أوليفر رايت
أغسطس 15 2018

الثورة تأكل أبناءها.. وأحلامها

خلال الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في تركيا في الرابع والعشرين من يونيو الماضية، كانت الوعود تتدفق من فم الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم، حزب العدالة والتنمية، والأبواق عالية الصوت التي تدين له بالولاء في وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة.

كان أبرز تلك الوعود يتلخص في أن التحديات العديدة التي تواجهها تركيا ستختفي. هكذا مع دقات منتصف الليل، وكأنها مُحيت بعصا سحرية.

بعدها بقليل انتخب أردوغان ليبقى على رأس الهيكل السياسي الجديد، لتتحول تركيا إلى نظام رئاسي كامل تفتقر فيه حكومتها للحلول بشكل واضح.

لكن مشكلات تركيا لا تزال باقية ولم تختف. ولعل هذا ليس بالأمر المفاجئ لمن كانوا يساورهم شك في أسباب إقدام أردوغان على تكريس الكثير من السلطات بين يديه قبل حتى إجراء الانتخابات، لكن المفاجئ حقا هو سرعة تفاقم هذه المشكلات والطريقة التي تفشت بها في البلاد.

إن تركيا الآن تعيش أزمة، تتجلى بشكل لا لبس فيه، رغم وجود أعراض أخرى، في الانهيار السريع لقيمة عملتها، الليرة، ونسب التضخم المرتفعة في الوقت الحالي.

لقد فقدت الليرة ما يقرب من 20 بالمئة من قيمتها خلال الأسبوع الماضي وحده. وحتى وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة، رغم كل ما تروج له من ادعاءات، تكافح لإخفاء وطأة الموقف عن قطاع كبير من الجمهور لا يعرف للأخبار غيرها سبيلا.

تكافح وسائل الإعلام هذه، على سبيل المثال، لتبرير أسباب الارتفاع الكبير في أسعار سلع كالبطاطس، بعد أن كانت في السابق في منتاول اليد.

والسؤال الذي يطل برأسه الآن يدور حول مدى التراجع الذي ينبغي أن تصل إليه الأوضاع قبل أن يبدأ نصف المؤيدين لأردوغان – مثلا - في الانقلاب عليه.

وإن حدث هذا، فكيف سيكون الرد عليه؟

لا شك أن أردوغان، في محاولة لاسترضاء قاعدة مؤيديه، سيلجأ لنفس كتاب الحيل الذي يفتحه حاليا بين يديه.
وهو كتاب يتكون من حيل لا براعة فيها، وإن كانت نتائجها فعالة بحق، لتشتيت انتباه الجموع، وتجييش الجموع بداعي الوطنية الزائفة بتلاوة قصص عن المؤامرات الخارجية التي تريد بكل وضوح أن تعرقل مسيرة تركيا إلى الأمام، والتي هي، في كتاب حيله، سبب كل ما يمر بتركيا من أعراض ومشكلات.

سيكون علينا أن ننتظر لنرى إن كانت قاعدة المؤيدين ستستمر في ابتلاع هذه القصص بدلا من المطالبة بطعام حقيقي.

لكن السرعة التي نشهد بها تراجع الاقتصاد التركي تشير إلى أننا ربما لا ننتظر طويلا قبل أن تصبح هذه الافتراضات المحتملة واقعا يتحقق.

غير أننا، وبالنظر لما عرفناه سابقا عن ميل الأتراك لتصديق تبريرات المؤامراتية الكونية التي يسوقها أردوغان، وحقيقة أن الدعم الذي يتمتع به يرتكز أساسا على قاعدة عاطفية، فإنهم على الأرجح سيكونون مستعدين لتجرع قدر لا بأس به من المعاناة.

وحتى في هذه الحالة، وعلى فرض أن السلطات التركية لن تقوى على وقف التراجع الحاد في مستويات المعيشة، فإننا سنصل – عاجلا أم آجلا – إلى قمة جبل الجليد، من الناحية النفسية.

وسيكون كل ما سنشهده في هذه الحالة هو تأخر الوصول لنقطة أزمة بفعل الإرادة الإلهية وتجاهل متعمد من العالم في الوقت الحالي.

في مثل هذا الموقف، لن يكون من الصعب على وجه التحديد تصور الرد الذي سيصدر من القصر الرئاسي باهظ التكلفة الذي يدير منه أردوغان وكبار مستشاريه أحوال الأمة.

سيبحثون عن نفس كتاب الحيل المجربة مرارا وتكرارا. وسيفتحون هذه المرة الصفحة التي تسرد كيفية التعامل مع الاحتجاجات.

وهذه أيضا قصة نعرفها جيدا، فهي ذاتها القصة التي نشهدها في تركيا منذ احتجاجات متنزه غيزي عام 2013.

من يهددون الحكومة سيوصمون على الفور بأنهم "إرهابيون"، وسيجدون أنفسهم معزولين ومنبوذين في المجتمع.

كما تدور آلة القمع بوتيرة هائلة لمنع أي شكل من أشكال الاحتجاج. والبعض صودرت ممتلكاته والبعض الآخر يدفع الآن الثمن وراء القضبان.

والبعض الآخر أتت معهم سياسة القمع أكلها فآثروا الرضوخ خوفا.

المشكلة هنا هي أن هذا يمكن وصفه بأنه عملية تشذيب للغصن الذي تجلس فوقه.

ولقد فعلها أردوغان من قبل مرات ومرات، لعل أقربها ما حل بأعضاء حركة غولن؛ حلفائه السابقين الذين يصنفون الآن بأنهم المسؤولون عن محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي جرت في يوليو عام 2016. والعادات القديمة لا تموت أبدا.

هل سنشهد ثورة، وهو أمر سخّر أردوغان جل جهده للحيلولة دون وقوعه على مدى سنوات، أم ستحدث كارثة. لا أحد يعرف كيف ستكسر القبضة التي يمسك بها أردوغان تركيا حاليا.

فالكثير من الأنظمة السلطوية، رغم كل شيء، تجيد التعايش مع بعضها دون أن تضطر لبذل الكثير من الجهد أو تضطر للحصول على تأييد كبير من الشعب.

لا شيء من هذا بالطبع سيساعد تركيا على النهوض مرة أخرى في هذا العالم، رغم كل ما يقال لنا عن ضرورة نهوضها. بل إن ما سيحدث هو عكس هذا تماما.

لكن الشيء الأكيد أن كل هذا لن يقضي على الإلهام.

سيتمسك قادة تركيا بالحلم، وهو حلم ربما كان يوما ما واقعيا، فهم بدونه لا يملكون شيئا ذا قيمة للتمسك به.

لن يكون لديهم أي شيء غير ذلك لتقديمه للناس الذي يفترض أنهم يتولون خدمتهم.

لكن الحلم سيكون دائما وأبدا من نصيب الغد، الحلم لم يكن أبدا لليوم.

والفرق الوحيد بين الآن وهذا المستقبل المفترض هو أننا اليوم، على الأقل، نرى الكثيرين وقد صدقوا ما يحدثه الحكام من ضجيج الوعود.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.