نوفمبر 16 2017

التمركز الأخواني – التركي في قطر .. ابعاد ونتائج

خمسة عشر زيارة قام بها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى قطر منذ صعوده وتقلده منصبي رئاسة الوزراء ثم رئاسة الجمهورية منذ العام 2003 حتى الان.
وهي فضلا عن ذلك الزيارة الثالثة له خلال تسعة أشهر، والثانية منذ بدء الأزمة الخليجية، في حزيران الماضي.
هذه القمة الأخيرة، هي القمة الـ15 بين الطرفين، خلال الـ39 شهراً الماضية، بمتوسط قمة كل شهرين ونصف الشهر، وهو رقم قياسي في تاريخ العلاقات بين البلدين، وربما في تاريخ العلاقات الدولية.
وتأتي هذه القمة بعد شهرين من قمة أنقرة، في 14 سبتمبر الماضي، خلال أول زيارة خارجية لأمير قطر، بعد اندلاع الأزمة الخليجية، حيث كانت تركيا هي وجهته الأولى.
وقبل قمة أنقرة عقدت قمتان العام الجاري، إحداهما في 24 يوليو الماضي، خلال جولة لأردوغان استهدفت الدفع نحو حل الأزمة الخليجية، وقبلها عقدت قمة بالدوحة، يوم 14 فبراير الماضي.
وجاءت قمة الدوحة بعد شهرين من قمة طرابزون، التي عقد خلالها الاجتماع الثاني للجنة الاستراتيجية العليا المشتركة، برئاسة زعيمي البلدين، يوم 18 ديسمبر 2016.
وقمة طرابزون هي إحدى خمس قمم تركية- قطرية خلال 2016، فيما شهد العام السابق له أربع قمم، توجت بانعقاد الاجتماع الأول للجنة الاستراتيجية العليا، خلال زيارة أردوغان لقطر، يوم 1 ديسمبر 2015 .

خمسة عشر زيارة قام بها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى قطر
خمسة عشر زيارة قام بها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى قطر

بينما شهد عام 2014 قمتان، إحداهما وقع البلدان خلالها على مذكرة تفاهم لتأسيس لجنة للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، أثناء زيارة أمير قطر لأنقرة، يوم 19 ديسمبر 2014، واستبقتها قمة عقدت خلال زيارة أردوغان لقطر، يومي 14 و15 سبتمبر 2014، وكانت زيارة أردوغان هي الأولى لدولة عربية بعد تسلمه الرئاسة.
وخلال هذه القمم تم توقيع أكثر من 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم وتعاون في كافة المجالات، وقد ارتفعت إلى 40 اتفاقية في ختام زيارة أردوغان الاخيرة.
وسارت تلك القمم بخطى ثابتة وسريعة نحو تعزيز العلاقات المشتركة، إذ جرى خلال قمم 2014 وضع أسس وقواعد لشراكة استراتيجية، بإنشاء لجنة استراتيجية عليا بين البلدين، والاهم هو إقامة قاعدة عسكرية تركية في قطر، ونشر قوات برية تركية فيها ، ضمن اتفاقية وقعها البلدان في 19 ديسمبر 2014.
وعلى اثر ذلك أجرى البلدان العديد من المناورات العسكرية كان آخرها بين 5و6 أغسطس الماضي باسم "الدرع الحديدي"، أعقبتها مناورات بحرية مشتركة يومي 6و7 من الشهر نفسه، وذلك تفعيلاً لبنود الاتفاقيات الدفاعية بين البلدين.
اقتصادياً، بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وقطر 700 مليون دولار، في 2016، صعوداً من 15 مليوناً مطلع الألفية الحالية، مع توقعات بزيادة التبادل العام الجاري، في ظل التعاون المتنامي بين البلدين.
وبلغت الاستثمارات القطرية في تركيا، بين 2011 و2016، نحو 1.29 مليار دولار وحالياً يوجد في قطر حوالي 186 شركة قطرية تركية مشتركة، وحوالي 19 شركة تركية بملكية كاملة، وفقا لأرقام غرفة تجارة قطر.
ونشرت تركيا قوات برية في ثكنة طارق بن زياد بقطر في إطار اتفاقية وقعت بين أنقرة والدوحة في 19 كانون الأول 2014.
وأجرت القوات التركية والقطرية أكبر مناورات عسكرية مشتركة بين البلدين تحت اسم "مناورات النصر- 2015"، وذلك في  أكتوبر 2015.

اردوغان في القاعدة العسكرية في قطر
اردوغان في القاعدة العسكرية في قطر

هذا العدد القياسي من الزيارات والقمم فضلا عن توقيع عشرات الاتفاقيات التي توجها الاتفاق على انشاء ثم افتتاح القاعدة العسكرية التركية في قطر تفصح عن مستوى التعاون الوثيق بين البلدين.
فالقيادتان تدخلتا بشكل مباشر في الازمة السورية وكانت لهما علاقات مباشرة في دعم العديد من الجماعات المسلحة التي ادرج بعضها على لائحة الإرهاب الدولي كجماعة النصرة.
لكن محور هذه العلاقة الاستراتيجية وتفاعلاتها يعود فضلا عن المصالح الاستراتيجية بين الطرفين الى العقدة الايديولوجية التي يتبانها الاثنان بشكل مباشر ممثلة في فكر الاخوان المسلمين.
فحزب العدالة والتنمية واردوغان شخصيا يشكلان ظاهرة اخوانية متنامية على الساحة التركية، هي نسخة مختلفة عن الأحزاب والجماعات الدينية التي نشأت على الساحة التركية.
واذا القينا على تلك الأرضية التي انطلق منها اردوغان واستثمر فيها سنكتشف كم التناقضات واللعب على المصالح والخداع الذي مارسه لتكريس صورة زعامة توتاليتارية بصبغة إسلامية/ اخوانية.
 كان على رأس المجموعات التي حاولت الاستفادة من المكانة الشعبية للإسلام في تركيا نجم الدين أربكان الذي تحالف مع الحركة النورسية، وهي جماعة منهجها مثل منهج الإخوان، وتدرس رسائل الإمام البنا وكتب الإخوان المسلمين.
 أسس حزب نجم الدين أربكان ماعرف "النظام الوطني" في العام  1970، وكان أول تنظيم سياسي ذا هوية إسلامية تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ سقوط الخلافة عام 1924. ولكن تم حله، بعد انقلاب 1971.
إثر انتخابات العام 1973 شكل حزب السلامة مع حزب الشعب ائتلافاً وزاريًا أحرز فيه أربكان منصب نائب رئيس الوزراء، كما نال الحزب سبع وزارات .
 ثم تأسس حزب الرفاه في عام 1983 عندما سمح النظام العسكري بتكوين الأحزاب، فسارعت مجموعة نجم الدين أربكان إلى تكوين هذا الحزب، وخاض الرفاه جولات الانتخابات البلدية والتشريعية منذ تأسيسه وحقق تقدماً مضطرداً.
 دفعت الانتخابات البلدية لعام 1994 بحزب الرفاه إلى ساحة الاهتمام العالمي والإقليمي ونظراً لفوزه في أكثر من 400 بلدية، كان أهمها بلدية أنقرة وبلدية إسطنبول.

اردوغان ونجم الدين اربكان
نجم الدين اربكان واردوغان : التلميذ واستاذه

كانت هذه هي الأرضية التي مهدت لسطوع نجم اردوغان من خلال سلوك الانتهازية السياسية الى اقصى درجاتها: الانتماء الإسلامي العلني المؤدلج ومغازلة التيارات والقوى الإسلامية الفاعلة.
لم يكن مستغربا ساعتئذ ان يكون عدو اليوم الداعية فتح الله غولن وحركته الضخمة الممتدة على امتداد التراب التركي هو صديق وحليف الامس بالنسبة لاردوغان بل انه كان بمثابة التلميذ الصغير امام استاذه غولن قبل ان ينقلب عليه.
السلوك الاخواني يتكرر ويسنتسخ بعضه بعضا فبعد ان مرر اردوغان شعاراته الاخوانية وكسب دعم جميع الأطراف ولم يتورع عن الادعاء بالولاء لعلمانية الدولة انقض على الجميع ليكرس نفسه القطب الاخواني الأوحد والإسلامي العثماني القائد الذي يمكن ان يصبح علمانيا في اللحظة ذاتها اذا اقتضى الامر.

الاستقطاب الاخواني بدعم قطري - تركي
الاستقطاب الاخواني بدعم قطري - تركي

كانت قطر ارضا اخوانية بامتياز وبدأ النمو الاخواني فيها منذ السبعينيات بحسب موقع "ريل كلير ديفينس" وكان ما عرف بثورات الربيع العربي هو الذي عمق العلاقات القطرية التركية .
كلا الزعامتين دعمتا بقوة ذلك الصعود الاخواني واصطفتا بقوة وراء أنظمة الحكم الاخوانية في مصر وتونس وسعتا بنفس المستوى لصعود اخواني مماثل في سوريا وليبيا علّ الحرب الاهلية في البلدين تثمر عن انتصار الاخوان في تلك الحرب .
كان ذلك السلوك استفزازيا بشكل مباشر لكل من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة اللتان قاومتا صعود تلك التيارات الاخوانية ونزعتها الشمولية في ترويج الإسلام السياسي بنسخة قطرية – تركية.
 

دعم الجماعات المتطرفة بتنسيق قطري - تركي
دعم الجماعات المتطرفة بتنسيق قطري - تركي

ولهذا كانت الازمة الخليجية سببا في كشف التكامل الاخواني القطري – التركي الذي تطور بسرعة غير مسبوقة الى تعاون عسكري ونقل أسلحة ومعدات وكتائب حربية تركية الى قاعدة عسكرية في قطر.
خلال ذلك كان التنظيم العالمي للاخوان الذي يتزعمه الشيخ القرضاوي يمارس دوره كاملا في الترويج لهذا التحالف على انه مهمة إسلامية – اخوانية واجبة وانه مجد عثماني جديد يسطع في سماء الخليج.
كان اردوغان في كال خطوة يتكامل بها مع قطر يبتعد بنفس المقدار عن شريك وصديق استراتيجي هو المملكة السعودية ولم تنقطع التصريحات التركية في مساندة قطر والوقوف معها .
لكن ما يلفت النظر اكثر من ذلك كله هو الرسالة التي سعى الثنائي القطري التركي توجيهها للمنطقة بأسرها وهو ان التمركز الاخواني – التركي – القطري صار حقيقة واقعة وليس محميا اقتصاديا فقط هذه المرة بل محميّا بقوة السلاح.
اردوغان وهو يستعرض كتائب جيشه في قطر وجه رسالة مزدوجة لدول الإقليم وخاصة دول الخليج وتاليا الى الرأي العام العربي والعالمي مفادها: ان الدفاع عن المشروع الاخواني صار يكتسب شكل سياسة ونهج دولة وان قطر بوصفها قاعدة اخوانية سيجري الدفاع عنها بالسلاح اذا اقتضى الامر.