التسوية مع حزب العمال الكردستاني فرصة للاستقرار في تركيا وسوريا

اتخذت الولايات المتحدة خطوات في سوريا في الأشهر الأخيرة توحي بتحول تجاه مصالحة مع تركيا. وحتى إن كان هذا صحيحًا، فعلى الرغم من ذلك، مازال هناك انقسام عميق حول النظرة الاستراتيجية بأن هذه الخطوات يمكن أن يتم إلغائها بسهولة، مما يفتح جولة جديدة من الشك في شمال سوريا مع اقتراب 2018 على الانتهاء.
وبدأت أولى الدوريات العسكرية الأميركية – التركية المشتركة على مشارف مدينة منبج السورية في الأول من شهر نوفمبر الجاري. وكانت منبج قد أدت إلى حدوث مشاكل في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا لمدة عامين، حيث كانت المدينة تخضع لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية السورية التي تتهمها أنقرة بأنها الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني الذي يحارب داخل تركيا منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
وانتزعت وحدات حماية الشعب الكردية السيطرة على منبج من تنظيم الدولة الإسلامية في شهر أغسطس من عام 2016 بمساعدة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. وكانت تركيا قد قدمت الدعم للهجوم الذي شنه التحالف ووحدات حماية الشعب الكردية على منبج، على الرغم من أنها وضعت خطًا أحمر ضد عبور وحدات حماية الشعب نهر الفرات، لأن الوعود الأميركية، نصت بصورة علانية، على أن تنسحب وحدات حماية الشعب وأن يتم السماح للعرب المحليين بحكم المدينة. لكن هذا الوعد لم ينفذ على الفور.
وقد دفعت وحدات حماية الشعب بعد ذلك إلى الأمام من منبج باتجاه الحدود التركية، مما أدى إلى شن عملية درع الفرات التي قضت على تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة الحدودية في إقليم حلب الواقع شمال شرق البلاد. ومن خلال السيطرة على هذه المنطقة، منعت تركيا وحدات حماية الشعب من السيطرة على الحدود بالكامل عن طريق ربط مقاطعاتها الشمالية مع جيب عفرين الذي تسيطر عليه في الغرب. وطهرت تركيا عفرين من مقاتلي وحدات حماية الشعب في عملية استمرت شهرين حملت اسم غصن الزيتون، وانتهت في شهر مارس الماضي.
وتُشكل وحدات حماية الشعب الجزء الأكبر من قوات سوريا الديمقراطية، كما تربط بعض الوحدات العربية المستقلة مع قواتها، ومن بين هذه الوحدات مجلس منبج العسكري.
وفي محاولة لحل هذه القضايا بين حليفي حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تم إنشاء جماعتين عاملتين في شهر فبراير الماضي: تعمل واحدة منهما على ملف سوريا، في حين تعمل الأخرى على القضايا الأكبر التي تؤدي إلى تضرر العلاقات بين البلدين مثل قضية فتح الله غولن، وقضية بنك خلق، وشراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية إس – 400، وقضية المواطنين الأميركيين المعتقلين في تركيا. وانبثقت "خارطة طريقة منبج" التي تم التوصل إليها في شهر يونيو من المسار السوري، فقد ركزت على انسحاب وحدات حماية الشعب من منبج، وإقامة دوريات مشتركة لتخفيف التوترات التركية.
وقال مجلس منبج العسكري في شهر يوليو الماضي إن المستشارين العسكريين لوحدات حماية الشعب أكملوا انسحابهم. وكما هو الحال مع الادعاءات السابقة بمغادرة المدينة، فقد كان هذا الادعاء زائفًا هو الآخر. وكانت المرة الوحيدة التي انسحبت فيه وحدات حماية الشعب من المنطقة المحيطة بمنبج لتسليم القرى للحكومة السورية والقوات الإيرانية.

وتكمن المشكلة في طبيعة مجلس منبج العسكري، أحد مكونات الهيكل الحاكم لوحدات حماية الشعب في المنطقة التي يُطلق عليها منطقة الإدارة الكردية في شمال سوريا. وللإيفاء بأدنى المتطلبات الأمنية لتركيا فإن هذه المتطلبات تقتضي إعادة هيكلة كاملة لإدارة منبج، أي تغيير النظام ليصبح محليًا بصورة فاعلة. وتقترح الولايات المتحدة شيئًا مثل هذا، مع تدقيق مشترك للأفراد لكي يمضي مجلس منبج العسكري قدمًا. ومع الوضع في الاعتبار حجم الطموح، فإن التفاصيل قليلة بشكل مثيرة للقلق. 
واستمرت الدوريات المشتركة في منبج، على طول الحدود بين منطقة درع الفرات ومجلس منبج العسكري، بدون وجود عقبات، لكن منذ بدأ تبادل نيران المدفعية بين تركيا ووحدات حماية الشعب حول كوباني، وتعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشن هجوم على وحدات حماية الشعب شرق الفرات، ومن المحتمل أن تكون البداية في تل أبيض.
وتقول جينيفر كافاريلا، مديرة التخطيط الاستخباراتي في معهد دراسة الحرب، إنها "غير متأكدة حقيقة من أن أردوغان سيشن هجوم في هذا التوقيت. إنه لا يتخذ أي نوع من الاستعداد العسكري الذي نتوقع أن نراه". وقد نفى المتمردون أنفسهم التقارير التي قالت إن تركيا حشدت بالفعل 1200 من الوكلاء من المتمردين السوريين.
وسواء كانت تركيا ستشن هجومًا جديدًا شرق الفرات أم لا، فإن مشكلة خارطة طريق منبج تظل متعلقة بأساسياتها: فالولايات المتحدة تعتقد أن هذا التنازل يقترب من التنازل الأخير الذي سيكون ضروري لتأمين منطقة الإدارة الكردية في شمال سوريا ضد جهود تركيا لزعزعة استقرارها، وتعتقد أنقرة أن هذه هي بداية الطريق أمام الولايات المتحدة للتخلص من وحدات حماية الشعب.
وألقت وحدات حماية الشعب باللوم على توقفها عن شن عمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية ضد الجيب الأخير للجهاديين في هجين الواقعة في إقليم دير الزور الواقع شرق سوريا، على القصف التركي. وفي الحقيقة، فقد توقفت وحدات حماية الشعب قبل ذلك بأيام بسبب هجوم مضاد وحشي قام به تنظيم الدولة الإسلامية. لكن الادعاء بأن تركيا تُقدم الدعم المباشر لتنظيم الدولة الإسلامية ينسجم مع استراتيجية وحدات حماية الشعب لتقديم مشروعها السياسي كمهمة لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية.
وتلعب الرسائل التي توجهها وحدات حماية الشعب، والتي يركز إطارها على تنظيم الدولة الإسلامية، على الرأي الرسمي بالإضافة إلى الرأي الشعبي في الغرب، الذي يمثل قاعدة الدعم الضرورية للنجاح طويل المدى لوحدات حماية الشعب. وأولوية الحكومة الأميركية في سوريا هي تنظيم الدولة الإسلامية.  وسواء كان تنظيم الدولة الإسلامية يمثل الأولوية أم لا فإن هذا قابل للجدل، لكن حتى بتعريفاتها الأضيق فإن السياسة التي تركز فقط على تنظيم الدولة الإسلامية لن تؤدي إلى هزيمته. ويعارض المسؤولون الأميركيون إدخال تعديلات على منطقة الإدارة الكردية في شمال سوريا لأن هذه المنطقة مستقرة. وهذا قصر نظر. ويتجه اتجاه الترتيبات الحالية نحو عدم الاستقرار.
وفي سوريا، لا يوجد تصعيد حتى الآن لنشاط تنظيم الدولة الإسلامية يُشبه تقدم التمرد الإرهابي للتنظيم في العراق، لكن استراتيجية ما بعد الخلافة التي تنتهجها الجماعة الجهادية من هجمات واغتيالات العصابات جارية والانقسامات السياسية التي تحتاج إليها الجماعة لعودة مماثلة تصبح أكثر اضطرابًا بمرور الوقت. فالرقة عند نقطة الغليان، في حين تنهار الأشياء في دير الزور.
وقد أثارت تجاوزات بارزة بشكل خاص موجة الغضب الأخيرة والواضحة للناس في دير الزور نحو كبار قادة وحدات حماية الشعب، لكن السبب أعمق من ذلك. ويقول عمر أبو ليلى المدير التنفيذي في دير الزور 24، وهي منبر إعلامي محلي "كان يعول عدد كبير من الناس في دير الزور على تدخل الأتراك" بعد ذهاب تنظيم الدولة الإسلامية. لكنهم أدركوا أن المسافة كانت تمثل مانعًا، وكانوا مستعدين، على الرغم من التحفظات الضخمة نحو وحدات حماية الشعب، للتعامل معهم.  
وقال أبو ليلى إن فترة شهر العسل بين أهل دير الزور ووحدات حماية الشعب تتجه نحو الانتهاء، بسبب ما يقول إنه أسلوب استفزازي لحكم وحدات حماية الشعب والمتمثل في الاستبداد، والنزعات الاقصائية، والخداع، وإرسال مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من العرب للمشاركة في معارك مع تنظيم الدولة الإسلامية، في حين "يقف المقاتلون الأكراد موقف المتفرج بدون المشاركة الفعلية". وقال أبو ليلى إن الأميركيين سيحصلون على أفضل خدمة عن طريق "التواصل بصورة مباشرة مع الأشخاص الحقيقيين ذوي التأثير في المجتمع"، من أجل بناء هيكل حكم شرعي مع قاعدة دعم الحاضنة الشعبية. وأضاف أن هذه هو الطريق الوحيد "للاستقرار وإعادة بناء الإقليم، والقضاء على التهديد الإيراني في المنطقة".
هل ستغير الولايات المتحدة المسار؟ وهل ستتمكن من هذا؟
ستستمر الولايات المتحدة في التشوش الحالي من خلال السياسية، بتنازلاتها المخصصة إلى تركيا بشأن الدوريات والفحص المشترك لمجلس منبج العسكري، وتأمل أن يؤدي هذا إلى تسوية الأمور. وهذا غير مرجح على نحو كبير. وبالتناوب، يمكن للولايات المتحدة أن تختار بوضوح إما الانحياز إلى جانب تركيا أو الانحياز إلى جانب وحدات حماية الشعب، والانحياز لأي من الجانبين سيكون له تكاليفه الخطيرة، ولا يبدو أن أيًا منهم واقعيًا في الوقت الحاضر. وثمة خيار أخير يتمثل في أن الولايات المتحدة يمكنها أن تقوم بدور الوسيط بين شريكيها. ولا يمكن أن يوجد مثل هذا الحل بصورة جوهرية في سوريا. والمأزق الموجود في شمال شرق سوريا نتيجة للسياسات التركية، التي تنشأ منها وحدات حماية الشعب.
وسيكون من الصعب جدًا التوصل إلى تسوية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، لكنها تقدم فرصة لاستقرار مستدام في تركيا وسوريا، وسيكون هذا تقدم استراتيجي كبير للولايات المتحدة. ومن المستحيل إبرام اتفاقية سلام في ظل المناخ الحالي.
وهناك دلائل على أن السياسة الأميركية تدفع باتجاه إحضار حزب العمال الكردستاني إلى الطاولة. ويمكن تفسير ترتيبات منبج على أنها جزء من هذا. وفي شهر أغسطس الماضي، أشارت تقارير إلى أن الولايات المتحدة قدمت معلومات استخباراتية لغارة تركية أودت بحياة إسماعيل أوزدان (المعروف بالاسم الحركي زكي شنكالي)، زعيم حزب العمال الكردستاني في العراق. ويوم الثلاثاء، أعلنت الولايات المتحدة لأول مرة عن ملايين الدولارات من برنامج المكافآت من أجل العدالة لأي معلومات تؤدي إلى اعتقال ثلاثة من كبار المسؤولين في حزب العمال الكردستاني.
ومن الصعب في هذه اللحظة أن نقول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتعهد بسياسة منسقة لإصلاح العلاقات مع تركيا، بناء على إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون الشهر الماضي. ويجب القول إنه إن كان هذا ما تفعله الولايات المتحدة، فإنها لا تحصل على التأثير المرغوب فيه، وقد أدى الافتقار إلى التفسير إلى إرباك الأتراك وأثار أفكارًا مظلمة. وقد أعرب المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين عن هذا علانية. وفي الوقت الذي تم فيه الترحيب بالمكافآت المخصصة للإدلاء بمعلومات تؤدي لاعتقال قادة حزب العمال الكردستاني بحرص، أعرب كالين عن شكوكه في أن هذه المكافآت تُعد جزءًا من الجهود المبذولة لفرض تمييز بين وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني. 
وقد أثبتت الولايات المتحدة تعنتها في رهانها في موقفها في سوريا على وحدات حماية الشعب، مبررة ذلك بالمقاومة وتقديرات قصيرة المدى لاستقرارها. وليس ثمة من شك في أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قادرة على إيضاح الفكر، والإصرار على التنفيذ، الضروريان لإعادة صياغة السياسة الأميركية بطريق أكثر توازنًا.  وعلى الرغم من ذلك، فإن صفقة منبج تمثل بداية محتملة، وحدثت الأشياء الأكثر غرابة في الآونة الأخيرة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-pkk/turkey-pkk-settlement-offers-chance-stability-turkey-and-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.