البنوك التركية تتجاهل التبعات السلبية لرفع الفائدة على الودائع

في الوقت الذي اعتبر فيه حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا هبوط سعر صرف الدولار مقابل الليرة إلى ما دون 5.50 ليرة انتصاراً اقتصادياً كبيرًا، كانت البلاد على موعد مع أزمات جديدة سبَّبَتها تداعيات انخفاض سعر صرف العملات مقابل الليرة التركية. كان البنك المركزي التركي قد لجأ إلى رفع نسب الفائدة على الأسواق إلى 24% ، رغبة منه في وضع حد لهبوط الليرة التركية؛ الأمر الذي أدَّى إلى انخفاض معدل السيولة في الأسواق تأثراً بزيادة الفائدة على القروض، وبالتالي قل معدل القروض الممنوحة من البنوك للمواطنين، وسُدَّ معها، بطبيعة الحال، مصدر مهم من مصادر التمويل الشخصي والتجاري.

كان القطاع المصرفي قد سجل انخفاضاً في منتصف أغسطس الماضي في إجمالي قيمة القروض الممنوحة بلغ 55 مليار ليرة. وترك هذا الانكماش في حجم القروض أثره على المستهلك؛ فانخفض معدل  بيع الوحدات السكنية المحجوز عليها وفق نظام الرهن العقاري بنسبة 78%، وتراجعت كذلك مبيعات السيارات بنسبة 77%، بالإضافة إلى سوق الأجهزة الكهربائية، الذي سجل، هو أيضاً، ركوداً بلغ 38% مقارنة بالفترات السابقة.  

وعلى الجانب الآخر، وجدت الحكومة التركية نفسها مضطرة إلى تخفيض قيمة ضريبة الاستهلاك الخاصة، وضريبة القيمة المضافة؛ من أجل تخطي الأزمة التي تعرض لها القطاع الحقيقي في البلاد بسبب تعثر عملية تحصيل الضرائب على البضائع التي هجرها المستهلك، وبالتالي أصابها الكساد. وكان من تداعيات هذا الركود أيضاً حدوث عجز في تركيا في نسبة الواردات؛ امتد من شهر أغسطس حتى سبتمبر وأكتوبر الماضيين. وقد رأينا وضعاً مشابهاً لهذا إبان الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد في عام 2001، والذي كان من تداعياته حدوث انخفاض سريع في معدلات استهلاك الأسرة التركية التي تعد أساس الاقتصاد.

وعلى الرغم من حالة الاطمئنان، التي تسود حالياً بين رجال حكومة العدالة التنمية بعد انخفاض العملات الأجنبية مقابل الليرة، التي اعتبروها مؤشراً على الاستقرار السياسي في البلاد، وباعثاً للأمل لديهم عن إمكانية عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي، إلا أن كافة البيانات التي نشرت بخصوص الميزانية العامة للقطاع المصرفي التركي جاءت مخيبة للآمال بشكل كبير.

كانت البيانات الصادرة مؤخراً عن البنك المركزي هي المؤشر الأكثر أهمية لما يعانيه القطاع المصرفي من أزمات في الوقت الراهن؛ فقد أشارت البيانات الصادرة عن البنك يوم الجمعة، إلى ارتفاع متوسط سعر الفائدة، التي تدفعها البنوك على جميع الودائع بالليرة التركية في الأسبوع الأخير من أكتوبر بمستوى يفوق معدل تمويل البنك المركزي بنسبة 24.30%.

ومما لا شك فيه أن استمرار هذا الارتفاع سيعزز من حالة عدم الثقة لدى أي مستثمر يسعى للاستثمار بالليرة التركية، وسيؤثر في خلق حالة من عدم الرضى عن نسب الفائدة الحالية. 

وستتوالى حالة الضعف بالنسبة للودائع بالليرة التركية، التي كانت أساساً للنمو الائتماني للبنوك في السنوات الأخيرة، وكانت مصدراً رئيساً للقروض التجارية والاستهلاكية، التي لا يمكن إنكار دورها في تنشيط الأسواق. وبدلاً من أن تزداد قيمة الودائع بالليرة التركية بنفس درجة ارتفاع الفائدة الممنوحة كل شهر، فإنها ستشهد انخفاضاً تدريجياً، قد يزداد حدة لو استمر الوضع على هذا النحو.

وفي حين سجلت الودائع لدى البنوك التركية زيادة بلغت 6.6 درجة في 17 أغسطس الماضي، في نفس الوقت الذي بلغ فيه سعر الدولار ذروته مقابل الليرة، بعد أن سجل 7.2 ليرة مقابل الدولار الواحد، نجد أن الوضع قد اختلف كثيراً الآن؛ فعلى الرغم من انخفاض قيمة الدولار مقابل الليرة، إلا أن الودائع بالليرة التركية قد سجلت انخفاضاً قدره 23 مليار ليرة؛ ليتراجع إجمالي الودائع بالليرة في البنوك التركية إلى 1 تريليون و37 مليار  ليرة.

وعلى الرغم من قيام الحكومة التركية بتقديم تحفيزات ضريبية بداية من شهر سبتمبر، وقيام البنوك برفع نسبة الفائدة، إلا أن الانخفاض الوقتي في الودائع بالليرة التركية قد تحول، خاصة بعد حديث أردوغان الأخير، إلى واحد من أهم الأسباب المؤدية للأزمة النقدية التي تعاني منها الأسواق في الوقت الحالي.

تجد البنوك التركية في الوقت الحالي صعوبة في اجتذاب مستثمرين بالليرة التركية، على الرغم من توافر ميزة الدخول المرتفعة بين هؤلاء، وبالتالي يؤثر هبوط نسبة الودائع بالليرة التركية سلباً باتجاه زيادة عجزها، يوماً بعد يوم، عن تلبية احتياجات الاقتصاد اليومية من السيولة النقدية.

ومن ناحية أخرى، أفادت البيانات الواردة من قطاع العقارات والسيارات في تركيا إلى انخفاض كبير في عدد الموافقات الواردة من البنوك بشأن منح المستهلكين قروضاً لهذا الغرض بنسبة تتراوح بين 20-30%، وهو الأمر الذي أدى إلى حدوث كساد كبير في هذين القطاعين الحيويين، مع تراجع الإقبال على شراء الوحدات السكنية والسيارات بشكل مستمر من منتصف سبتمبر الماضي.

الحقيقة أن هذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها القطاع المصرفي مثل هذه المشكلة، منذ أن بدأت البنوك التركية في التوسع في منح القروض للمستهلكين في عام 2003. ويمكن القول إن 76% من الانخفاض الحادث في حجم قروض القطاع المصرفي خلال الشهرين الأخيرين، والذي يقدر ڊ 55 مليار ليرة، كان بسبب عزوف البنوك التركية عن منح قروض تجارية واستهلاكية بالليرة التركية لتمويل التجارة، والاستهلاك في السوق الداخلي.  

ومن ناحية أخرى، أشارت بيانات أخرى صادرة عن البنك المركزي أيضاً إلى أن "رفع البنوك نسب الفائدة على الودائع بالليرة التركية، والعملات الأجنبية بهذا الشكل الكبير، كانت أحد الأسباب التي أدت إلى استعار الأزمة التي تعاني منها السوق الداخلية في تركيا اليوم؛ حيث لجأت البنوك التركية، في محاولة منها لإيجاد وسيلة عاجلة لسد العجز الشديد للسيولة النقدية، إلى رفع الفائدة على القروض قصيرة الأجل بنسب غير مسبوقة.

قامت البنوك التركية في شهر سبتمبر الماضي، وفق إخطار رسمي بعثت به إلى البنك المركزي، برفع الفائدة على الودائع بالليرة التركية التي مدتها شهر واحد إلى 33%، وعلى الودائع بالدولار الأميركي بنسبة 10%، كما رفعت الفائدة على الودائع باليورو بنسبة 6.30%. ومما لا شك فيه أن هذه النسب تعد نسباً فريدة يمكن أن يحصل عليها أي مواطن من أي بنك من البنوك التركية التي دخلت في سباق اجتذاب الودائع إليها.

ويمكن القول إن وصول الفائدة الشهرية، التي تدفعها البنوك التركية على الودائع بالليرة التركية والدولار الأميركي واليورو إلى نسب 30.1%، و9.15%، و5.5% على الترتيب، كان مؤشراً آخر على أن الوضع أصبح حرجاً، خاصة وأن البنوك ستضطر إلى دفع هذه الأموال بشكل شهري لأصحاب الودائع الضخمة قصيرة الأجل.

ترى البنوك أن رفع نسب الفائدة على الودائع الشهرية، والمحددة بمدة 45 يوماً هي الوسيلة الأكثر تأثيراً في دعم مواردها من النقد. 

ومن ناحية أخرى، فإن 1.2 مليار ليرة تمثل نسبة 56% من مجموع الودائع الادخارية في تركيا البالغة 2.1 تريليون ليرة تخص 187 ألف مُودِع، بما يزيد عن مليون ليرة تقريباً في حساب كل منهم.

لهذا السبب، كان تسارع البنوك التركية في رفع نسبة الفائدة على الودائع إلى الحد الأقصى لزيادة الموارد النقدية لديها سبباً رئيساً في تعرض القطاع الحقيقي في الدولة من جديد لمشكلات كبيرة، تزامناً مع أزمة السيولة النقدية التي وصلت إلى ذروتها خلال الفترة الحالية.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/bankalar-cildirdi-tlye-yuzde-33-dolara-yuzde-10-faiz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.