البراغماتية المفرطة.. تركيا وقمة المؤتمر الإسلامي

تقوم الاستراتيجية التركية حيال مختلف القضايا الإقليمية على تكتيك رئيسى يستند إلى "اقتراب الفرصة"، مستهدفا تحويل كل عبء إلى عنصر إضافى يعزز حضور أنقرة ونفوذها الإقليمى، عبر أدوات من بينها المرونة السياسية، والتصريحات الحماسية، والتحرك الدبلوماسي لإطلاق المبادرات وملء الفراغات، والمزايدة في أحيان عديدة على مواقف الدول المجاورة حيال القضايا الإقليمية والدولية، سيما القضايا ذات الأبعاد الدينية.

بدا ذلك جليا خلال مؤتمر القمة الإسلامية الذى استضافته أنقرة فى 13 ديسمبر الجاري، والذى جاء كرد فعل سريع على قرار الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بشأن إعلان القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ونيته نقل سفارة بلاده إلى القدس الشريف.

القرار الأمريكي غير المسبوق رغم شدّة وقعه واستفزازه بالنسبة للدول العربية والإسلامية، فإن تركيا سعت عبر أدوات ومبادرات عديدة لاستغلاله، لكى تؤكد حضورها الإقليمي، وتعيد إحياء قوتها الناعمة التى تضررت، خلال السنوات الخالية، بفعل سياسات الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، المحلية، وارتدادات توجهاته الإقليمية.

استخدمت تركيا لتحقيق ذلك العديد من التكتيكات من بينها التشكيك فى القدرات العربية والإسلامية فى قيادة منظمة التعاون الإسلامى، التى تأسست عام 1969، من أجل تحرير فلسطين، حيث أشارت الصحف التركية إلى أنها افتقدت الفاعلية ولم تأتِ بشيء سوى الشجب والاستنكار والإدانة. هذا فيما دعت صحيفة "ينى شفك"، الموالية للحكومة، إلى نقل مقر المنظمة من المملكة العربية السعودية إلى تركيا.

أوضح ذلك أن موقف السلطات التركية وتصريحتها الإعلامية، على كثرتها، حيال القرارات الأمريكية ثم من خلال فعاليات المؤتمر الإسلامي بدت موجهة للدول العربية أكثر منه إلى حليفتيها، الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، سعيا إلى تعزيز شرعية أدوارها وخطوط نفوذها الإقليمي، وشرعنة سياساتها وطموحها لقيادة العالم الإسلامى.

جسد ذلك صراحة تصريحات بكر بوزداغ، المتحدث باسم الحكومة التركية، والذى اعتبر أنه لا زعيم فى العالم الإسلامي استطاع أن يفعل ما أقدم عليه أردوغان، حينما واجه الرئيس الإسرائيلى السابق، شمعون بيريس، فى قمة دافوس 2009، وأضاف أيضًا "لو تخلى عن القدس الفلسطينيون، وأهالى غزة، والعرب أجمع، لن تتخلى تركيا عنها أبدًا".

كما تجلى ذلك على سبيل المثال، فى حديث وكالة الأناضول التركية عن مواقف أنقرة حيال قضية القدس، عبر موضوع حمل عنوان "الرئيس التركى يحاصر ترامب عبر خمسة عشر اتصالاً تليفونيًا".

تمثل هذه الكتابات وغيرها، إحدى تجليات محاولات استخدام القضايا العربية والإسلامية لتعزيز أدوار تركيا، عبر الأدوات الإعلامية، كما أنها تعكس في الوقت نفسه مأزق غياب القدرة على تبني سياسات عملية واتخاذ تدابير إجرائية للتعبير عن أهمية القضية، التى من شأنها - وليس من أجل تركيا - شارك فى القمة الإسلامية ممثلو 48 دولة، بينهم ستة عشر زعيما على مستوى رؤساء، أو ملوك، أو أمراء.

ذلك أن العديد من الاتجاهات التركية حاولت أن تربط بين مقر انعقاد القمة وأهميتها ومحورية مخرجاتها.

كما سعى البعض منها إلى الإشارة إلى أن تضمين البيان الختامى دعوة دول العالم للاعتراف بالقدس الشرقية المحتلة عاصمة لدولة فلسطين، واستباق ذلك فعليا، عبر تصريحات بهذا الشأن من قبل العديد من العواصم الغربية، لم يكن، وفق نمط تعاطى أغلب الصحف ووسائل الإعلام القريبة من الحكومة التركية، سوى محض استجابة إلى دعوة الرئيس التركي للمجتمع الدولى بشأن القرارات المتعلقة بالقدس الشرقية.

يؤكد ذلك أن استراتيجية استغلال القضايا ذات الصبغة الدينية لتعزيز الأدوار الإقليمية تمثل نهجا تقليديا لدى السلطات التركية، وربما كان ذلك إحدى نقاط الخلاف الرئيسية التى تفصل بين قيادة حزب تركيا الحاكم، وحركة الخدمة التابعة لفتح الله غولن، والتى ترى أن على أنقرة تعزيز أداورها، عبر تعظيم أواصر التنسيق مع القوى الغربية، وليس الدول العربية، كما كانت تطالب بالحفاظ على علاقات ثابتة مع إسرائيل.

هذا وإن بدت قضية استغلال الأحداث الإسلامية لتعزيز الطموحات التركية محركا رئيسيا فى توجهات مختلف التيارات الإسلامية التركية، سواء كانت محسوبة على العدالة والتنمية، أو "الخدمة"، أو التيارات السلفية، فثمة رؤية مشتركة بشأن الفضاء الإسلامى، سواء فى الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى، بحسبانه يمثل نطاقًا حيويًا لأدوار تركيا القيادية.

اللافت فى هذا السياق، ربما يرتبط بالقدرة والجرأة من قبل وسائل الإعلام التركية على توظيف قمة المؤتمر الإسلامي الاستثنائي، رغم أهميتها وطبيعة مهمتها للهجوم على بعص الدول العربية التى لم تشارك فى مؤتمر القمة على مستوى الملوك والرؤساء، حيث اعتبرت أن ذلك يعكس تراخيًا وتخليا عن قضية القدس، فى وقت يعلو فيه الصوت التركى مجابهة لقرارات ترامب.

صنعت تركيا هكذا، ووسائل إعلامها، معارك فرعية استهدفت من ناحية، الهجوم على دول عربية وإسلامية أخرى، ولم تراع قدسية القضية التي تحظي بأولوية السياسات والتحركات العربية، وبينما طالبت السلطات التركية من ناحية أخرى، بتوحيد الصوت الإسلامي نزعت وسائل الإعلام المحسوبة عليها إلى توجيه الانتقادات لسياسات عربية كونها لا تصب في صالح الاعتراف بقيادة تركيا العمل العربي والإسلامي.

تزامن ذلك مع استخدام استعارات تاريخية، فى محاولة لتأكيد أن أردوغان بات يمثل "صلاح الدين الأيوبي" فى قيادة الفعل الإسلامى، عبر مواقفه الإعلامية وتصريحاته السياسية، وذلك وفق نهج يطلق عليه فى بعض الأدبيات السياسية "البراغماتية المفرطة"، حيث توظيف قضية مركزية لخدمة توجهات ومصالح تتسم بالانتهازية السياسية.