هيرقل ميلس
أبريل 27 2019

التهميش في المجتمع التركي والرسوم الكاريكاتورية

 

هناك بعض الفئات يتم تهميشها وقمعها في تركيا بصورة دورية؛ مثل العلويين والأرمن والعثمانيين واليهود والأكراد واليونانيين واليساريين والإسلاميين والقوميين وأتباع فتح الله غولن. وكما تتشابه فيما بينها هذه الضغوط المفروضة على تلك الفئات، تتباين أيضًا.
الاختلافات تعتبر طبيعية بطريقة ما؛ لأن الفترات وكذلك "الإمكانيات" كانت مختلفة. فمثلًا يد الدولة تكون أكثر حرية خلال إحدى الحروب العالمية، كما أنه من الصعب بالنسبة لحكومة تابعة لحلف الناتو أن تتجاهل بعض الضغوط الخارجية.
في هذا المقال لن أركز كثيرًا على أوجه التشابه، فالخصائص الأساسية لأوجه التشابه هي أن الضغوط تنشأ من الدولة وتدعمها أيضًا في كل الأحوال، ويتم تقديمها "ملائمة للقوانين"، أي أنها تعتبر مشروعة عبر تكييفها مع حسابات الدولة، وبعد فترة من الوقت يتم التعامل مع هذه الضغوط وكأنها لم تحدث مطلقًا.
ثمة خاصية أخرى، وهي أنه لم تُرصد ردود فعل لدى الرأي العام خلال الوقت الذي تمارس فيه تلك الضغوط. فأوجه الشبه هذه قد تكون موضوعًا لمقال آخر. أما الآن فإنني أود التطرق إلى الفرق الوحيد الذي لفت انتباهي، إلى الرسوم الكاريكاتورية ذات الصلة.
على حين كانت الحروب تتواصل بين البلاد والشعوب في القرن المنصرم، يبدو استمرار حروب الرسوم المتحركة الحدث الأكثر انتشارًا في العالم أجمع. لذلك نجد أنه خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية نُشرت رسوم كاريكاتورية لا نهاية لها تتعلق بالعدو.
رسوم يظهر العدو فيها سيئًا وغبيًا وجبانًا وقاسيًا، أما الطرف "نحن" فيتم رسمه على خلاف ذلك؛ ساميًا ورفيعًا. وبطبيعة الحال لا اهتمام بمعاناة الطرف الآخر في هذه الرسوم الكاريكاتورية. على العكس تمامًا؛ ربما نرى أن هناك امتنانًا لمعاناته. فمثلًا يجرون كالجرذان بينما تتساقط قنابلنا فوقهم. باختصار؛ ثمة قسوة فيما يتعلق بالعدو.
كانت هذه النوعية من الرسوم الكاريكاتورية تصدر في كثير من الأحيان في الصحف والمجلات –مثل ضريبة الأملاك وأحداث 6/7 سبتمبر 1955- خلال أعمال التهميش الموجهة للأقليات غير المسلمة. صورة اليهود كان يمثلها رجال الأعمال الذين ازدادت أوزانهم بصورة مفرطة بسبب استغلالهم للأتراك، أما اليونانيون فكانوا أعداء تركيا الخونة والمتعصبين. كان لرؤية اضطهاد هؤلاء في صورة رسوم تأثير يثير نوعًا من الرضى لدى المتلقي فكان الواحد وكأنه يتنفس الصعداء حين يرى ذلك.
نوع آخر من الرسوم الكاريكاتورية يعني العدو الداخلي، مثلته رسوم للأشخاص "المتعصبين" استمرت منذ السنوات الأولى للجمهورية وحتى أعوام 1980. فكانت هذ الرسوم الكاريكاتورية لأشخاص ملتحين يلبسون الجلابيب، وباختصار يمثلون "الماضي" و"التخلف".
أما النساء فكان يتم رسمهن وقد ارتدين الشراشف السوداء.
كان الأشخاص المرسومون غير مرغوب فيهم، بل ويُعتبرون تهديدًا وخطرًا.
بالطبع كانت هذه الرسوم الكاريكاتورية تعكس وجهة النظر الرسمية. وقد كان الموقف بالنسبة للأقليات موازيًا لسياسة الدولة. الفرق بين هذين النوعين من الرسوم الكاريكاتورية كان هو الموقف من الآلام التي يعانيها الناس. كان هناك شعور بالمتعة من الألم الناشئ عن رسوم الأقليات، بينما لم تكن هناك متعة في الموقف الثاني. وكان يتم تسليط الضوء على السبب في كون الطرف الآخر يمثل تهديدًا وخطرًا.
أعتقد أنه في الحالات التي ليس فيها شعور بالانزعاج مما يتم فعله كانت "القسوة" سائدة في الرسوم الكاريكاتورية، أما في الحالات التي لم تحظ بالترحاب فلم تكن هناك "متعة"، كان العداء والشعور بالتهديد والنقد السياسي فحسب هو السمة الرئيسة لتلك الرسوم الكاريكاتورية.
بمعنى أن أولئك الذين ينزعجون مما يُفعل ويُرتكب لا يرسمون رسومًا كاريكاتورية مؤيدة لذلك، وعندما تتجاوز القسوة أبعادًا معينة ويصل القمع المفروض مستوى الوعي يصبح الجانب "الكوميدي" في الرسم الكاريكاتوري بلا معنى. فمثلًا نُشرت العديد من الرسوم الكاريكاتورية بشأن اليونانيين والقبارصة في الصحف التركية قبل أحداث 6/7 سبتمبر 1955.
كان معظمها متعلقًًا بقبرص. وبعد أن تفجرت الأوضاع وتمت مهاجمة حوانيت الأقليات ومنازلهم لم يتم فجأة، ولفترة طويلة، نشر أية رسوم في هذا الشأن. وأصبحت حادثة قبرص وكأنها لم تكن! (على سبيل المثال انظر: هـ. ميلاس، ما يسمى القومية البريئة).
إذا كان تقديري هذا صحيحًا يمكننا الوصول إلى نتائج متفائلة بالنسبة للمجتمع التركي. فعلى الرغم من تهميش شرائح مجتمعية مثل العلويين والأكراد والجماعات من قبل الدولة فإن عدم انتشار رسوم كاريكاتورية في هذا المجال بشكل كبير يُعدُّ علامة إيجابية؛ فالمجتمع لا يعتبر هذه الفئات "أعداء".
أما فيما يتعلق بمعاناتهم فقد كانوا يلتزمون الصمت بسبب خوفهم من مواجهة الدولة التي تمارس القمع ضدهم أساسًا، ولكنهم كانوا على الأقل لا يضحكون ولا يتسلون بالرسوم الكاريكاتورية المنشورة. أما الرسوم التي تشعر بالطمأنينة لمعاناة المضطهدين فلم أرها أنا على الأقل.
يمكن رؤية رسوم كاريكاتورية تصور الأكراد وأتباع فتح الله غولن كتهديد (إرهاب) وفقًا للطرح الرسمي، ولكن الرسوم الكاريكاتورية التي تظهر معاناتهم الآلام فتبدو وكأنها غير موجودة.
فالرسوم المنشورة في هذا الإطار كما أنها تتصل بالأشخاص "المتعصبين" الذين كانوا في فترة الحزب الواحد، كانت تظهر عناصر التهديد فقط.
إنني اعتبر عدم وجود رسوم كاريكاتورية من هذا النوع أمرًا جيدًا. فبالرغم من كل هذا التهميش يبدو أن مفهوم "العدو الداخلي" لم يترسخ لدى المجتمع على أية حال. أرى أنَّ أحدًا لم يرضَ بالتسلي بأولئك المضطهدين والمنسحقين ومن قُضي عليهم بالمذابح.
من الواضح أن النساء والشيوخ والعوائل الذين يهرعون في ذعر وهلع لم يتحولوا إلى شيء مُضحك.
أعتبر ظاهرة الرسوم الكاريكاتورية في تركيا المظلمة هذه علامة على التفاؤل. وبالتالي فالمجتمع لم يفقد تمامًا الحس السليم. بمعنى أن الانهيار الأخلاقي لم يصل إلى نقطة اللا عودة.
وعلى الرغم من المحاولة الأخيرة للاعتداء والقتل اعتبرتُ هذه الظاهرة علامة باعثة على الأمل تزامنًَا مع نتائج الانتخابات، وأردت مشاركتها مع القراء.
 
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/toplum/otekilestirme-ve-karikatur
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.