التوقعات الاقتصادية لليرة التركية ليست مشجعة رغم التحسن

ارتفعت الليرة بعد قرار البنك المركزي التركي في الشهر الماضي برفع أسعار الفائدة 625 نقطة أساس إلى 25 بالمئة، وإعلان الحكومة عن البرنامج الاقتصادي الجديد الذي يمتد لثلاث سنوات.
ويسود تفاؤل أيضا بشأن احتمال الإفراج عن القس الأميركي أندرو برانسون يوم 12 أكتوبر. وحصل مصرف آك بنك المحلي على قرض بنحو مليار دولار عقب تأخير أثار القلق.
وشعر المستثمرون بقلق من أن تتسبب أزمة الليرة، التي كلفت العملة نحو 40 بالمئة من قيمتها حتى اليوم، قد تعني أن البنوك ستعاني في الحصول على تمويل أجنبي.
لكن قرض آك بنك يعد الآن إشارة إيجابية بصرف النظر  عن أن تكلفة القرض تضاعفت بالمقارنة بقرض آخر في مارس.
ومن هنا ارتفعت الليرة نحو 4.5 بالمئة خلال الأسبوع الماضي.
ومع الارتفاع في قيمة العملة، فإن العلاوة على مقايضة التقصير الائتماني لأجل خمس سنوات، والتي تعكس تكلفة التأمين على الدين السيادي التركي من التخلف عن السداد، تراجعت إلى 365 نقطة أساس من ذروتها البالغة 500 نقطة في أغسطس.
والسؤال هنا هو بالتأكيد هل ستتمكن العملة التركية، التي أغلقت يوم الجمعة عند 6.05 ليرة للدولار، من مواصلة التحسن حتى تخفف العبء عن الشركات المثقلة بديون بالعملة الأجنبية بمئات المليارات من الدولارات؟ 
علاوة على ذلك، ينبغي للمرء أن يسأل هل القوة الجديدة لليرة ستستمر وقتا كافيا لوقف التضخم. 
والخلاصة أنه توجد عدة عوامل أمامنا. ولنبدأ بالسياسة.
تحظى العلاقات التركية-الأميركية بأهمية كبيرة. فقد فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات على وزيرين تركيين في أغسطس لدورهما في احتجاز القس برانسون.
وسيحدد مصير القس المحتجز مسار العلاقات في المستقبل.
وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قال في الأسبوع الماضي إن من المحتمل الإفراج عن برانسون قريبا، لكن لم يكرر تصريحاته أي مسؤول آخر بالخارجية الأميركية.
وقال مسؤول أميركي إن بومبيو ليس لديه معلومات جديدة بشأن مصير برانسون. وقال الوزير إن الولايات المتحدة قد تجري محادثات جديدة مع تركيا.
ومما زاد الأمور إثارة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال، خلال زيارة إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأسبوع الماضي، إن المحاكم التركية تحظى بحصانة من التدخل السياسي وهي حرة في اتخاذ القرار بشأن مصير برانسون المتهم بالاتصال سرا بمجموعات إرهابية في تركيا.
وبالنظر إلى الفهم الشائع في تركيا بأن الرئيس يتدخل حقا في عمل المحاكم في بعض الأحيان، فإن تصريحاته عززت الليرة أكثر لكن جرى تفسير لهجته على أنها تلميح بأنه سيتم رفع الإقامة الجبرية المفروضة على برانسون.
وزادت الإثارة أكثر عندما أعلن المحامي المكلف بالدفاع عن برانسون أن موكله لا يتوقع إطلاق سراحه. 
ويرى كثير من المراقبين أن احتجاز برانسون إجراء من قبل أردوغان لإقناع الولايات المتحدة بتسليم رجل الدين التركي فتح الله غولن الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا الأميركية وتتهمه أنقرة بتدبير الانقلاب العسكري الفاشل في عام 2016.
وبخلاف احتجاز برانسون يوجد شقاق بين تركيا والولايات المتحدة بشأن سوريا أيضا.
ورغم تجاهله للتعاون الروسي مع الأكراد السوريين في قتال المعارضة الإسلامية، فإن أردوغان يتخذ لهجة شديدة عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة وتحالفها مع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية المسلحة، وقد هدد بإقامة "مناطق آمنة" بالقوة شرقي نهر الفرات التي يسكنها الأكراد وتنتشر بها الوحدات. 
ثم تأتي إيران إذ ترفض تركيا الالتزام بعقوبات أميركية جديدة على الجمهورية الإسلامية. ويخطط الاتحاد الأوروبي لتدشين طريق ثانوي "خلفي" من أجل مواصلة تجارته مع إيران ولن تختلف تركيا عن الاتحاد بالطبع.
لكن تهديد ترامب المتكرر بفرض عقوبات على الدول التي لها علاقات وثيقة مع إيران، ومنها تركيا، يثير قلق بعض المستثمرين بشأن وضع أموالهم داخل البلاد.
ولذلك، وحتى إن جرى الإفراج عن برانسون في جلسة الاستماع المقبلة المقررة في منتصف أكتوبر، والتي ستطلق العنان لموجة ارتفاع قصيرة الأجل في قيمة الليرة ، فإن عوامل أخرى لا تزال تضر بالعلاقات بين واشنطن وأنقرة وستضغط أكثر على الليرة في العام الجديد. 
في غضون ذلك، سيراقب المستثمرون عن كثب ما يسمى "باختبار الضغط" بين الحكومة والبنوك التركية، والدعم المالي المحتمل للبنوك المتعثرة.
وبانخفاض قيمة العملة، فإن سداد البنوك للديون طويلة الأجل المقدرة بنحو 24 مليار دولار سيساوي الآن نحو 145 مليار ليرة بالمقارنة إلى 98 مليار ليرة في يناير.
نعم، نجاح آك بنك في الحصول على قرض يبعث بطمأنينة  للبنوك الأخرى، لكن ألم ارتفاع تكلفتها لا يزال باقيا مع دخول الاقتصاد فترة انكماش.
فالبنوك ستتمكن من الحصول على تمويل لكن بتكلفة أعلى، وتوقعات تدهور النمو وضعف الليرة سيؤثران بلا شك على نهج المستثمرين والبنوك الخارجية تجاه المراجعة والمساهمة في تقديم قروض مجمعة.

مخطط

لا يتوقع أن تواجه البنوك التركية مشاكل كبيرة في القروض خلال الشهور المقبلة لكن المصير الذي ينتظر الشركات التركية مختلف تماما.
ففي ظل وجود 40 بالمئة تقريبا من ديون الشركات المحلية بالعملة الأجنبية، فإن الانخفاض الذي بلغ 40 بالمئة في قيمة الليرة حتى اليوم يعيق قدرات الشركات على سداد ديونها للبنوك.
وحتى الديون المقدمة بالعملة المحلية أصبحت تواجه هي الأخرى مصاعب في السداد في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة على الإقراض وبلوغها نحو  30 إلى 35 بالمئة سنويا.
وبالنسبة للمستهلكين، الذين لا يسمح لهم بمراكمة الديون بالعملة الصعبة، فإن ارتفاع أسعار الفائدة، خاصة بعد الزيادة الكبيرة التي فرضها البنك المركزي بنسبة 13 بالمئة في سبتمبر، تجعل تحمل الاقتراض أصعب.
علاوة على ذلك، فإن الهبوط الكبير في سعر الليرة دفع وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الرئيسية إلى خفض تصنيف تركيا في الديون السيادية وديون الشركات.
هذ الخفض هدد الوضع الائتماني لقطاع البنوك. وكانت وكالة ستاندرد أند بورز للتصنيف الائتماني قالت مؤخرا إن نسبة الديون المتعثرة في النظام المالي التركي قد تزيد إلى 15 بالمئة خلال 24 شهرا مقارنة بنسبة 3.02 بالمئة في نهاية 2017.
وكان انكشاف البنوك على قطاعات محفوفة بالمخاطر قويا نتيجة تراجع قيمة الليرة ومنها قطاعات التشييد والطاقة وتمويل المشروعات الأمر الذي أسفرعن تجمد في أنشطة القطاع المصرفي اليومية.
وفي المجمل، فإن الوضع الاقتصادي التركي مضطرب بخلاف ما يبدو عليه من استقرار.
وسيتحول تباطؤ النمو الاقتصادي إلى انكماش بينما يُتوقع أن يتسارع التضخم بوتيرة أكبر حتى يحدث ما يطلق عليه "الركود التضخمي".
ولا يتوقع أن تزداد قوة الليرة بينما ستستمر أسعار الفائدة المرتفعة لبعض الوقت.
وفي القطاع المصرفي، ستظل المخاوف قائمة أيضا بشأن جودة الأصول، والأداء، ورؤوس الأموال، والتمويل، والسيولة. كما أن التصريحات المتكررة لوزير الخزانة والمالية بيرات البيرق بأن تركيا وبنوكها لا تواجه أزمة عملة ليس لها فائدة. 
إن البلاد تحتاج إلى إجراءات سريعة لمواجهة مشكلات القطاع المصرفي والتضخم المتسارع.
وإن لم يتم تنفيذ مثل هذه الإجراءات سريعا وبشكل يتسم بالكفاءة، فإن نقص التمويل الأجنبي الواضح اليوم قد يخرج عن نطاق السيطرة، ويتحول في مرحلة ما إلى أزمة في ميزان المدفوعات بعد الربع الأول من 2019.

مخطط

ويبدو أن المستثمرين قد استوعبوا هذه الحقائق وأن العملة التركية ستتراوح بين ستة و6.25 ليرة أمام الدولار في الشهور القليلة المقبلة.
لكن إن لم تتحرك الحكومة بحسم في وجه مجموعة المشاكل الاقتصادية والسياسية وازداد المشهد الاقتصادي العام سوءا كما هو متوقع، فإن الليرة ستتراجع أكثر لتصل إلى ما يتراوح بين 7.5 و8.5 للدورلار في 2019.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/outlook-turkish-lira-not-bright-yet
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.