التغيير يطال أيضا الحانات التقليدية في تركيا

لطالما شكّلت الحانات التقليدية التركية التي تعرف باسم ميهاني، حيث يُقدم الطعام والمشروبات الكحولية عادة مع عزف موسيقي، جزءا أصيلا من الحياة الاجتماعية في المدن الكبرى.
لكن عدد تلك الحانات التركية في تناقص خلال السنوات الماضية، والأسباب عديدة.
اعتبرت الحانات عادة مكانا للتجمع حيث يمكن لروادها تناول مقبلات يطلق عليها اسم "المزة" واحتساء مشروبات – سواء كانت خمورا تقليدية أو الراكي، وهو مشروب كحولي آخر ممزوج بالينسون.
تعود جذور الحانات التركية التقليدية إلى حقبة الإمبراطورية العثمانية، حيث وُجدت في اسطنبول حانات راقية في القرن الخامس عشر الميلادي.
قدم الكاتب والشاعر القبرصي التركي الشهير محمد ياسين، وهو خبير في ثقافة الحانات، وصفا لشكل الحانات التقليدية.

محمد ياسين
محمد ياسين

قال ياسين "لا ينبغي أن تكون الإضاءة في الحانات معتمة للغاية ولا شديدة للغاية. صوت الموسيقى أيضا يجب أن يكون بمستوى لا يضايق الناس وهو تتحدث إلى بعضها البعض. المقبلات هي الأخرى من الضروري أن تكون بعدد معقول، ويجب كذلك أن تكون لذيذة."
يكمل ياسين وصف الحانات التقليدية فيقول إن من الضروري أن تقدم مزات مألوفة، كمخ الضأن والكبد الألباني على سبيل المثال، وكذلك الفول الأرمني المهروس، والجبنة خفيفة الملح، والليمون، والمخللات، والحلوى المملحة، والعنب المحشو، وأوراق الكرنب، والطماطم، والخيار، وصفار البيض، وكرات اللحم.
لكنه يضيف أن الحانات التقليدية التركية ليست مجرد مكان يملأ المرء فيه معدته. فالطبيعي أن يتناول الزائر القليل من المزات أثناء احتساء الخمر أو الراكي.
ويتابع "كانت هكذا في الماضي، والآن ينبغي أن تكون أيضا."
يمثل وضع المزات المناسبة مع الشراب المُقدم أمرا جوهريا. اليوم أصبح الراكي هو الشراب المفضل لرواد الحانات، لكن الأمر لم يكن دوما كذلك.
ينقل ياسين من كتاب وضعه المؤرخ العثماني مصطفى علي في النصف الثاني من القرن السادس عشر.
قال ياسين "في الجزء المخصص للخمر من الكتاب، يستفيض علي في سرد الطعام الذي ينبغي تناوله مع الخمر. فهذا الشراب، الراكي، يلائمه جدا تناول مزات جيدة الطهو، كالكباب والأسماك والكافيار واللحم البقري والمكسرات والفاكهة.
"هناك أيضا أشياء أخرى ينصح بتناولها مع الخمر، كالحساء الحامض والمحمصات وكرات اللحم والأطعمة البحرية - كالكابوريا والمحار وسرطان البحر وبلح البحر ."
في حقبة الإمبراطورية العثمانية، تعدّدت أشكال الحانات كتعدد المزات بها، بما في ذلك حانات رسمية مرخصة كانت تحصل على أختام بموافقات من السلطان، وكانت أحيانا تسمى "حانات السلطان."
وبعد ساعات العمل الرسمية، كان التجار يحولون محالهم إلى حانات غير قانونية، حيث يبيعون فيها الخمر والراكي.
كانت هناك كذلك حانات متنقلة.
قال ياسين "كان العمال في هذه الحانات يعلقون أمعاء الضأن حول الخصر حيث يملأونها بالراكي أو الخمر. وفي نهاية تلك الأمعاء كان يوضع شريط لاصق لمنع انسكاب المشروبات بينما يضع العمال أكوابا في جيوبهم."
قُدر عدد الحانات في اسطنبول في تلك الفترة بما يزيد على عشرة آلاف، وفقا لأوليا جلبي وهو كاتب عثماني.
لكن هذا لا يعني انتشار ثقافة الحانات في باقي أنحاء البلاد. فياسين يقول إن مدينة أناتوليا على سبيل المثال كانت فقيرة في عدد الحانات.
يضيف الكاتب "لم يكن للحانات جذور في أناتوليا. فلم تفتح هناك حانات جديدة بينما أغلقت الحانات القديمة أبوابها الواحدة تلو الأخرى بسبب الضغوط في المناطق التي كانت توجد بها."
ويتابع "كان على أهل أناتوليا تجرع مرارة أحزانهم في منازلهم."
أحد الأمثلة التي ساقها ياسين كانت مدينة كونيا ذات الطابع المحافظ والتي لم يكن بها أي حانات، لكن سكانها كانوا بين الأكثر استهلاكا للراكي بين جميع المناطق التركية.
قال ياسين إن السبب وراء قلة عدد الحانات في أناتوليا كان افتقار أهلها لثقافة الخروج والسهر.
وأضاف "كان عدد المطاعم المتوسطة التي تقدم وجبات في المساء قليلا للغاية. في أناتوليا بصفة خاصة لا تخرج العائلات عادة لتناول العشاء. في الواقع، كانت العائلات التي تتناول عشاءها في الخارج توصم بين سكان الحي."
 

سيما تيميزكان
سيما تيميزكان

لكن ثقافة الحانات في المدن الكبرى بتركيا آخذة في التراجع أيضا.
فالحانات كانت في فترة ما أماكن يمكن فيها للرواد احتساء المشروبات وتناول المزات والانخراط في المناقشات.
تقول شيما تيميزكان، وهي أيضا خبيرة أطعمة، إن ثقافة الحانات التقليدية التي تتذكرها من فترة طفولتها، التي تسمى الميهاني في تركيا، تراجعت لتحل محلها ثقافة الخمّارات الحديثة.
تتذكر تيميزكان كيف كان والدها يصطحبها إلى ممر جيجيك، وهو ممر به العديد من الميهاني في ضاحية بيو أوغلو باسطنبول برفقة صديقه أوجوز.
وقالت تيميزكان "كانا يتحدثان في السياسة والرياضة، ولم تصدر عنهما ولو كلمة واحدة غير لائقة بحق شخص ما. كانت طاولتنا في مدخل ممر جيجيك. لم يكن مهما إن كنت تعرفهما أم لا، بل كان الناس يحيون أبي وصديقه أوجوز لدى رؤيتهما."
وفقا لوصف تيميزكان، فإن الحراك الاجتماعي أفرز ما تصفه بأنه "ثقافة التضامن والمشاركة في الحانات التقليدية."
وتضيف "أحد الأسباب وراء هذا التغيير هو التكنولوجيا، التي غيرت حياتنا بشكل كلي. فالآن نشعر بالاضطراب إن نسينا هواتفنا المحمولة."
ينقل صالح أصلان، الذي أدار حانة تقليدية في حي بيو أوغلو باسطنبول على مدى خمسة وعشرين عاما، مشاعر مماثلة.

صالح أصلان
صالح أصلان

يقول أصلان "كنت دائما أبحث عن المناقشات، كان هذا قبل خمسة عشر أو عشرين عاما.. كان بوسع الشبان صغار السن أبناء الطبقة المتوسطة والناس الأكبر سنا إقامة حوار بشكل جيد للغاية داخل الحانات التقليدية.
"كانت المجموعات التي لا تعرف بعضها بعضا تنضم للطاولات معا بعد محادثة قصيرة. نحن إلى تلك الأيام."
وبسؤاله عما يعتقد أنه تغير، قال إن غالبية مرتادي الحانات التقليدية في السنوات الماضية إما رحلوا عن اسطنبول أو انتقلوا إلى مناطق أكثر تحررا على سواحل بحر إيجه أو البحر المتوسط، أو سافروا للخارج."
ويقول ياسين إن الحانات التقليدية في تركيا لم تكن تعرف حضورا قويا للمرأة.

حانة تقليدية

ويضيف ياسين "بعد ستينات القرن العشرين، بدأت النساء في ارتياد الحانات التقليدية. كان هذا مقتصرا على المدن الكبرى. كان من المستحيل أن تشاهد امرأة في مكان يقدم الخمور في أناتوليا. كانت أي امرأة تشاهد وفي يدها كأس تُطرد بواسطة الناس من حولها."
وحتى في المدن الكبرى، كانت النساء عُرضة للتحرش من الغالبية الذكورية بين الرواد. وقالت الصحفية توبا بايكال إنها تفضل الأماكن التي تعرفها وتثق بها."
وتابعت قائلة "ذهبت إلى الحانات على مدار أربعة عشر عاما. تكونت لدي معرفة بالأماكن الآمنة وبغيرها. حين أتعرض لموقف مثل التحرش، أفضل الأماكن التي أعرف أن المدير فيها سيكون في صفي."
وقال أصلان إن عدد الزائرات كان أكبر خلال تسعينات القرن العشرين، فهن، والكلام لأصلان، لم يعدن يشعرن بالأمان في الحانات الموجودة في حي بيو أوغلو.
وأضاف "كثير من النساء يرغبن في تجنب مضايقات رجال يلتقطن لهن صورا بهواتف محمولة."
لكن بعض النسوة من مرتادي الحانات التقليدية لا يشعرن بالخوف.
تقول بايكال "الثقافة الذكورية مسيطرة على المناطق في تركيا. والشوارع كذلك أيضا. نحن النساء لن نتوقف عن الذهاب إلى الحانات التقليدية. سنغير ثقافة الحانات التقليدية ونحولها إلى شئ آخر."
لكن أخريات يرون أن ثقافة الحانات التقليدية تتغير إلى الأفضل.
تقول إيلين أكيول، التي اعتادت الذهاب إلى الحانات التقليدية منذ عشرين عاما "الآن أصبح ذهاب النساء إلى الحانات التقليدية أمرا مألوفا.. تطالني نظرات مختلسة هنا وهناك، لكني لا أبالي. يجب أن تتصرف النساء بهذه الطريقة، فإن اعتدن الاهتمام بسفائف الأمور، فلن تشعر امرأة بالراحة في أي مكان."
وتضيف "لا يحدث تحرش في الحانات التقليدية، بينما تتعرض النساء للتحرش في أي مكان آخر من البلاد."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/shift-turkish-tavern-culture