سابين كوبر بوش
فبراير 20 2019

التدمير من أجل المنفعة: صورة ظلّية "لتركيا الجديدة"

تخضع الآفاق العمرانية للمدن لتغيير سريع في أنحاء العالم، ولا يوجد مكان يحدث فيه هذا التغيير بوتيرة أسرع من إسطنبول، حيث شكلت الرسالة الأيديولوجية للحكومة الهندسة المعمارية للمدينة على مدى عقود. 

فمتاجر التسوق العملاقة وناطحات السحاب السكنية تستضيف سكانا زاد عددهم إلى حوالي 20 مليون نسمة. تزعم الحكومة أن هذا علامة على التقدم الاقتصادي، غير أن المجالس البلدية اضطرت للبدء هذا الأسبوع في بيع الخضراوات بأسعار مدعمة بسبب ارتفاع التضخم والقفزة الهائلة في أسعار المستهلكين.  

وتمثل مشروعات مهيبة مثل أكبر مسجد في البلاد النموذج السياسي الطموح "لتركيا الجديدة" التي جرى تدشينها رسميا العام الماضي، عندما انتقلت البلاد إلى نظام رئاسة تنفيذية تحت حكم الرئيس رجب طيب أردوغان.

مشروعات مهيبة تمثل النموذج السياسي الطموح "لتركيا الجديدة"، بعدما انتقلت البلاد إلى نظام رئاسة تنفيذية تحت حكم أردوغان.
مشروعات مهيبة تمثل النموذج السياسي الطموح "لتركيا الجديدة"، بعدما انتقلت البلاد إلى نظام رئاسة تنفيذية تحت حكم أردوغان.

باتت القرارات السياسية الآن مركزية للغاية، ويخضع الإعلام في أغلبه لسيطرة الدولة، وتجنب الفنانون المساحة المحدودة المتاحة أمام النقاش السياسي التعددي، ليبدؤوا في المضي بشكل أعمق في أشكالهم الخاصة من التعبير، ويطوروا أُطر عمل مجازية لتحليل  الواقع البائس لتغير معالم إسطنبول وتأثيره السياسي. 

"فضاءات تأمّلية" هو عنوان معرض يستمر حتى 25 فبراير في صالة عرض كاري سانات في حي ماجكا بالشطر الأوروبي من إسطنبول. يضم المعرض أعمالا لسبعة فنانين عن مفهوم الفضاء، واستخدامه وتأثيره على الفرد. 

لوحة للفنان سيدي مراد كوش.
لوحة للفنان سيدي مراد كوش.

يستخدم الفنان سيدي مراد كوش فكرة هجمات الطائرات على مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك في 11 سبتمبر ويمزجها بالتغيرات السريعة الحالية في أفق إسطنبول. كان مركز أتاتورك الثقافي معلماً رئيسيا من معالم الجمهورية الكمالية الحداثية.  وبينما كان يتم إنشاء مسجد على الجانب الآخر من أطلاله في ميدان تقسيم في العام الماضي، فقد تم هدم المبنى. ويمثل هذا وفقا لتفسير كوش الساخر هجوما على الرموز الرئيسية في المدينة. 

والمباني تستخدم في تركيا كمظهر من مظاهر القوة. ورد الفنانون الأتراك على هذا عندما قاموا بدور نشط في احتجاجات متنزه غيزي في عام 2013. ودفع الغضب، من خطط الحكومة لبناء مركز تسوق على شكل ثكنة عسكرية عثمانية تاريخية في المتنزه، المتظاهرين إلى احتلال ساحة تقسيم بوسط المدينة، حيث يقع متنزه غازي، وتم استخدام واجهة مركز أتاتورك الثقافي خلال الاحتجاجات كلوحة إعلانات ضخمة لعرض الرسائل السياسية.

صورة للفنان مراد جيرمين.
صورة للفنان مراد جيرمين.

ويوثق الفنان مراد جيرمين بالصور أعمال التحول العمراني ويحللها بالمونتاج الرقمي، ويستخدم أحدث الأدوات الرقمية مثل الطائرات دون طيار وعدسات متخصصة، ليعرض آفاقا مروعة وبائسة في صور مطبوعة كبيرة، ولكي يعقد مقارنة مع هذا، يصنع الفنان تأثير التحول العمراني السريع على الفرد مستخدما تراكيب صغيرة مرتبة بشكل دقيق. 

لوحة فنية من ضمن المعروضات في المعرض.
لوحة فنية من ضمن المعروضات في المعرض.

تؤكد أمينة المعرض إيبك يغينسو على أن الأشكال الفنية هي سبيل لمواصلة نقاش عام ضروري لم يعد يحدث في المجال السياسي.

وقالت "في الوقت الحالي، توجيه النقد بشكل مباشر أكثر من اللازم أمر محفوف بالمخاطر في الوضع السياسي المشحون"، وأضافت "هذا سبب كون لغة الفن أكثر تطورا، إنها توفر ببراعة منصة أكثر استقرارا للتعبير عن أفكارنا في البيئة الآمنة للغة المجازية في فضاء فني".

على الرغم منذ ذلك، يقوم بعض الفنانين بعمل ميداني مكثف علانية، وتدرب جيرمين كمهندس معماري ومتخصص في تخطيط المدن قبل أن يتحول إلى مجال الفن والتصوير الفوتوغرافي، وهو المصور الفوتوغرافي صاحب الأرشيف الأكثر شمولا حول التحول المعاصر في إسطنبول. 

وبصفته أستاذا في جامعة سابانجي، يجري جيرمين أبحاثا حول موضوعات مثل محو الذاكرة في شنغهاي وإسطنبول في إطار دولي مقارن، وقال "بالنسبة لي، من المهم مراقبة وتحليل تطور المدينة. من أين يأتي وإلى أين يذهب؟". 

وعلى مدى سنوات، صور جيرمين تنمية حي فيكيرتيبي في إسطنبول من رقعة خضراء إلى أفق عمراني بائس، وأُغري السكان في السنوات الأخيرة بفرصة امتلاك شقق فاخرة، والآن الكثيرون منهم في الشوارع لأن شركة البناء قد أفلست، وهُدمت بيوت السكان لكن لم يتم بناء بديل لها. 

تنمية حي فيكيرتيبي في إسطنبول من رقعة خضراء إلى أفق عمراني بائس.
تنمية حي فيكيرتيبي في إسطنبول من رقعة خضراء إلى أفق عمراني بائس.

أحد هؤلاء المتضررين هو إنجين أكجوزيل، كان والده قد هاجر من محافظة تونجلي بشرق الأناضول إلى إسطنبول واشترى أرضا في فيكيرتيبي، حيث بنى بيتا من ثلاثة طوابق. 

قال أكجوزيل "ساعدنا في عملية البناء عندما كنا أطفالا، كل واحد في الأسرة عمل بجد، أبي وأمي وإخوتي وأخواتي". 

أصبح البيت الذي بنته أسرة أكجوزيل منزلها لمدة 40 عاما، في حي كان في وقت من الأوقات يتسم بطبيعة متماسكة وأشبه ببلدة صغيرة. كان الناس يزرعون الفاكهة والخضراوات وتربطهم علاقات وثيقة مع جيرانهم.

في عام 2005، تم إعلان فيكيرتيبي منطقة تطوير عمراني، وجرى استغلال خطر الزلازل لإقناع الناس بالموافقة على تبديل بيوتهم بمجمعات سكنية كبيرة مقاومة للزلازل. 

لكن الكثيرين مثل إنجين أكجوزيل قاوموا التطوير، إلى أن هددت الحكومة بتأميم ممتلكاتهم "للمنفعة العامة"، ولتفادي هذا، وقّع السكان عقدا مع شركة كانت معروفة بعلاقاتها الجيدة مع الحكومة. 

وقال أكجوزيل "جاؤوا هنا مع رئيس الوزراء السابق يلدريم أكبولوت ووعدوا بتحسين ظروف معيشتنا". 

تم هدم المنازل في 2016، وحتى الآن لا يوجد شيء مكانها سوى موقع حفر كبير. لم يتم بناء شقة سكنية واحدة. 

هُدمت المنازل في 2016، وحتى الآن لا يوجد شيء مكانها سوى موقع حفر كبير. لم يتم بناء شقة سكنية واحدة. 
هُدمت المنازل في 2016، وحتى الآن لا يوجد شيء مكانها سوى موقع حفر كبير. لم يتم بناء شقة سكنية واحدة. 

أقرت حكومة حزب العدالة والتنمية قوانين تسهّل تأميم أحياء سكنية "للمنفعة العامة" طوال عهدها، الذي بدأ في عام 2002، ويقول منتقدون إن هذا يرقى إلى حد عمليات انتزاع أراض لمصلحة شركات بناء مقربة من الحكومة. 

وشرعت غرفة المهندسين والمعماريين في إسطنبول في سلسلة من المعارك القانونية ضد عمليات انتزاع الأراضي، التي شملت مصادرة مقرها في حي يلديز فضلا عن مبان تاريخية ومناطق في أنحاء المدينة. 

أنشأت الغرفة موقعا على الإنترنت لتوثيق كفاحها ضد التطوير المتفشي باسم المنفعة العامة، من المقرر تدشينه في الأسابيع القادمة، وهناك قائمة بالقضايا التي تم بحثها على الموقع متاحة بالفعل، وتشمل تفاصيل حجم الدمار الهائل الذي جلبته بالفعل مشروعات تطوير. 

من بين تلك المشروعات، مشروع غالاتا بورت، وهو عملية تطوير لا تزال جارية في منطقة كاراكوي الساحلية، إحدى المناطق الخلابة في المدينة التاريخية الداخلية، وسوف تتغير تماما طبيعة هذا الجزء العزيز من المدينة قريبا، ما إن تكتمل الواجهات الزجاجية للمشروع الجديد. 

مشاريع عمرانية جديدة تعمل على تغيير البيئة المحيطة وتدميرها.
مشاريع عمرانية جديدة تعمل على تغيير البيئة المحيطة وتدميرها.

تدرك المهندسة المعمارية غول كوكسال جيدا مخاطر معارضة حكومة حزب العدالة والتنمية، وباعتبارها واحدة من بين الآلاف الذين وقعوا عريضة سلام في عام 2016 انتقدت رد الجيش على المتمردين الأكراد في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية، حوكمت كوكسال ومئات آخرون ممن وقعوا العريضة، أمام محاكم يقول كثيرون إنها أصبحت امتدادا لإرادة الحكومة. 

وبرغم أنها فُصلت من عملها الأكاديمي بمرسوم وتواجه تهما "بدعم منظمة إرهابية" منذ أن وقعت العريضة، فقد واصلت كوكسال عملها كناشطة مناهضة "للجرائم العمرانية" التي ترتكب بحق المجتمعات الضعيفة في المدينة باسم الصالح العام. 

وقالت "أجري بحثا حول هدم التراث الثقافي لأسباب أيديولوجية"، موضحة أن عملها ركز على هدم مستوطنة رومانية تاريخية في سولوكولي على الجانب الأوروبي من إسطنبول. 

وقالت "جرى التخطيط لأن يكون سولوكولي حيا حديثا للمثقفين الإسلاميين المحافظين نظرا لقربه من حي الفاتح، وهو حي تاريخي يضم بعض المساجد المهمة". 

ووقعت عمليات مشابهة لتطهير حي سولوكولي في أنحاء تركيا، وتخطط كوكسال ومهندسون معماريون آخرون من إسطنبول للقيام برحلة في مارس إلى حي سور التاريخي في مدينة ديار بكر بجنوب شرق تركيا، وهو الحي الذي دُمر جزء كبير منه أثناء قمع القوات المسلحة التركية لانتفاضة كردية. 

قالت كوكسال "حتى اليوم جرى تدمير أكثر من نصف مباني المدينة القديمة". وأضافت "حتى التقاط الصور ممنوع من أجل إخفاء هذا الواقع عن العامة". 

وتخطط المجموعة الزائرة من إسطنبول مع غرفة المهندسين المعماريين في ديار بكر لطرق بديلة لتصوير وتوثيق التدمير الدائر خلال زيارتهم في مارس، والتي ستتم مع اتجاه البلاد صوب الانتخابات المحلية. 

وقالت كوكسال "سوف ننظم ورش عمل عن الرسم والرواية الإبداعية ورسم الخرائط لمحاولة تفادي الملاحقة القضائية".

غير أن الفن لا يشكل بأي حال حماية مضمونة من الضغوط القانونية. فقد عوقبت الرسامة والصحفية الكردية التركية زهراء دوغان في عام 2017 بالسجن لمدة عامين وتسعة أشهر و22 يوما بسبب قيامها بعمل رسم يصور الدمار الذي تسببت فيه قوات الأمن التركية في حي نصيبين بمدينة ماردين القريبة من الحدود السورية، كما اضطرت المصورة الفوتوغرافية ليلا روجين لمغادرة تركيا بسبب مجموعة من الصور لمدن ديار بكر ونصيبين والجزيرة، التي سويت مناطق كبيرة منها بالأرض في الصراع الأخير. 

وقالت غول كوكسال "معظم الناس في إسطنبول لا يدركون ما يدور في تلك المناطق"، مؤكدة على أهمية مواصلة النشاط السياسي برغم خطر الملاحقة القانونية.  

وأضافت المهندسة المعمارية التي تتواصل قضيتها في المحكمة في مارس "ينبغي أن نظل حاضرين، ليس أمامنا خيار آخر". 

رسم للفنانة الكردية السجينة زهراء دوغان.
رسم للفنانة الكردية السجينة زهراء دوغان.

رسم للفنانة الكردية السجينة زهراء دوغان يصور منطقة نصيبين في جنوب شرق تركيا بعد صراع طويل بين ميليشيا كردية مسلحة والجيش التركي.

صورة للفنانة ليلى روجين أوغورلو.
صورة للفنانة ليلى روجين أوغورلو.

صورة لحي سور في مدينة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية في عام 2016، للفنانة ليلى روجين أوغورلو.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-construction/destruction-profit-silhouette-new-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.