ديسمبر 24 2017

البراغماتية التركية وأزمة الإسلام السياسي

تواجه السياسة الخارجة التركية منعطفات هي اقرب الى التناقضات القاسية.
فالمحيط الإقليمي تريد تركيا اردوغان ان تفصّله على مقاسها وبحسب مصالحها وذلك غير متاح واقعيا.
هنا تبرز ارادات الدول والمصالح الإقليمية ، فعلى الأرض التركية وليس بعيدا هن حدود الدولة التركية تتواجد اقوى دولتين تتنافسان على مناطق النفوذ وهما اميركا وروسيا، ربما كانت البراغماتية الاردوغانية قد اوحت له ان الحل هو في مناورة الطرفين.
ليس بعيد عن ذلك تواجد قوات الناتو وقواعده على الأرض التركية وهو أمر آخر كان موضع شد وجذب بين الطرفين.
يذكر الباحث محمد أبو رمان أن نموذج أردوغان اليوم ليس هو نفسه الذي كان عضواً في حزب الرفاه، وسُجن من أجل قصيدة، أو رئيس بلدية اسطنبول، أو حتى القيادي الذي أسس حزب العدالة والتنمية،  لكنّ ذلك لا ينفي أنّه حوّل مشروع "العدالة والتنمية" إلى تجربة شخصية، ربما تموت أو تذوي بعد غيابه عن المشهد، بدلاً من أن يعمل على مأسستها وضمان استمرارها وبقائها. وبدلاً من بناء الرموز وقيادات الصف الثاني، نجده يكسّر كل من يختلف معه بلا هوادة.

على هذه الأرضية أسس اردوغان تلك البراغماتية على خلفية تمدد الإسلام السياسي عندما وضع أردوغان يده على الحزب الحاكم والحكومة والبرلمان وبعض المناصب الحساسة في القضاء وعلى ثلاثة أرباع الإعلام المحلي على الأقل.
في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي ونشره موقع ساسة بوست تحدث فيه عن مصطلح العقل المدبر كناية عن العقل البراغماتي السياسي طرح أردوغان هذا المصطلح في جلسة نقاش عام عندما اقترح أنه هناك "عقلًا مدبرًا" أو بمعنى أدق" يدًا عليا" تتحكم بالتطورات السياسية في الشرق الأوسط، وهذه القوة التي تتدخل بغير وجه حق إنما تتآمر ضد الأبرياء من شعوب المنطقة وخاصة ضد مخلصهم المنتظر تركيا الجديدة.

مقولة العقل المدبّر تجد لها صدى في اكثر الاوساط شعبية في المجتمع التركي من قواعد حزب اردوغان
مقولة العقل المدبّر تجد لها صدى في اكثر الاوساط شعبية في المجتمع التركي من قواعد حزب اردوغان

وسرعان ما تفاعل أنصار أردوغان وبشكل موسع مع هذا الموضوع موضحين أن هذا العقل المدبر هو الولايات المتحدة وبريطانيا وهم الذين ينفذون مخططاتهم التآمرية اللامتناهية.
لكن الحل او الدواء هو فرش أرضية مديدة من الطموح السياسي والشخصي المتشعب ممثلا في صيغة الإسلام السياسي او اسلمة المجتمع، واقعيا أن الأسلمة ليست واجهة للأردوغانية لكنها إحدى مكوناتها الرئيسية.
 ومع ذلك فهي أسلمة تتكيف مع الواقع التركي. ومنذ مجيئه الى السلطة، لم يدافع حزب العدالة مطلقًا عن إدخال الشريعة أو القانون الإسلامي إلى النظام القانوني التركي وقام فقط بإعادة تفسير العلمانية التركية المفوضة دستوريًا، بطريقة إسلامية أكثر ودًا.
ولكن أردوغان استخدم الرموز والمواضيع الدينية في حملاته بغزارة، إذ لم يتوانى عن تقديم نفسه كـ "أمل الأمة" والعالم الإسلامي.
 لقد وظف أردوغان قضية من شأنها شق الصف التركي، أسماها "نحن في مواجهتهم" حيث تشير (نحن) إلى المسلمين الطيبين الأتقياء، بينما تشير هم إلى الغرب الإمبريالي الذي يتوق لرؤية جثث أطفال المسلمين، وإلى العلمانيين الأتراك الذين يصورهم أحيانًا على أنهم شاربو الخمور الذين يروجون للتنانير القصيرة أو حتى الذين تغذوا على الدماء.

اسلمة المجتمع التركي على الطريقة الاخوانية هي البديل الاردوغاني في الحكم لدفن ارث العلمانية التركية
اسلمة المجتمع التركي على الطريقة الاخوانية هي البديل الاردوغاني في الحكم لدفن ارث العلمانية التركية

ويأمل أردوغان أسلمة الأمة تدريجيًا وذلك عن طريق ضح المزيد من الدين في التعليم العام وتقليل استهلاك الكحول عبر فرض الضرائب الكبيرة وحظر إعلانات المشروبات الكحولية فضلًا عن دعمه الشديد للمنظمات الإسلامية. وبغض النظر عن فيما لو أدت هذه الجهود إلى أمة أكثر ورعًا، أم إلى ردة فعل عنيفة من قبل العلمانيين، إلا أنه تم الإبقاء عليها، إذ أنها ساعدت في بناء أمة أكثر انقسامًا حيث يقف جميع المحافظين المتدينين متوحدين خلف انتصار أردوغان، بينما يشعر معظم العلمانيين الأتراك بالقلق حيال مستقبلهم.
يدرك اردوغان الازمة الخانقة لما يعرف تيار الإسلام السياسي ولهذا ففي الوقت الذي تتغنى فروع التنظيم العالمي للاخوان المسلمين في العديد من الدول العربية والإسلامية بالدولة الإسلامية التي تدار بعقلية اخوانية يدرك اردوغان صعوبة تمرير تلك الوصفة على المجتمع التركي.
ولهذا فالتناقضات الانتهازية والبراغماتية الاردوغانية صارت تفرض نفسها بقوة عندما يقدم اردوغان نفسه زعيما اسلامويا يحتفي بالحركة الاخوانية حيثما كانت ويناصر القضايا الإسلامية لكنه في نفس الوقت يطرح نفسه علمانيا.

اطروحات الاسلام السياسي تجد لها اتباعا يعتاشون على شعارات لا اساس لها على ارض الواقع
اطروحات الاسلام السياسي تجد لها اتباعا يعتاشون على شعارات لا اساس لها على ارض الواقع

اردوغان يروج لذلك في شتى المناسبات ومنها مثلا قوله في تجمع لانصاره" إن تركيا ظلت دولة ديمقراطية اجتماعية وعلمانية، على الرغم من كل الصعاب التي تعرضت لها في الماضي ولذلك أنا أقول إن تركيا لن تتراجع عن العلمانية ".
ولغرض ان يقنع اتباع تيارات الإسلام السياسي انفسهم بصوابية النهج الاردوغاني الذي يدافع عن العلمانية فأنهم يسوّغون لذلك بشتى الذرائع ففي مقال نشره موقع هافبوست عربي جاء فيه" أن مفكرين إسلاميون يرون أن المفهوم الجديد للعلمانية الذي أتى به حزب العدالة والتنمية ومؤسسه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا يتعارض مع أصول الدين، بل يحميه من أن يكون أداة سياسية لخدمة السلطة كما كان في مراحل من التاريخ الإسلامي. واعتبروا أن هذا المفهوم نجح في تحرير الدين من الدولة بخلاف ما فعلته العلمانية الغربية، بما يكفل حرية الاعتقاد والتعايش على أسس سليمة".
ولفت أردوغان إلى أن المفهوم الجديد للعلمانية يعني" معيشة كل المجموعات الدينية والفكرية بالطريقة التي يريدونها، والتعبير عن أفكارهم كما يؤمنون بها، وقيام الدولة بتأمين كل المعتقدات".
البراغماتية التركية الجديدة التي تنتعش مع تصاعد الازمات التي تعصف بالعالم الإسلامي قدمت في كل مرة اردوغان زعيما ثيوقراطيا تصفق له الجماهير لكنه اذا اقتضت الضرورات ينقلب على ما كان يؤديه من دور فيعود علمانيا وهذا هو التنقل صعودا وهبوطا بحسب الضرورات والظروف.

المتأثرون بالدعوة الاردوغانية لا يجدون تناقضا بين ادعائه العلمانية وبين اخوانيّته
المتأثرون بالدعوة الاردوغانية لا يجدون تناقضا بين ادعائه العلمانية وبين اخوانيّته