة من المحاكمات الوهمية. حينها، لم يوجه إليه انتقادات إلا القليل من الناس.

وبسبب الخوف من الوقوع في مشاكل، يفضل من يشعرون بعدم رضا عن حزب العدالة والتنمية الحاكم أو ممن لديهم أي شكاوى تصويب سهام غضبهم تجاه جهات أخرى معينة. فلا أحد يملك الشجاعة الكافية ولو لتوجيه انتقاد أو التعبير عن غضبه من الرئيس.

أما القضية الكردية، فباتت تمثل اختبارا خفيا لكثير من الناس ممن يدعون الإيمان بالديمقراطية. فهذه القضية، كقضية الأرمن، تمثل خطا أحمر.

رأينا مرة أخرى ما تعتقده الدولة بشأن الأكراد حين تدخلت الشرطة في مطلع الأسبوع الماضي لفض مظاهرة "رابطة أمهات السبت"، وهو احتجاج أسبوعي لأمهات كرديات من أجل الضغط للبحث عن أشخاص فقدوا في ثمانينيات القرن العشرين.

لا يهم أي رواية تلك التي يقرؤها أحدهم، أو ما هو الفيلم الذي يستمتع بمشاهدته، ولا يهم الشخص الذي يتطلع البطل إليه بحثا عن إلهام، بل المهم هنا هو أن من يعتقد في خطأ الملك، أو لنقل الرئيس، هو أكثر من يواجه خطر الظلم بسبب قدرته على الوقوف في مواجهة أعلى مراتب السلطة.

الحقيقة في الولايات المتحدة اليوم هو الانقسام الذي يعيشه المجتمع، تماما مثلما هو الحال في تركيا.

ويعتقد كثيرون أن من يعتنقون أفكارا مختلفة هم "أعداء". غير أن الاختلاف الأساسي هنا هو أن المعارضين للرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياساته يمكنهم الحديث جهرا، فهم يعلمون أنهم لن يتعرضوا لأي مشاكل جراء هذا النوع من الانتقادات.

اختلاف آخر هناك يتمثل ببساطة في أن الجميع قادرون على العمل سويا، مهما كان الاختلاف على أساس الانتماء الحزبي، سواء للديمقراطيين أو الجمهوريين.

فحين يحقق أمر ما المصالح العليا للبلاد، يهرع الجميع للعمل معا في لحظة ما إذا اقتضى الأمر ذلك، مهما كانت الاختلافات العقائدية بينهم.

غير أن تركيا اليوم قد بلغت حالة من الانقسام لا يجد فيها البعض مشكلة في القتال حتى الموت دفاعا عن معتقداتهم، ولو كان المختلفون معهم أقرب أصدقائهم.

يبدو وكأن تركيا تواجه تهديدا أكبر، فالشعب سيجد صعوبة في الاتحاد والعمل كيد واحدة.

لو عاش صديقان قديمان مثل كابتن أميركا والرجل الحديدي في تركيا، فسينحيان قواعد السلوك النبيل ولن يتردد أي منهما في قتل الآخر، والحجة جاهزة، البطولة والوطنية تتطلبان هذا في بعض المواقف.

وفي هذه الحالة، فإن أولئك الذين لا يزالون يدركون أهمية مبادئ السلوك النبيل ويرغبون في نقلها إلى الأجيال التالية يواصلون كتابة قصص عن أبطالهم الخارقين.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/forgetting-principles-and-gentlemen
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.