Tiny Url
http://tinyurl.com/ycdtwul2
Nesrin Nas
سبتمبر 08 2018

التيتانك ورجل أوروبا المريض

 

بعد مرور قرابة 150 عاماً على إطلاق قيصر روسيا، نيكولاي الأول، مقولة "رجل أوروبا المريض" على الدولة العثمانية في عام 1853، تعليقاً على فقدانها أجزاء واسعة من الأراضي التي كانت تحكمها، وعجزها عن سداد ديون كانت قد اقترضتها بفوائد كبيرة، عاد وزير الخارجية ونائب رئيس مجلس الوزراء الألماني السابق، يوشكا فيشر، ليصرح في تعليقه أيضاً على وضع تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية بقوله "رجل أوروبا المريض يعود من جديد".
يرى الجميع، باستثناء القائمين على حكم تركيا، أننا أصبحنا بالفعل مثل المريض، وأن مرضنا يزداد سوءاً؛ لأننا أهملنا تناول العلاج، ويحذروننا من مصير مؤلم ينتظرنا. أما نحن، فصرنا مثل أصحاب السفينة تيتانك الذين تغافلوا عن اتخاذ أي تدابير وقائية في حال تعرُّض سفينتهم للغرق قائلين "من المستحيل أن تغرق". صرنا نغلق أعيننا عن الحقيقة المؤلمة، ونصم آذاننا عن سماع التحذيرات وعن أجراس الإنذار التي تدق من حولنا.
وعندما حان الوقت لإنزال السفينة تيتانك إلى مياه البحر كانت الحملات الدعائية على أشدها؛ لدرجة جعلت الجميع يوقنون بأنه من المستحيل تعرضها للغرق بالفعل. ولكن لم يمض ساعتان وأربعون دقيقة حتى انهار هذا الوهم تماماً بعد أن غاصت في أعماق المحيط الأطلسي مثل قطعة ثلج صغيرة.
أصابت الدهشة المتخصصين حينها بسبب غرق سفينة تيتانك، ولكن ما لبثوا أن صرَّحوا بأن السفينة لم تغرق بسبب وجود خلل فيها، أو لضعف في بنيانها، وإنما بسبب إدارة السفينة التي جزمت بأنها لن تغرق، وبالتالي لم تأخذ التحذيرات المتكررة بوجود جبل ضخم من الجليد على مسارها الجنوبي على محمل الجد.
تتشابه إدارة السفينة تيتانك مع القائمين على الحكم في تركيا اليوم؛ فقد تسببوا -بسياستهم في حكم البلاد -في تعطيل العمل بالدستور والضبابية السياسية والتوتر المجتمعي والأزمة الاقتصادية التي نعاني منها اليوم، وجعلوا تركيا تعيش في عزلة كبيرة على المستوى العالمي...
لقد انحرفت العقول، التي تحكم تركيا اليوم، بالدولة إلى طريق بعيدٍ عن العالم الديمقراطي، حيث المياه الخطرة التي يوجد بها جبل الجليد الضخم، تماماً مثلما فعلت إدارة تيتانك في الماضي عندما صمت آذانها عن التحذيرات التي وُجِّهت إليها.
وكما فعلت إدارة تيتانك، التي ظنت أن سفينتها لن تغرق، فقامت بملء مخازنها بالقذائف، التي تستخدم لغرض اللهو بإطلاقها في الهواء، بدلاً من وضع الطلقات الحمراء التي تستخدم لطلب النجدة عند إطلاقها في الهواء وقت الأزمات، وجدنا حكومة أردوغان تقوم بالشيء نفسه، عندما جهَّزت الدولة بصواريخ الألعاب النارية، وقضت في المقابل مع استفتاء 16 إبريل و24 يونيو على كافة آليات التفتيش والرقابة في الدولة التي تقوم بدور الطلقات الكاشفة التي تستخدم وقت الأزمات.
أعتقد أن أول خطوة في طريق حل هذه الأزمة هي الاعتراف بوجود الأزمة من الأساس قبل البدء في تشخيصها.
تكمن المشكلة الأساسية في تركيا في أن القائمين على الحكم لا يعترفون بوجود أية مشكلة في النظام الديمقراطي والقضائي في البلاد، كما أنهم لا يرون ثمة مشكلة في الأسلوب الذي تُدار به السياسة الخارجية والاقتصاد في تركيا. 
يقول رئيس الجمهورية أردوغان، الذي يجمع في يده كافة صلاحيات اتخاذ القرار من الألف إلى الياء "تُنسج المؤامرات ضد تركيا لإثارة الشكوك حول أداء الاقتصاد التركي القوي، ولعل الأحداث التي تعرَّض لها بلدنا في الأسابيع الأخيرة هي أبلغ دليل على هذا". 
"نعم هناك مؤسسات للتصنيف الائتماني، ولكن جميع خطوات هذه المؤسسات خاضعة لإملاءات سياسية. إنهم كالبهلوانات؛ لذا أحذركم من عمل هؤلاء البهلوانات. أرادوا أن يستهدفوا تركيا اقتصادياً بهجمة سعر الصرف". ويؤيد رئيس الجمهورية في وجهة نظره تلك ما يقرب من 70% من المجتمع التركي.
عندما يصير حالنا إلى هذا الوضع، نجد المجتمع يتعلق بأية كلمة تقال من قبيل "ستتحسن الأحوال"، وينظر إليها باعتبارها اقتراحاً لحل الأزمة، في الوقت الذي راحت الشركات تعلن إفلاسها الواحدة تلو الأخرى، وانخفض مؤشر الثقة في الاقتصاد التركي إلى الحضيض، وتزايدت مخاوف الناس على الأرواح والممتلكات معاً....
كانت الدعاية التي يديرها النظام الجديد، الذي يعتمد على حكم الرجل الواحد مستمرة على أشدها عندما هجمت الشرطة التركية بكل عنف على "أمهات السبت" في أسبوعهن اﻟ700، على الرغم من أن ما يقمن به لم يتخط كونه عصياناً مدنياً سلمياً يكفله الدستور دأبن على القيام به منذ 16 عاماً، ضاربة بالقانون وبقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عرض الحائط. ومع هذا لم يترددوا عن الخروج بتصريحات يزعمون فيها أن تركيا مستعدة للانضمام للاتحاد الأوروبي تحت اسم "مجموعة أعمال الإصلاح".
وعلى الرغم من أننا لا نُعوّل كثيراً على حكومة تنكر الحقائق من الأساس في إدارة أية أزمة، إلا أنه بات من المستحيل على هذه الحكومة أو غيرها أن تمنع شرائح المجتمع، التي تشعر بعِظَم المشكلة ووخامتها، من الشعور بالقلق أو بالذعر من احتمال حدوث انهيار كامل للأوضاع، حتى لو كان هذا باستخدام وسائل الترويع والتهديد.
نحن نعرف تماماً ماهي التدابير، التي يمكن اتخاذها حيال هذه الأزمة. فيكفي، كما قال دارون عجم أوغلو، أن ينظر الذين يحكمون تركيا اليوم إلى أحداث الماضي، وأن يتخذوا نفس الخطوات التي أعقبت أزمة 2001، حتى نمنح الأسواق الثقة على المدى القريب. وهذا سيمنح التحول الاقتصادي على المدى المتوسط فسحة كبيرة من الوقت.
ومع هذا، فلم نعد نرى اليوم أيا من الظروف التي كانت موجودة خلال تلك السنوات، والتي يمكنها أن تجعل من الإصلاح الاقتصادي والسياسي أمراً ممكناً؛ فلم يعد هناك وجود لبناء سياسي تعددي، كما لم يعد هناك فصل للسلطات أو قضاء حر محايد. وبالطبع لا توجد حكومة نزيهة أو مناخ سلمي في الداخل أو الخارج. 
قال من بقي على قيد الحياة من طاقم إدارة السفينة تيتانك في التحقيقات، التي تلت حادث الغرق، "كانت ليلة مظلمة للغاية، وكان الجو مليئاً بالضباب، ولم يكن هناك قمر في السماء... كانت كل الظروف ضدنا". وبالطريقة نفسها، فإذا لم نتشبث بالديمقراطية التي ستُبدِّد الظلام، وبالحريات التي لها قوة نور القمر، وبالقانون الذي سيجعل الضباب ينقشع فستغرق السفينة بكل تأكيد، تماماً كما حدث مع السفينة تيتانك...
وحتى لو تمسكت السلطة الحاكمة بحديثها البائد بأن هناك قوى خارجية تحيك مؤامرات ضد تركيا، فستجد نفسها، عاجلاً أو آجلاً، أمام خيار من اثنين، لا مفر من انتقاء أحدهما؛ فإما أن تعطي الأولوية للتصدي للتضخم، وبالتالي ستلجأ إلى زيادة سعر الفائدة، على الرغم مما سيحدثه هذا من ركود، أو أن تتعقب الانهيار في سعر صرف الليرة التركية، وتتحمل الركود التضخمي أو أزمة العملة الصعبة.
ولكن على أية حال فهي ستضطر في كلتا الحالتين إلى تحُّمل أعباء إدارة الأزمة. وهذا سيفتح الباب قليلاً على مشكلة أخرى بالنسبة لنا ألا وهي: الشفافية والعدل في تقاسم المسؤولية...
لأنه بقدر ما يُشترط وجود الخبراء المتخصصين، الذين يملكون المقدرة الفنية على تطبيق الإجراءات التي من شأنها السيطرة على الأزمة الاقتصادية، فإنه يلزم أيضاً، وبنفس الكيفية، وجود جو من الشفافية والعدل؛ حتى لا يؤدي تطبيق هذه التدابير، أو الإجراءات إلى فتح الطريق أمام وقوع ظلم أو فساد. والأهم من هذا كله أنه لا سبيل إلى حل أية أزمة تقلب الوضع المعيشي للمجتمع، وتستهلك مدخراته كما هو الحال الآن إلا في وجود نظام عادل.
فإذا أدرك المجتمع أن النظام الحاكم يتصرف بشكل غير عادل، وأنه يحابي البعض على حساب البعض الآخر من وراء الأبواب المغلقة، فحينها لن يجدي نفعاً أي إجراء يتخذه هذا النظام لاحتواء الأزمة الاقتصادية، وسيتلاشى رأس المال الاجتماعي، وستهرب رؤوس الأموال من الأسواق. لهذا السبب، تقتضي إدارة الأزمة أن تتحلى الإدارة بالصدق والإخلاص، وأن تكون موضع ثقة من الشعب.
وعاجلاً أو آجلاً سيحصل كل الذين يتابعون تركيا، وهي تدير ظهرها لدولة الحقوق والديمقراطية، معتقدين أنها ستكون بهذا في مأمن؛ بنفس منطق مسافري السفينة تيتانك "لا يمكن لهذه السفينة أن تغرق"، على نصيبهم من الظلم والفقر.

 

 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا ً: