Yavuz Baydar
يناير 30 2018

التوغل في عفرين يوسع مدى الرؤية أمام أردوغان

على الرغم من أن الأهداف العسكرية للتوغل التركي في منطقة عفرين السورية التي يسيطر عليها الأكراد ربما تكون مشوشة، فإن إستراتيجية الرئيس رجب طيب أردوغان في المدى البعيد للاستفادة من الهجوم محليا واضحة وضوح الشمس.
وتكمن الفكرة في ترسيخ الحاجة إلى "استمرارية" قيادته.
فقد قال أردوغان ورئيس أركان جيشه والمتحدث باسم الرئيس إنه لا يوجد أجل مسمى للجدول الزمني للعملية.  وقالوا أيضا إن العملية ستستمر "إلى أن يتم القضاء على كل إرهابي في المنطقة" – وهو ما يعني، بالطبع، على كامل الحدود البالغ طولها 900 كيلومتر مع الجانب السوري حيث غالبية السكان من الأكراد.
وأي حديث عما إذا كان من الممكن تحقيق هذا من عدمه هو غير ذي جدوى. فالتركيز الحقيقي يقع على مكان آخر: فطالما بقي التوغل التركي في عفرين "صراعا     محتملا"-  والإدارة الأمريكية المنقسمة على نفسها عامل مساعد رئيسي في ذلك- سوف يحظى أردوغان بسيطرة أكبر على إجراء وتوقيت ونطاق والهندسة الكاملة لثلاث عمليات انتخابية مقررة في تركيا في العام القادم.
فالعمليات الانتخابية الثلاث- على المستويات المحلي والوطني والرئاسي- سوف تحدد ملامح مستقبله السياسي وشرعيته على الساحة الدولية والتي طالما سعى وراءها لكنها آخذة في الانحسار.
غير أن احتمالات أن يحقق حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان نصرا ساحقا آخر هي في أحسن الأحوال غير واضحة. وتشير مؤسسات استطلاع الرأي إلى أنه إذا خسر حزب العدالة والتنمية المدن الكبرى في الانتخابات المحلية المقررة في مطلع العام 2019، فقد ينال هذا من فرصه في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المنتظرة في وقت لاحق من العام.
والكل يعلم الآن أن الرئيس التركي لا يطيق تحمل الخسارة على الإطلاق، ذلك لأن احتمال اتخاذ إجراءات عقابية ضده مرتفع للغاية إذا خسر. وهذا يعطي ثقلا للتكهنات بأنه ربما يختار، في نهاية الأمر، ألا يترك السلطة بالسبل الديمقراطية.
كان أردوغان قد اقترب من لحظة كادت فيها الأرض أن تنهار من تحت قدميه في الانتخابات العامة التي أجريت في يونيو 2015. تلك الانتخابات أسفرت عن دخول الحزب المؤيد للأكراد البرلمان بثمانين نائبا و13 بالمئة من الأصوات بينما خسر حزب العدالة والتنمية أغلبيته المطلقة.
لكن الرئيس اختار نهجا متشددا وتخلى عن محادثات السلام مع الأكراد. وبعدما دفع بالبلاد إلى انتخابات جديدة بعد سلسلة من التحركات الماكرة، وبعد التصاعد الحاد في العنف، خرج أردوغان منتصرا في انتخابات مبكرة أجريت بعد ذلك بأربعة أشهر.
والآن، وبعدما اشتم رائحة المصاعب مرة أخرى، يستعين أردوغان بنفس الأساليب لكن المخاطر أعلى هذه المرة. فبعدما حشد شكلا من أشكال "التحالف العسكري-الإسلامي-القومي" يشمل 90 بالمئة من وسائل الإعلام حوله كدرع سياسية، فقد نقل الصراع المسلح خارج حدود تركيا. وهذا يعني، عمليا، تطوير حالة الطوارئ الحالية إلى "حالة حرب" فعليا.
وبشكل عام، فإن حزب المعارضة الرئيسية العلماني، حزب الشعب الجمهوري (عضو الاشتراكية الدولية)، الذي يؤيد التوغل بأغلبية كاسحة، لا يبدو على دراية بأنه ما دام الصراع مستمرا، فإن أردوغان ربما يستخدم- وسيستخدم على الأرجح- سلطاته الدستورية لتمديد حالة الطوارئ، وسوف يكون الزعيم الوحيد في البلد الذي يقرر بشأن الانتخابات القادمة.
وتقول مؤسسات استطلاع الرأي التي تتمتع بالمصداقية في تركيا، مثل كوندا، إن الرئيس ربما يؤجل لذلك الانتخابات المحلية إلى ما بعد الانتخابات العامة، ويقول آخرون، إن هناك احتمالا بإجراء كل الانتخابات في ظل حكم الطوارئ. 
وتسمح أيضا حالة الحرب، والمعنويات المؤيدة للحرب على نطاق واسع في تركيا، بتصاعد القمع ضد الأقلية الكردية الكبيرة في البلاد. ويواجه حزب الشعوب الديمقراطي وناخبوه البالغ عددهم قرابة 6 ملايين مأزقا: فكلما نزلوا إلى الشوارع للاحتجاج على عملية عفرين، زاد الدعم الذي يحظى به أردوغان من باقي السكان.
ويمهد هذا الساحة أيضا أمام ملاحقة قضائية بغرض إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي، وهو ما سيؤدي إلى فقدانه تمثيلا ديمقراطيا بل والمزيد من التوتر في البلاد.
ولذلك، فمع اقتراب السياسة الأمريكية في المنطقة من الانهيار، وفي ظل لعبة شطرنج روسية ماهرة تجعل تركيا أكثر عرضة للمخاطر، ومع افتقار المعارضة الرئيسية العلمانية للبوصلة تماما، يمضي أردوغان ببراعة في الصعود إلى السلطة المطلقة متجاوزا عقبة وراء الأخرى.
 إنه لمن المثير رؤية ملابسات كل تلك العناصر تحدث معا.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: