مايا أراكون
ديسمبر 29 2017

البرلمان التركي.. ابحثوا عن العنصرية الخفية الموجودة في النص المقروء

 

أثناء متابعة النقاشات في مجلس الأمة التركي الكبير (البرلمان التركي)، أصبحت أفكر كل يوم كم نحن أشبه بتايوان التي ركل نوابها بعضهم البعض في البرلمان.
بالطبع تحدث هذه النقاشات النارية في برلمانات كثيرة في العالم، ولكن يبدو أنه غلب على هذه التوترات في العشر سنوات الأخيرة، أمور التراخي، وإحساس التواجد في مقهى في أحد الأحياء.
بالطبع عندما لا يبقى أسلوب للحوار تطفو على السطح العنصرية المتعفنة. 
وهذه حالة للعنصرية في الجلسة لدينا، يعني من الطبيعي إذا سألت فسيأتيك الجواب "لدي جار...(إملا مكان النقاط كلمة من بين كلمات مثل كردي أو أرميني أو علوي أو يهودي).
ولكن هذا "الجار" لا يرتقي لمستوى مُساوٍ لي مثل الزوجة أو أقرب الأصدقاء، حامل أسراري!.
إما أن يبقى جار، أو أن يوكل إليهم "القيام بالخدمات" كالفكهاني أو البقال أو حارس العقار.
لماذا تذكرت كل هذا؟ بسبب حادثة وتقع أثناء مباحثات الميزانية منذ أيام.
تمّ بحث ميزانية وزارة المالية في مجلس الإدارة العامة للبرلمان التركي. قال جارو بايلان عضو حزب الشعوب الديموقراطي عن اسطنبول الذي تحدث خلالها مُذكرًا بوثائق جزيرة مان "ستسأل سيدي وزير المالية" أين وجدتها؟، وستقحم مؤسسة البحث عن الجرائم المالية. وإلا فلن تمضي الدولة بهذا الظلم، بعدم العدالة في نظام الضرائب."
لا أعرف جارو بايلان شخصيًا. إنه من أكثر الشخصيات انضباطاً وتربية، وفي الأصل إذا نظرتم لحال هذا النبيل وهذا المحترم، فأنا دائمًا ما أفكر أنه لم يظهر في المجلس بأكثر من قميص.
وإذا لاحظتم، فقد أنهى حديثه هنا قائلًا "يا أصدقاء". كلمة "أًصدقاء" تعطي الإحساس بالمساواة، وإحساس بأننا "في نفس الفريق".
يعني هي مقولة توصل رسالة "أنا لست عدوك. نحن جميعًا في نفس المركب".
حسنًا فماذا كان الرد الذي تلقاه؟.
ردت إلكنور إنجاجوز وكيلة مجموعة حزب العدالة والتنمية على كلام بايلان، وقالت "أنت آخر شخص يمكنه أن يعطينا درسًا في الأخلاق. لا يمكنك فعل هذا. أردت أن أوضح هذا الأمر على وجه الخصوص. حتى أنك لست الشخص الأخير في هذا المجلس."!
وعقب ذلك وعندما قال بايلان لإنجاجوز "لا تتصرفي بقلة حياء"، ذهبت إلكنور المنتمية لحزب العدالة والتنمية نحو صفوف حزب الشعوب الديموقراطي. وعقب ازدياد النقاشات تم إعطاء وقت للجلوس.
تُرى لماذا ظهر هذا الانفعال وهذا الغضب من كلام جارو بايلان؟ بحسب كلام جارو الذي لم يتهم أحداً بعدم الأخلاق بشكل شخصي، وأنه قال أن هناك عدم عدالة في ضرائب الدولة (هل هذا افتراء؟)، فيجب أن يكون هناك سبب آخر لهذا الهجوم.
لماذا يغضب الإنسان الذي ليس عليه غبار من كلمة كهذه؟.
أقول لكم. هل لأنها توترت بشكل كبير بسبب بعض الأحداث غير القانونية للسادة النواب وأحزابهم، وبعض فضائح التهرّب الضريبي وغيرها؟.
لا يا سيدي حاشاها. لا أصدق! فحزبنا ناصع البياض مثل اسمه ومتميز. (أنتم تغارون من الطرق المزدوجة التي فعلوها، كلكم حاسدون. كأننا لا نعرف).
إذًا فماذا بقي ليغضبكم من هذا الحديث يا نائبة الحزب الحاكم؟.
تُرى هل انزعجت السيدة الفاضلة إلكنور من مخاطبة أرمني لها قائلًا "صديقتي"؟
تُرى هل جن جنونها من مساواة أرمني نفسه لها وأظهر "جرأته" بمخاطبتها؟.
هلا نظرتم لجمال نداء نائب حزب المعارضة الأصيل بـ"أنت"، عندما قالت له "أنت آخر شخص يمكنه أن يعطينا درسًا في الأخلاق في هذا المجلس".
تبدأ الجملة في الأصل بكلمة "أنتم"، ولكن على ما يبدو فقد لاحظت السيدة إنجاجوز أنّ كلمة "أنتم" كثيرة على الأرمني الواقف أمامها، ولذلك أكملت الجملة التي تبدأ بأنتم بكلمة أنت بسبب مشكلة اللياقة! (من أنت يا جارو بايلان؟).
لا ينتهِ النصر والأصالة هنا عزيزي القارئ. فقد غضبت السيدة إنجاجوز من قول جارو بايلان "لا تتصرفي بقلة حياء" لدرجة أنها ذهبت نحو بايلان!.
ليتهم تركوها لنعلم ماذا ستفعل. هل ستضربه؟ هل ستلطمه؟ هل ستبصق عليه؟ هل ستمسكه من شعره ورأسه؟ هل كانت ستُهجّره إلى صحارى فلسطين؟ هل كانت ستقول له "يا لكم من سلالة لا تنتهِ يا صديقي، وصلتم للمجلس بالرغم من كل ما قمنا به من تطهير؟" هل كانت ستصرخ قائلة "اعرف حدّك يا سليل الأرمن القذر، من أنت لتقل لي صديقتي؟".
ألفت انتباهكم.. من نتحدث عنها هي سيدة نائبة في مجلس الأمة. وهم لا يقولون شيئًا لحزب العدالة والتنمية من قبيل "على المرأة أن تبقى في المنزل، ولا لمساواة المرأة بالرجل وغيرها"!.
المرأة نائبة مجلس الأمة للحزب مثل الرجال الأعضاء في القوة الغاشمة والاستبداد، لا تعرف حد للتهديد وأنتم لا زلتم تقولون "لا يوجد مساواة"!.
هذه نية سيئة! هل هناك مساواة أكثر من هذا؟ (إن كان تهديدًا فتهديد، وإن كان صفعًا فصفع، وإن كان استبدادًا فاستبداد! اليوم المرأة النائبة عن حزب العدالة والتنمية تساوي قوة عشرة رجال من نواب البرلمان عن الحزب!).
كيف كان من الممكن أن يناقش موضوع معقد في المجلس مثل الميزانية بأسلوب أفضل. اتركوا الدولة فلم أعد أعرف كيف كان سيسأل عن مسألة التهرب الضريبي التي سمع العالم بفضيحتها.
ولكني لا أعلم ماهي العنصرية الخفية التي تسربت على لسانكم في الجلسة. فأنا أراها بين سطور كل جملكم النصية "الأمة المحكومة" التي تدعو للتفريق والتصغير كلما سنحت الفرصة.
أنا لست أرمنياً (أحقًا؟ نحن ظنناك أرمني، أو يهودي، وإلا فيجب أن تكون سرياني!).
نعم فأنا مضطر لتوضيح هذا للمرّة المليون لأنّ اسمي ليس من الأسماء التي اعتدتم عليها، وبما أن اسمي مختلف (فأنا قطعًا لست منكم أليس كذلك؟). ولكني أرى العداوة والعنصرية الواضحة والمنظمة في نظراتكم وخطاباتكم ونهجكم تجاه الحفنة الباقية في البلد من الأرمن واليهود والروم والعلويين والأكراد والسريان والمثليين وكل "المختلفين".
ويرى هذا أيضًا الناس المؤمنون بالمساواة والديموقراطية -رغمًا عنكم- في هذه البلد.
سيذكر كل الشرفاء الباقين في هذه البلد السيد جارو بايلان، السؤال الذي سأله بأسلوب راق لا يمكنكم فهمه. وكما حكمتم على أخلاق السيد جارو بايلان، فاحكموا على أخلاقنا أيضًا إذا كان هذا يكفيكم.
نحن نضمن أخلاق جارو بايلان الذي لم تشب اسمه شائبة حتى هذا الوقت. أما أنتم فهل بقي من يضمن أخلاقكم غيركم؟.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: