هشام النجار
نوفمبر 20 2017

التماثل بين تركيا والإخوان وضع أنقرة في عداء مع دول كثيرة

بعد تفاعلات ما عرف بالربيع العربي وجدت جماعة الإخوان في مصر نفسها في موقف نادر يمنحها مزية الإشراف على عملية تأسيس مصر الجديدة كواسطة عقد بين التيارين السلفي والمدني.

كان بامكانها القيام بأمرين اثنين لتطوي صفحة ماضيها الدموي وترقى لمصاف النخبة والشراكة الوطنية والعمل السياسي في الفضاء الشرعي المفتوح بعد عقود من محاولات تسول الإعتراف بها ومعاملتها ككيان رسمي، الأول الانحياز للتيار المدني والتعاون معه بتجرد ومصداقية، والثاني استئناف مسار الإصلاح الديني الذي تسببت الجماعة نفسها في تخريبه.

المفارقة اللافتة أن تركيا كقوة وازنة بين العالمين الإسلامي والغربي، صادفها نفس التحدي لكن على مستوى أوسع وأضخم، فالحضور الإقليمي التركي في المنطقة يتيح لها القيام بمبادرات وساطة متعددة كونها تقف على مسافة واحدة من كل الأطراف وهو ما أقدمت عليه خلال الفترة من عام 2002 وحتى عام 2010.

واتجهت إليها أنظار العالم لتلعب دورًا في الإصلاح الديني وتجفيف منابع التطرف من خلال نموذج حضاري يجمع بين العصرنة الغربية والروح الإسلامية الشرقية.

ولأسباب متعلقة بالقصور الذاتي انحازت جماعة الإخوان بمصر حينها للبؤر الرجعية المتشددة، وللتأويلات المتجاوزة للنص الإسلامي بما تحمله من رؤى تقليدية تقيد العقل وتعطل الحريات الإنسانية، واختارت التصالح مع ماضيها العنيف الصدامي مع الأنظمة والمجتمعات بدلًا من التصالح مع الواقع، علاوة على التحالف مع أعتى الفصائل الإسلامية تكفيرًا وغلوًا في الساحة.

وما يعرف بالإسلام السياسي ما هو إلا "إسلام أصولي متشدد ومسيس، وهو يستخدم لأغراض أكثر من دينية وأن الغرض منه تخريب عقلية الأمة وفرض رأي معين عليها بدل السماح لها بأن تقرر حياتها وتوجهها بنفسها"، وعلى الرغم من ذلك تحالفت تركيا الأردوغانية معه على علاته المنهجية وقناعاته المتطرفة.

الاختيار في الحالتين كان نفعيًا واستحال تحالف تركيا الأردوغانية مع جماعة الإخوان من جهة وتحالف الإخوان مع السلفية الجهادية من جهة اختيارًا مذهبيًا، زايد كلاهما به على الدين وتملقا الأكثر وحشية وتشددًا تكتيلًا لهم خلفهما.

لم تكن المنطقة العربية تعانى من مشكلة إرهاب معقدة قبل التعاطي الإقليمي مع الظاهرة بالاحتواء والدعم، وكان حضور هذه التنظيمات إما على هيئة جماعات وكيانات كامنة تظهر التأقلم والاندماج مع مجتمعاتها ومع الأنظمة السياسية، أو مجموعات جهادية مشتتة وضعيفة.

ولم تستفحل إلا بعد توظيفها سياسيًا من الخارج، فأعطت المطامع الخارجية هذه التنظيمات قبلة الحياة ومنحتها من الدوافع والآمال السياسية ما تتجرأ به على أنظمتها ودولها، بعد أن كادت تضمحل ذاتيًا، مع ما أحدثه الحراك السلمي غير المؤدلج من تغييرات فارقة لم يقدر الإسلاميون طوال تاريخهم على صنعها.

منح أردوغان جماعات الإسلام السياسي في البلدان العربية هذا النفوذ الطاغي فى المشهدين الدولي والإقليمي بعد أن كان أفولها وشيكًا بالداخل العربي، بسبب فقدانها مسوغات الحضور، ولعدم إمتلاكها المشروع الفكري والسياسي المتكامل القابل للإقناع والصمود.

سعت تركيا لتحقيق حلمها في خلافة إسلامية تحت قيادة عثمانية جديدة، فطوت سياسة "تصفير المشاكل" التي تحدث عنها أحمد داود أغلو عام 2013 في محاضرة ألقاها بالقاهرة وقت أن كان وزيرًا للخارجية، متعهدًا بمساهمة تركيا كدولة مركزية في إقليمها الجغرافي المتعدد في اقامة نظام إقليمي خال من الصراعات.

وسعت جماعة الإخوان قبلها لإقامة خلافة أممية تحقيقًا لتنظيرات مؤسسيها، لذلك أخلت بما تعهدت به للقوى المدنية، فنافست على الأغلبية البرلمانية بعدما وعدت ألا تفعل، وتقدمت للمنافسة على كرسي الرئاسة بعدما أقسم قادتها أن هذا المنصب ليس في خططها.

صعود حزب العدالة والتنمية منذ العام 2002 رافقته نزعات راوحت بين عثمانية جديدة ومحاولات خلق نموذج حزب إسلامي متكيف مع العلمانية، وصولًا لما وصفه هنري كيسنجر وزير الخارجية المريكي السبق في مقالة عنوانها "فوضى ونظام في عالم متغير"، بتحول تركيا في عهد أردوغان من دولة علمانية إلى قوة إسلامية أيديولوجية.

لا نقدر على تسميته تحولًا بالنسبة للإخوان لكنها حرصت في مرحلة ما إظهارًا لحسن النوايا على تقديم نفسها كتيار مدني بمرجعية إسلامية يقبل بالتعددية والتداول والحريات، وهي منهجيًا وتطبيقًا لا تمت بصلة لتلك المزاعم، وظهرت هذه الحقيقة واضحة عندما وضعت في الاختبار العملي، فهي لا تختلف في ممارساتها وقناعاتها وأهدافها عن أي تنظيم سلفي متطرف وتكفيري.

تطلع تركيا وجماعة الإخوان للخلافة والتمدد كان دافعًا للعنف السياسي والديني، مع تبريره بالسعي لتحقيق أهداف نبيلة وخالدة من عينة تحرير الإنسانية وتخليص العالم من الشرور، ونتج عن ذلك ما تحدث عنه ريتشارد ميتشل بشأن جماعة الإخوان من "احساس ذاتي بالصلاح وغرور متصلب الأمر الذي ساعد على ايجاد فجوة لا يمكن تخطيها بين أعضاء الجماعة والمصريين".

وهي الفجوة التي وجدت بين تركيا والدول العربية من جهة وبينها وبين أوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى، فأحاديث الإسلام السياسي في تركيا ومصر تستمرئ الاعتماد على الأساطير وتزعم لأردوغان ذكاءً خارقًا، وتصفه بإمام العصر وخليفة الزمان المتوج، وإمساكه بكافة خطوط اللعبة الإقليمية ومعرفته التامة بنتائج تحالفاته ومواقفه، لدرجة الزعم بأنه إذا فشل في أمر ما فلابد وأن يكون هناك غرض مقصود ليحقق مكسبًا من ورائه لا يراه غيره.

صارت حكومة العدالة والتنمية لا تختلف عن أي تنظيم إسلامي في العالم العربي، فهي تقود تركيا بمنطق وأدبيات الجماعة لا الدولة، والمنهج يكاد يكون متطابق بشأن ملفات الانفراد بالسلطة والحكم الشمولي والعصف بالمعارضة السياسية وتأميم الحريات.

التفكير بالعقلية الأممية الإخوانية جعل تركيا تفقد صلاتها وعلاقاتها بعدد من الدول العربية وشعوبها، وهو ما ورط الجيش التركي في الساحتين السورية والعراقية، وأفقد أنقرة صدقيتها، كما فقدت دورها كوسيط محايد ونزيه بل وشريك في مشاريع الإقليم السياسية.

الخصومة مع بعض دول العالم وعداوته تحدث عنها مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا وتنبأ بها لتنظيمه، لأنه يدرك ردود أفعال وتبعات توسع كيان ما وسعيه في الظهور كعملاق عددًا ونفوذًا وانتشارًا جغرافيًا.

ما بين البداية والنهاية رابط الثقة الغربية التي بذلت لأردوغان ليتقدم كونه الأقدر على ترويض جماعة الإخوان لتصبح مهيئة ومستحقة للتعامل مع الغربيين، وهو النموذج الذي انتهى اليوم بإغراق أوروبا بنحو مليون لاجئ والعبث بأمن الدول الأوروبية وتغذية الأتراك بكراهية الولايات المتحدة.

جموح تركيا أصابها بنكسة سياسية كبيرة، وأفقدها حضورها وتأثيرها على المستوى الرسمي والشعبي، وهو ما حدث لجماعة الإخوان التي لم تمر على طول تاريخها بانتكاسة مثل التي تعيشها الآن، حيث فقدت الأمل في العودة للمشهد السياسي وانخرطت في العنف والتكفير وخسرت رصيدها الجماهيري في الشارع.

القرضاوي و اردوغان
القرضاوي و اردوغان