جلدم أتاباي شانلي

الجانب المظلم من النمو الكبير في الناتج المحلي الإجمالي لتركيا

سجل الاقتصاد التركي نموا مدهشا نسبته 11.1 بالمئة في الربع الثالث من العام الحالي مقارنة مع 5.4 بالمئة في الأشهر الثلاثة السابقة لأسباب أهمها تأثير مستويات التضخم الضعيفة على غير العادة خلال الشهر السابق والتعديلات الموسمية. وحقق الاستهلاك المنزلي نموا كبيرا بدوره مسجلا مساهمة قدرها سبع نقاط مئوية من الناتج الإجمالي بفضل خفض ضريبي مؤقت على العديد من السلع المعمرة.

 غير أن الأمر بدا أقل إبهارا حين أجريت الحسابات على أساس النمو في كل ربع قياسا على الربع السابق وهكذا تواليا، وهذه مؤشرات أكثر دقة لقياس توجهات الاقتصاد. فالتوسع الاقتصادي تراجع إلى 1.2 بالمئة من 2.2 بالمئة في الربع الثاني. هذا الأمر وضع تركيا في المركز الخامس بين دول مجموعة العشرين الصناعية بعد كل من إندونيسيا (3.2 بالمئة) والصين (1.7 بالمئة) وكوريا الجنوبية (1.5 بالمئة) ثم الهند (1.4 بالمئة).

في الواقع، وباستثناء انكماش نسبته 2.6 بالمئة خلال الربع الثالث من العام الماضي فإن نمو الاقتصاد التركي بنسبة 1.2 بالمئة من ربع لربع هو الأضعف منذ عام 2009.

الاقتصاد التركي

هناك محرك آخر للنمو الذي تحقق خلال الربع الثالث ألا وهو الاستثمار الذي زاد بنسبة أربعة بالمئة بعد التوسع بنسبة 4.4 بالمئة خلال الأشهر الثلاثة السابقة. وبالإضافة لذلك تقلص قطاع التصنيع بنسبة 1.3 بالمئة بعدما حقق توسعا نسبته ثلاثة بالمئة في الربع الثاني.

ولا شك في أن الطريقة المبتكرة التي استخدمت بها الحكومة صندوق ضمان الائتمان قد حافظت على دورة الأعمال وساعدت الاقتصاد على التعافي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016.

الاقتصاد التركي

وبدلا من الإنفاق المباشر لتعزيز النشاط الاقتصادي قامت الحكومة بتحفيز الاقتصاد من خلال ضخ 65 مليار دولار في صورة ضمانات قروض لشركات كانت تواجه صعوبات كبيرة. وبالفعل نجح عدد كبير من الشركات في إعادة هيكلة التزامات ديونها. لكن طبعا هناك للعملة وجها آخر. فهذه الشركات التي تعمل في العديد من القطاعات أجّلت مشاكلها الملحة فحسب من أجل العودة سريعا للأسواق.

ورغم ما حققته تركيا من نمو اقتصادي هائل بنسبة 7.4 خلال الفترة السابقة من العام الحالي فإنها نسبة لا تكشف عن طبيعتها غير المتوازنة.

الاقتصاد التركي

ويعني هذا أن التكلفة الإضافية جراء الاعتماد بشكل كبير على الائتمان لتعزيز الاستهلاك المحلي قد سببت زيادة في العجز المحاسبي الحالي، الذي يمثل نقطة ضعيفة لتركيا منذ فترة طويلة إلى خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. في العام الماضي كانت هذه النسبة 3.8 بالمئة. وحدثت هذه الزيادة في عجز الميزان التجاري الحالي رغم زيادة الصادرات مستفيدة من تعافي الاقتصاد الأوروبي.

ليس هذا فحسب فالأمر لا يقتصر على تراجع الحسابات الداخلية لتركيا نتيجة لديناميكية النمو غير المتوازنة بل إن عجز الموازنة زاد أيضا بشكل كبير بفعل الخفض الضريبي وتأجيل بدء تحصيل أقساط الضمان الاجتماعي في النصف الأول. كما أن زيادة الإنفاق العام التي زادت قبل الاستفتاء على الدستور الرئاسي قد أضافت متاعب جديدة للموازنة.

لهذه العوامل مجتمعة قفز العجز إلى 1.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة تقترب من ضعف ما كانت عليه في العام السابق. ويفسر الطلب القوي على الطلب محليا، كما يبدو في أرقام النمو للربع الثالث، سر زيادة التضخم السلعي للمستهلكين خلال الربع الأخير من العام ليصل إلى 13 بالمئة في نوفمبر.

الاقتصاد التركي

تشير خديجة كاراهان المستشارة الاقتصادية البارزة للرئيس إردوغان إلى أن النمو سيصبح أبطأ لا محالة في الأرباع المقبلة لأن الحكومة طبقت إجراءات استثنائية لتعزيز الثقة في الاقتصاد بعد محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي. كما أن تحفيز الاقتصاد بهذه الكثافة كان أداة مفيدة أيضا حين كانت الحكومة تستعد لاستفتاء على الانتقال لنظام الحكم الرئاسي في أبريل.

والآن تقول كاراهان إنه لم تعد هناك حاجة لتطبيق مثل هذه الإجراءات المساعدة باستثناء بعض المحفزات الإضافية جراء عوامل "انتقائية واستراتيجية" بهدف دعم النمو وخلق فرص العمل وهي عوامل تقرر بالفعل تطبيقها في أوائل العام المقبل.

لذا فإن هناك ترقبا كبيرا للاجتماع المقرر هذا الأسبوع لمجلس السياسة النقدية التابع للبنك المركزي حيث يعد رفع سعر الفائدة أحد الأوراق المتاحة. وبعد النمو الكبير في الناتج المحلي الإجمالي ومع تجاوز تضخم أسعار المستهلكين الهدف الذي حدده البنك المركزي بخمسة في المئة أصبحت أمام واضعي السياسيات فرصة لجعل الاجتماع المقبل نقطة تحول كبرى.

المنطق يجعل من الطبيعي رفع نسب الفائدة على الاقتراض إلى ما بين 15-16 على الأقل من النسبة الحالية وهي 12.25 بالمئة. مناورة كهذه من شأنها السيطرة سريعا على التوقعات الخاصة بالتضخم حيث ستعمل على ضبط ضعف الليرة وكذلك المساعدة على حماية العملة من عقوبات محتملة على البنوك التركية بسبب قضية منظورة أمام القضاء الأمريكي محورها الاحتيال على العقوبات المفروضة ضد إيران.

الاقتصاد التركي

إن من شأن رفع سعر الفائدة بنسبة كبيرة ولفترة طويلة أن يبطئ نمو الناتج المحلي الإجمالي ليصبح بين 3 و3.5 بالمئة العام المقبل مع وقف الإجراءات المحفزة للاقتصاد وتحسن تأثير مستويات التضخم. في الواقع فإن الأمراض الأساسية للاقتصاد التركي المتمثلة في ارتفاع نسبة التضخم والعجز الكبير في الصادرات.

لكن بالنظر لمستوى الضغط السياسي على البنك المركزي، الذي يزعم أنه يطبق "سياسة نقدية صارمة"، لا يمكننا توقع اتخاذ مثل هذه الخطوة.

فهناك نقاشات دائرة بشكل شبه يومي في الإعلام المحلي بخصوص إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة. ومع سعي إردوغان الحثيث للفوز بالأغلبية والاحتفاظ بمنصبه ربما تسعى الحكومة للبحث عن طرق جديدة لتحفيز الاقتصاد.

وفي ظل الوضع الراهن فإن الأمر لا يسعه سوى التطلع لانتخابات مبكرة في 2018 علّ البلاد تنال فرصة للهدوء مع انتهاء السباق الرئاسي.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: