Tiny Url
http://tinyurl.com/y8gofrof

التضخم في تركيا: خفض أسعار الفائدة على الطاولة مجددا!

بدأ الكثيرون في تركيا العام الجديد بالدعاء من أجل مستقبل اقتصادي أكثر إشراقا بعد المتاعب المالية التي تعرض لها القطاعان التجاري والمالي في البلاد في الشهور القليلة الماضية، لكن للأسف يبدو أن 2019 لن يختلف كثيرا عن سابقيه.
فالأسبوع الماضي، ظهر وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق مبتهجا لدى الإعلان عن وصول معدل التضخم في أسعار المستهلكين في شهر ديسمبر إلى نسبة 20.3 في المئة وقال حينها بنشوة المنتصر إن الحكومة نجحت في تحقيق أهدافها الاقتصادية التي كانت قد حددتها لنهاية العام المنصرم. في غضون ذلك، ظل معدل التضخم المستهدف للبنك المركزي عند 5 في المئة فيما كانت تقديرات البنك المركزي لمعدل التضخم لعام 2018 في بداية العام تشير إلى نسبة 7.9 في المئة.
وقامت الحكومة بتعديل تقديراتها الاقتصادية بوجه عام، أو بالأحرى وجدت نفسها مضطرة لتعديلها، بعد أزمة العملة التي وقعت بين شهري مايو وأغسطس. وتم الإعلان عن التقديرات الجديدة في إطار ما يسمى "بالخطة الاقتصادية الجديدة" في أواخر سبتمبر. وكانت تلك الخطة، التي كشفت جزئيا مدى الضرر الذي لحق بالاقتصاد الوطني، قد توقعت وصول معدل التضخم في أسعار المستهلكين إلى 20.8 في المئة بحلول نهاية عام 2019.
وإذا تم اعتبار المعدل التقديري للتضخم عند 20.8 في المئة على أساس أنه "المؤشر الأساسي" للخفض المستهدف بالنسبة للحكومة، بغض النظر عن المعدل الرسمي المستهدف الذي كان قد حدده البنك المركزي عند 5 في المئة أو حتى تقديراته بوصول معدل التضخم إلى 7.9 في المئة، سيتم بالطبع النظر إلى الوصول بمعدل التضخم إلى 20.3 في المئة باعتباره إنجازا ينسب للحكومة. ومع ذلك، هل يمكن حقا اعتبار ذلك نجاحا؟

معدل التضخم في تركيا – المصدر: مرصد البيانات التركي
معدل التضخم في تركيا – المصدر: مرصد البيانات التركي

وكان الارتفاع الحاد في معدل التضخم بتركيا العامل الرئيسي وراء أزمة العملة التي عصفت بالبلاد في معظم فترات عام 2018، وفي نفس الوقت، تسببت الخسائر القياسية التي لحقت بالليرة في هذا العام في المقابل في زيادة معدلات التضخم. وحتى الاستقرار النسبي أو المتأخر لليرة على مدار الربع الأخير من العام المالي يمكن أن يكون استقرارا مؤقتا مرة أخرى نظرا للمخاوف المرتبطة بالنمو الاقتصادي العالمي.
ومن المثير للاهتمام أن وسائل الإعلام الرئيسية في تركيا حملت تأكيدات جدية بأن معدل التضخم في شهر ديسمبر سيمهد الطريق أمام البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة خلال الفترة ما بين شهري مارس وأبريل. وتروج وسائل الإعلام حاليا لنغمة مفعمة بالتفاؤل بأن "الأسوأ قد انتهى" بالنسبة للاقتصاد التركي.
وليست هناك حاجة للقول بأن مثل هذه التخفيضات المبكرة في سعر الفائدة، والتي سيتم النظر إليها بالتأكيد على أنها إشارة على إذعان البنك المركزي للضغوط السياسية، سيكون لها تأثير كارثي على الاقتصاد التركي نتيجة ما ستتسبب فيه من ضعف متزايد لليرة. كما أن أزمة المصداقية التي عانى منها البنك المركزي مؤخرا لا تزال عالقة في الأذهان إلى حد كبير. وهذا يعني أن أي أخطاء أخرى تتعلق بالسياسة النقدية سوف تنعكس بقوة على اتجاهات السوق. كما أن المستثمرين ما زالوا ينظرون بعين التشكك تجاه سياسات البنك المركزي الأخيرة والتي خالف بها نهجه المعتاد عبر اتباع إجراءات مالية في غاية التشدد والتحفظ، وظهرت تلك التغيرات واضحة في شهر سبتمبر الماضي عندما رفع البنك سعر الفائدة إلى 625 نقطة أساس ليصل إلى 24 في المئة بهدف تجنب الدخول في أزمة مالية شاملة.
وستبدو الفجوة الحالية في المصداقية أكثر وضوحا عندما يكون معدل التضخم المستهدف الرسمي لبلد ما 5 في المئة في حين وصل معدل التضخم المحتفى به إلى 20.3 في المئة. ومع ذلك، فإن الحجة التي يسوقها المسؤولون في مواجهة المطالب بتخفيف القيود النقدية تتجاوز بكثير مشكلة مصداقية البنك المركزي.

ففي الحقيقة، ليس من المرجح أن يتباطأ التضخم في تركيا بالسرعة التي ترغب بها الحكومة للأسباب التالية:

1-    قررت الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور لعام 2019 بنسبة 26 في المئة، وذلك مقارنة بالمعدل المستهدف للتضخم الذي حددته الحكومة بنسبة 15.9 في المئة. وجاء ذلك القرار بعد زيادة مماثلة بنسبة 20 في المئة في عام 2018. وقد شهدنا بالفعل في بداية عام 2018 زيادة في الطلب المحلي نتيجة رفع الحد الأدنى للأجور. لكن الاقتصاد التركي لم يعد مثلما كان في بداية عام 2018 عندما كان نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول يبلغ 7.4 في المئة. في الواقع، فإن توقعات النمو لهذا الربع تكاد تكون على النقيض تماما من نظيره في العام الماضي في ظل التوقعات بحدوث انكماش اقتصادي بنسبة 5 في المئة. وقد تؤدي الزيادة في الحد الأدنى للأجور بالفعل إلى زيادة معدل التضخم وتحمل المستهلكين عبء زيادة التكاليف، حيث من المحتمل أن يترك تضخم أسعار المنتجين، الذي يبلغ حاليا 34 في المئة، أثره على تضخم أسعار المستهلكين البالغة نسبته 20.3 في المئة، وذلك لأن المنتجين قد يجدون أنفسهم مجبرين على نقل بعض من التكاليف المتزايدة إلى المستهلكين.

2-    تم تمديد التخفيضات الضريبية على الاستهلاك التي تم تطبيقها في الربع الأخير من العام الماضي، لتستمر خلال الربع الأول من العام الجديد، وذلك على الرغم من أن هذه التدابير لم يكن لها أي تأثير تقريبا على الطلب المحلي بسبب ارتفاع أسعار الفائدة الحالية. على العكس، لم تؤد هذه التخفيضات سوى إلى انخفاض الإيرادات بالنسبة للحسابات العامة. وجل ما فعلته التخفيضات الضريبية هو أنها ساهمت في انخفاض تضخم أسعار المستهلكين بشكل أسرع من نسبة 25.5 في المئة في شهر أكتوبر، وهي أعلى نسبة وصل إليها في 15 عاما. ويمكن لقرار استمرار العمل بالتخفيضات الضريبية أن يساعد على انخفاض معدل تضخم أسعار المستهلكين عن نسبة 20.3 التي وصل إليها بحلول نهاية عام 2018. ومع ذلك، بمجرد رفع هذه التخفيضات الضريبية، فإن معدل التضخم سيرتفع مرة أخرى.

3-     الليرة كذلك تعد عنصرا رئيسيا في هذه المعادلة. وقد ساعد استقرار الليرة المتأخر وما صاحبه من هبوط سريع في أسعار النفط مسؤولي الحكومة على الصمود على جبهة التضخم، خاصة في شهر ديسمبر الماضي. ولكن مع تزايد المخاوف بشأن وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، بفعل تباطؤ الاقتصاد الصيني والحروب التجارية والإجراءات المتعلقة بسياسات بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، تصاعدت حدة التقلبات في قيمة عملات الأسواق الناشئة، والليرة ليست بمعزل عنها. وعندما تعاني عملة بلد ما من التقلبات في أعقاب أزمة هائلة كالتي عصفت بالليرة العام الماضي، يصبح خفض التضخم مهمة أصعب وأكثر تعقيدا.

4-    على الصعيد الداخلي، وبالنظر إلى اقتراب الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها في 31 مارس، والتي من المتوقع أن يعاني فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم من خسارة الكثير من الأصوات بفعل الأداء الكارثي لمسؤوليه في ملف الاقتصاد، آثرت الحكومة معالجة مشكلة ارتفاع الديون المعدومة في القطاع المصرفي من خلال إعادة هيكلة معظمها وإخفائها تحت ستار "القروض الجيدة". ومع ذلك، وكما أقرت هيئة الرقابة المصرفية مؤخرا، من المتوقع أن يزداد حجم الديون المعدومة بشكل سريع خلال عام 2019. وللأسف سوف تتأثر الليرة سلبا بخيارات الحكومة في التعامل مع هذه المشكلة.

وبجانب هذه المشكلات، لا يزال هناك الكثير من العوامل التي يحوطها الشك والغموض في الاقتصاد التركي مما يحول دون حدوث انخفاض سريع في التضخم. ويجادل البعض أنه طالما أن الليرة مستقرة، فالسعر الذي سيزيد اليوم لابد وأن ينخفض غدا. ولكن مع عدم وجود أي مجال لارتفاع قيمة الليرة واستمرار المستثمرين الأجانب في الهروب من الاقتصاد التركي واحتمالية أن تؤدي التخفيضات المبكرة في أسعار الفائدة إلى إضعاف عملية صنع القرار، فإن معدلات التضخم ستظل في خانة العشرات لفترة أطول مما تتوقع الحكومة. واستشرافا للمستقبل، أتوقع أن يرتفع معدل تضخم أسعار المستهلكين من 17 في المئة إلى 19 في المئة بنهاية عام 2019، وذلك بعكس تقديرات الحكومة التي تتنبأ بتباطؤ التضخم إلى 15.9 في المئة بحلول ذلك الوقت.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: