رنا خالد
نوفمبر 16 2017

البرغماتية المقدسة.. سياسة حزب العدالة والتنمية

إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس. هكذا وصف ميكافيلي وظيفة الدين عندما يستخدم من قبل السياسيين. فهو فورا يخرج من افكاره الطوبائية الى عالم البرغماتية السياسية. وهكذا ايضا يمكن تفسير تلك المتناقضات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في النظام السياسي التركي تحت حكم حزب العدالة والتنمية الحالي. تناقضات التشدد الديني والعلمانية، والمواطنة والدولة الحديثة، العلاقة الحرجة بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة. حتى ان تصرفات حزب بزعامة رجب طيب اردوغان تكاد تختزل تلك المكافيلية المستترة تحت عنوان الديمقراطية الاسلامية المعتدلة.

انه نموذج البرغماتية المقدسة الذي احتوى في حقيقته تخبط السياسة والفكر والصراع المجتمعي الداخلي والخارجي الذي يعصف في شتى انحاء تركيا.

داخليا.. استطاع نموذج الاسلام السياسي التركي بزعامة حزب العدالة والتنمية في بداية نهوضه وبصورته المعدلة جينيا عن نموذج احزاب الرفاه والفضيلة والسعادة الاربكانية، ان يطرح فكرة مفادها ان الاسلام السياسي يستطيع السير يدا بيد مع الليبرالية واللبرالية الجديدة. وفعلا لاقت افكار احمد داود اغلو مفكر الحزب صداها القوي داخليا وخاصة عندما اطلق تسمية العثمانيون الجدد ذلك الاسم الصادح في الفكر التركي والذي يحلم بتركيا الامبروطورية التي تحكم من الشرق الى الغرب وليس تركيا التي تستجدي دون جدوى عطف وقبول اوربا المتكبرة.

وفعلا نجح الحزب، في السنوات العشر الأولى، التي تلت وصوله إلى سدة الحكم، في تحقيق إصلاحات ليبرالية طالت الاقتصاد، وقوانين الاستثمار، والحريات العامة والخاصة، وأسهم في تقليص هيمنة الجيش، إلى حد بدت معه التجربة وكأنها قصة نجاح خارقة، في ظل النمو الاقتصادي غير المسبوق. حكم بدأ بداية واعدة وصفته مجلة foreign affairs عام 2013 في تقرير اقصادي مفصل بان "تركيا قوة اقتصادية لامعة تشرق في اوربا والشرق الاوسط".

ولكن سرعان ما انهار هذا النموذج الذي قدم نفسه كنموذج متطور فكريا عن الاسلام السياسي التركي الذي نشاء متخبطا في السبعينات. وتحطمت تلك الهاله الديمقراطية الهشة التي احاط الحزب بها ذاته بفعل عوامل بنيوية لم يستطع التغلب عليها.

اولها سطوة اردوغان التي بدات بالتنامي والاستخواذ على كل مقررات البلاد. واخرها الطبيعة اليمينية المحافظة للنموذج الاسلامي السياسي والذي لم تستطع البرغماتية المقدسة التي يتبناها من ان تنقذ صورته كنموذج اسلامي ليبرالي متعدد .. وهذا ما فسره جليا كتاب الباحث التركي، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا، جيهان توغال، الصادر بعنوان "سقوط النموذج التركي" حيث خلص توغال الى أن الإسلام السياسي يستطيع السير يداً بيد مع الليبرالية والليبرالية الجديدة ولكن إلى مسافة معيّنة لا يستطيع بعدها الاستمرار، ويميل أكثر وأكثر إلى تبني سياسة محافظة، وتزداد نزعته السلطوية، لتأمين وجوده في السلطة، وفي سياق ردة فعل كهذه ينقلب حتى على سياساته السابقة، بما في ذلك حرية التعبير، والحريات العامة والخاصة، ويحاول احتكار الهيمنة على أجهزة الدولة، وتقييدالإعلام، ويعتمد الشعبوية لتجييش وتعبئة الرأي العام.

وفعلا هذا ما حدث بعيد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، حيث ازدياد الميول السلطوية للنظام الأردوغاني. وكل ما جاء لاحقاً من تطوّرات يؤكد أن ان النموذج التركي فشل في الخروج من عبائة السلطوية اليمينية المحافظة.

اما خارجيا.. فمع ان اغلب المحللين الاستراتيجيين يرون ان تركيا لا تزال واحدا من انجح دول الشرق الاوسط في ادارة السياسة الخارجية وانها وخاصة في علاقتها مع القوى العظمى تجيد لعبة المناورة والمرواغة وتجيد استخدام اوراق الضغط بصورة افضل بكثير من الادارات التركية السابقة. الا انهم مع هذا يجمعون على ان ادارة اردوغان تطرفت في برغماتيتها الى درجة ان الدبلوماسية التركية الغت المدخل الاخلاقي في السياسة الخارجية.

وصارت تتعامل بصورة فضة ادهشت الحلفاء الاوربين وحلفاء الناتو الذين اعتادوا ان يرو تركيا التي تقدم نفسها كنموذج سياسي منمق اوربي الشكل والسلوك فقط لتحضى بحلم الانظمام الى الاتحاد الاوربي. اليوم صار الزعماء الاتراك يوجهون خطابهم صريحا ان تركيا لم تعد بحاجة الى الاتحاد الاوربي الهش الممزق. وانها تنظر بانفتاح على الشرق ولكنه ليس الشرق الاوسط الذي لطالما عيرت اوربا تركيا بالانتماء له انه الشرق الروسي النهم الذي يهدد مستقبل حلف الناتو. شرق لم تتوقع اوربا يوما ان تركيا ستلجأ للتحالف معه خاصة تحت زعامة الاسلاميين. ولكن برغماتية حزب العدالة والتنمية اوصلت تركيا الى حليف جديد تصافحت معة باكبر صفقة اسلحة حيث يتحدث وزير الدفاع التركي، فكري إشيق، عن اقتراب إنجاز التوقيع على شراء منظومة صواريخ"إس 400" الدفاعية الروسية المتطوّرة، وحيث ستسلم موسكو لأنقرة نماذج حية لأحدث نظام دفاع جوي روسي، يساعد على تدمير الطيران المهاجم، وصواريخ الكروز والصواريخ الباليستية، بمدى 250 كلم وارتفاع 30 كلم. وأنّ البلدين اتفقا على كل التفاصيل التقنية المتعلقة بالصفقة.

اما المدخل الاخر الذي تتبعة السياسة الخارجية التركية فهو ما وصفته مجلة  foreign policy في مقال اماندا سلوات المنشور في 7نوفمبر 2017 بما يسمى  “hostage diplomacy" او دبلوماسية الرهائن حيث تصف المقال كيف ان المباحثات التركية الامريكية انتهت الى انتركيا تصر على ان تسليم الرهائن الامريكان وعلى راسهم القس برونسون مرهون بتسليم الولايات المتحدة للمعارض التركي المقيم في بنسلفنيا عبدالله غولن المتهم بتدبير انقلاب عسكري على حكومة رجب طيب اردوغان.

وهو ما يسمى بصفقة برنسون - غولن رجل دين برجل دين وصولا الى دبلوماسي مقابل دبلوماسي في اشارة للدبلوماسيين الامريكان العاملين في القنصلية الامريكية في تركيا مقابل الذينالدبلومسيين الاتراك الذين اعتقلتهم الولايات المتحدة لاستخدامهم العنف لوقف احتجاجات امام السفارة التركية في واشنطن.

وفي ميدان السياسة الاقليمية فان البرغماتية التركية حيال الشرق الاوسط العربي تتجلى في ابشع صورها في تحالف مع الاضداد في العراق كما هو الحال في ازمة الاستفتاء على انفصال اقليم كردستان حيثتحالفت مع ايران والولايات المتحدة وحكومة بغداد.

وتحالف مع الاحزاب والتيارات الاسلامية المتشددة التي تعتبر من اهم مدخلات زعزعة الاستقرار في العديد من الدول العربية وخاصة القوى العربية الكبرى المملكة العربية السعودية ودولة الامارت المتحدة ومصر. هذه التحركات التركية في الشرق الاوسط تاتي في اطار رغبة تركيا في اعادة التموضع داخل الشرق الاوسط وهو ما عبر عنه اردوغان في كلمة له أمام نواب حزبه في البرلمان حيث قال "ان الأحداث التي يشهدها العالم والمنطقة تشير إلى أن هناك عملية إعادة هيكلة جذرية؛ من شأنها أن تشكل معالم القرن المقبل"، موضحا أن بلاده تمر بمرحلة هي الأكثر حساسية منذ حرب الاستقلال التي خاضتها ضد قوات الغزاة التي احتلت مساحات من الأناضول عقب الحرب العالمية الأولى. خطاب يحاول فيه اشترار امجاد العثمانية القديمة ومناطق توسعها في الشرق الاوسط.

اخيرا.. يمكن القول ان البرغماتية المقدسة التي يتبنها حزب العدالة والتنمية داخليا وخارجيا ماهي الا واقع فكري للأسلام السياسي التركي منذ نشوئه وانبثاقه على يد الآباء المؤسسين عدنان مندرس وسليمان دمريل ومؤسس وزعيم الاسلام السياسي المعاصر في تركيا نجم الدين اربكان استاذ ومعلم رجب طيب اردوغان. وهي كذلك وهذا السبب الاساسي الذي قاد وسيقود في المستقبل النموذج السياسي في تركيا الى ان ينتهي الى نموذج للحكم الشمولي وان تصل الى طرق مسدودة كل شعارات الليبرالية الاسلامية والديمقراطية والانفتاح على العالم بنموذج اسلامي متطور قادر على استيعاب المتغيرات الاقليمية والدولية.

وتنجلي حقيقة الضعف البنيوي للاحزاب الاسلامية التركية التي لطالما تمسكت بقصد او دون قصد بهذه البرغماتية المقدسة التي تؤمن بان الدين هو وسيلة للهيمنة على عقول وقلوب الشعب التركي المتجذر في فكرة الاسلام واساطير الامبروطورية العثمانية. وهو ايضا وسيلة لتبرير القمع وفرض سياسة الحزب الواحد والفكر الواحد على امه خلقت لتكون بوتقة انصهار الوان فكرية وعرقية ودينية جميعها عميقة الجذور داخل الفرد التركي ومتجذرة في الامة التركية ذات الصفات الخاصة.