غوكهان باجيك
مايو 25 2018

التوجهات الإسلامية المتنوعة والإسلاميون في تركيا

أثارت قضية نجيب عبد الرزاق، رئيس وزراء ماليزيا الإسلامي السابق الذي داهمت الشرطة منزله في إطار تحقيق في فساد بعدما خسر الانتخابات، جدلا حول نموذج التوجه الإسلامي في منطقة المحيط الهادي.

ودمر عبد الرزاق فعليا المقومات المدنية للحركة الإسلامية في ماليزيا، من خلال تحديد شكل بديل أعيد فيه طرح السلطة الإدارية للدولة باعتبارها الوكيل الرئيسي لأجندة إسلامية. ولذلك، فإن دراسة التوجه الإسلامي لعبد الرزاق حالة مهمة لفهم التحول العالمي للتوجه الإسلامي.

كما أن حالة التوجه الإسلامي في منطقة المحيط الهادي تساعد أيضا على فهم أزمة التوجه الإسلامي في تركيا.

وبالنظر إلى الماضي، فما نعلمه كتوجه إسلامي كلاسيكي يضرب بجذوره في الشرق الأوسط. فالتوجه الإسلامي الذي نراه في شكله الشعبوي اليوم هو في أغلبه من إنتاج عدد من المفكرين مثل سيد قطب وحسن البنا.

إن نموذج التوجه الإسلامي لقطب وآخرين هو ما أثر في الجماهير في كثير من البلدان ومنها تركيا. 

وهناك ثلاث سمات للتوجه الإسلامي الكلاسيكي تتطلب الاهتمام. أولا، تبني التوجه الإسلامي الكلاسيكي للديمقراطية الحديثة كان متحفظا. بمعنى آخر، أنه طرح ديمقراطية إسلامية تكون الكلمة الأخيرة فيها للإسلام وليس لغرض علماني.

ولذلك فإن الأسس الإيديولوجية للتوجه الإسلامي لم تكن قط متوافقة مع الديمقراطية الغربية.

ثانيا، قدم التوجه الإسلامي نفسه، على غرار الماركسية، كإيديولوجية عالمية. غير أنه كان اتجاها شموليا فرديا- واستبداديا حتما بطريقة أو بأخرى- نظرا لأن الإسلاميين يعتقدون أنه بمجرد أن ينجحوا في وضع أجندتهم موضع التنفيذ فلن تكون هناك حاجة إلى إيديولوجية أخرى. 

وأخيرا، من الناحية الاجتماعية، فالإسلام الكلاسيكي هو إيديولوجية أهل الحضر الجدد في أنحاء الشرق الأوسط، الذين لا يزالون تحت تأثير ثقافتهم التقليدية ويواجهون مشكلات اقتصادية كبيرة. ومن ثم فقد برز كصوت للمضطهدين ينطوي على حديث قاسٍ مناهض للرأسمالية العالمية.

غير أنه بحلول الثمانينيات، كان النموذج الإسلامي في منطقة المحيط الهادي قد برز بالفعل كرسالة سياسية بديلة وجادة تختلف عن التوجه الإسلامي الكلاسيكي. 

وسرعان ما أصبح نموذجه العالمي، وهو النموذج الماليزي، مصدر إلهام للإسلاميين في أنحاء العالم بما في ذلك في تركيا ومنطقة البلقان ودول الخليج.

وكما هو متوقع، فقد أولى الجيل الحضري الجديد من الإسلاميين الأتراك اهتماما كبيرا بالنموذج الإسلامي في منطقة المحيط الهادي. وزار كثير من الأكاديميين والطلاب ماليزيا، وعادوا إلى بلادهم بمفاهيم رئيسة عن نموذج منطقة المحيط الهادي للرسالة الإسلامية. 

وفي غضون ذلك، في مطلع الألفية الجديدة، بات النموذج الإسلامي بمنطقة المحيط الهادي أجندة حكومية قائمة لأسلمة المجتمع والدولة في ماليزيا خلال رئاسة أحمد بدوي للحكومة تحت شعار الإسلام الحضاري.

ومرة أخرى نحلل مبادئه الرئيسة من خلال ثلاث نقاط. 

أولا، النموذج الإسلامي بمنطقة المحيط الهادي يتبنى أيضا الديمقراطية، لكنه يصر على أن الإسلام يتكامل مع الحياة كإطار عمل شامل. غير أنه لم يكن واضحا قط بشأن تفاصيل كيفية حدوث هذا التكامل. 

وبدلا من ذلك، فإن قضية التوافق بين الديمقراطية والإسلام هي قضية مؤجلة في النموذج الإسلامي في منطقة المحيط الهادي. وبرغم ذلك فإن هذا الغموض الاستراتيجي أبقى نظريته بعيدا عن الاشتباك المباشر مع نظرية الديمقراطية الحديثة. 

ثانيا، خلافا للتوجه الإسلامي الكلاسيكي، تبنى النموذج الإسلامي في منطقة المحيط الهادي نظرة أكثر نزوعا إلى الوطنية. وبدلا من مصطلحات رئيسة للتوجه الإسلامي الكلاسيكي مثل الأمة والتوحيد، فقد جعل الأولوية لمصطلحات أخرى مثل الحضارة والمدينة. وأسفر التغيير الجذري في الخطاب عن تبني وجهة نظر وطنية تركز على التاريخ الوطني، وهو ما أدى إلى اختلاف كبير عن المفهوم الشامل للفكرة الإسلامية الكلاسيكية عن التاريخ.

وتدريجيا، حول النموذج الإسلامي لمنطقة المحيط الهادي نفسه إلى ما يشبه رسالة دينية وطنية تضع الدولة والأمة في قلبها الفكري.

ومثال على ذلك من تركيا، فإن أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي السابق، أحد أتباع النموذج الإسلامي لمنطقة المحيط الهادي، والذي ساهم شخصيا في تشكيل وتطوير هذا الفكر في تركيا. وما يؤكد هذه النظرية أن الحضارة والمدينة هما أكثر مفهومين تكرارا في خطابه السياسي.

لكن هذا الخطاب أصبح نسخة مختلفة من التوجه الوطني في حالة داود أوغلو حيث انصب التركيز الحقيقي على الدولة التركية والتاريخ التركي.

في هذه الأجواء، ليس من قبيل الصدفة أنه خلال رئاسة داود أوغلو للوزراء جرى تنفيذ إحدى أسوأ سياسات الدولة تجاه القضية الكردية.

وعلى النقيض، كان حزب السعادة، الذي يتبنى نموذج الإسلام الكلاسيكي يؤيد مطلب الأكراد بالتعليم بلغتهم باعتبار ذلك مشروعا وفقا للإسلام.  

ثالثا، التوجه الإسلامي لمنطقة المحيط الهادي لم يعد خطابا للمضطهدين. إنه في أغلبه خطاب إسلامي الحضر الجدد الذين يريدون الحصول على نصيبهم من النظام العالمي.

وبناء على ذلك، فإن الإسلاميين الجدد يمارسون بحماس طرقا إسلامية مختلفة في الاقتصاد، مثل الصكوك والمضاربة والسلم والتكافل، وهي ليست سوى صور إسلامية تهدف لإضفاء الشرعية على مشاركة المسلمين في الأسواق العالمية.

كان التوجه الإسلامي الكلاسيكي دوما إيديولوجية جامدة فيما يتعلق بمبادئه ونأى بنفسه عن رفض النتائج المختلفة للديمقراطية المعاصرة بناء على إدراكه للإسلام. غير أنه، وبصيغة مختلفة، فإن تحفظاته دليل أيضا على ثباته على المبدأ بالبقاء مواليا لتفسيره الأصلي للإسلام. 

ويمكن تتبع تلك التحفظات، التي تبدو كمظاهر استبدادية للتوجه الإسلامي، على طول مسار التوجه الإسلامي الكلاسيكي من سيد قطب إلى محمد مرسي الرئيس المصري السابق الذي أطاح به الجيش. لكن لا أحد منهم تجنب طرح تفسيره للإسلام كنظام بديل مع تلك التحفظات.

وعلى النقيض، لم يتبع النموذج الإسلامي لمنطقة المحيط الهادي قط مثل هذا المسار المتسق مع نفسه. ونتيجة لذلك أصبح رمزا للسياسات دائمة التغيير بشأن كثير من القضايا الحيوية فيما يجعله إيديولوجية موغلة في النهج البراغماتي. 

ورغم أن أساسه النظري لا يتعارض بشكل مباشر مع الديمقراطية الحديثة، إلا أن نموذج التوجه الإسلامي لمنطقة المحيط الهادي تحول تدريجيا إلى أجندة توجهها الدولة وذلك بفضل طبيعته الوطنية. وقد فشل في أن يبقى إسلاميا كما فشل في أن يصبح غربيا نتيجة لنهجه البراغماتي، وهو ما أفسح الطريق لظهور أزمة أخلاقية خطيرة. ونتيجة لذلك، فقد أفرز مساره السياسي غير المتسق والمتردد السرطان الذي يعاني منه: إنه الفساد.

والأسوأ من ذلك وفي إطار كفاحه من أجل البقاء، فقد حشد الدولة بخطاب وطني وأسفرت تلك الاستراتيجية قصيرة النظر عن ظهور نزعة سلطوية إسلامية.

وعلى خلاف التوجه الإسلامي الكلاسيكي، الذي لم يكف عن السياسات الاستبدادية لفرض الإسلام، فقد أصبح النموذج الإسلامي لمنطقة المحيط الهادي استبداديا من أجل البقاء. 

وينبغي أن يكون فشل تلك النزعة السلطوية في البقاء، في حالة عبد الرزاق، درسا للإسلاميين في تركيا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: