اومت اوزكرملو
نوفمبر 14 2017

الجماعة الدولتية من شبه الديموقراطية إلى الأوتوقراطية الكاملة

لنطرح سؤالاً بسيطاً في البداية: لماذا حدث هذا؟ وكيف تغير نظام الحكم في تركيا؟.
ربما تكون إجابتك على هذا التساؤل بسيطة ناتجة عن موقفك السياسى. مثلاً إذا كنت تؤمن بالقومية فيمكنك رؤية أردوغان على أنه مشروع إمبريالي، وأنه حصان طروادة الغربي الذي يحاول تفتيت تركيا منذ خروجه.
أما إذا كنت يساريا تركيا لا تبدي تنازلاً عن الفكر الحر بشكل كامل مع وضع مسافة من القومية، فيمكنك قول "لا يكفي ولكني أوافق"، كما يمكنك مقاطعة الليبرالية ودعم أردوغان لفترة.
أما إذا كنت يساريا ليبراليا، فسيكون المتهم هذه المرة هي الكمالية، والعلمانية التي لا تعطي أي مجال للقطاعات المتدينة.
أما إذا كنت تتبع ردوداً جدلية وسوفسطائية فيمكنك أن تضيف عوامل دورية أخرى محلية وعالمية.
إذن وبحسب المربع الذي تقف فيه يمكنك الإشارة إلى سلسلة من التطورات مثل فشل المغامرة الأمريكية في بعض الأجندات كالربيع العربي، وبشكل خاص الحرب ضد داعش، وأزمة اللاجئين، وازدياد أهمية تركيا الإقليمية، وازدياد أو تقوية الوصاية العسكرية، بالإضافة لقضيتي أرغنكون، وبيلوز، ونجاة تركيا من التزعزع الاقتصادي أثناء الأزمة الاقتصادية، واتخاذ خطوات بهدف إيجاد حل مباشر للمشاكل التي تؤرق تركيا كالمشكلة الكردية في محيط مستقر من هذا المنطلق.
يمكنك أيضاً في هذا السياق التأكيد على بعض نقاط التحول الخطيرة. مثل الاستفتاء الخاص بتغيير الدستور عام 2010، وملفات الفساد، والمواجهة بين حزب العدالة والتنمية وجماعة فتح الله غولن التي بدأت بحرب التسجيلات، وأحداث حديقة جيزى، وانتخابات يونيه 2015، وإعلان حركة الأكراد حول الحكم الذاتي، وانتهاء وقف إطلاق النار بين حزب العمال الكردستاني والحكومة، حيث يمكنك الإدعاء بأن الاستبداد التركي لا يمكن فهمه بدون الإشارة لأوقات الهدنة.
يمكن للعوامل والعمليات التي ذكرتها حتى الآن أن تفيد في الرد على السؤال الذي طرحته في بداية الحديث بنسبة كبيرة. ومن جانب آخر لا يمكن للميثاق المشكل للثقافة السياسية المسيطرة في تركيا أن يوضح لنا اللوحة المظلمة التي نواجهها اليوم.
إذا حاولنا إيجاد وصف لعلاقة الدولة، والفرد، والمجتمع المدني فى تركيا الآن  فيمكننا إطلاق لفظ "الجماعة الدولتية" على المفهوم الذي يوجه الثقافة السياسية لتركيا اليوم.
إن الدولة هي أهم عنصر في هذا المفهوم الذي يشمل فترات الكمالية/ العلمانية، وما بعد الكمالية/ الإسلامية. هذه الدولة التي يحاول جميع الممثلين السياسيين اللاهثين خلف السلطة السيطرة عليها، هي ليست مؤسسة منصفة تهدف لرفع مستوى الرفاهية الاجتماعى أو حماية الفرد والفئات الاجتماعية من القمع، كما في الدول القوية المتحكمة في مستقبلها كالسويد وألمانيا وغيرها.
على العكس فالحكومة في تركيا هي هيكل هرمي يحمل مفهوم "كبير العائلة" أو "الأب"، وتدعم معنى الجماعية بشكل لا يختلف كثيراً عن النظام القومي الذي كان موجوداً في أصله في الامبراطورية العثمانية.
فالعلاقات ذات المصالح المتنوعة للجماعة مع الدولة مترابطة ومتصلة.
في هذا النوع من الحكم تقوم الدولة بالسيطرة على الشعب - سواء أفرادا أو جماعات - عندما ترى ذلك ضرورياً.
وكما رأينا في عصور الحزب الواحد، وما بعد الانقلابات العسكرية، وحتى في فترة سيادة حزب العدالة والتنمية، فإنّ وجود دستور مكتوب يضمن سيادة الشعب والقانون لا يغير من هذا الوضع شيئاً.
وفى تركيا تعد الدساتير التي تقدس جميعها وحدة أراضي الدولة، وترى أن مصلحة الأمة والدولة فوق كل حق أو حرية، نصوصاً بطريركية بدرجة أولى.
تدرك الجماعة الدولتية أن كل بحث عن الحكم الذاتي على أساس فردي أو جماعي هو تهديد لوجودها. كل الاختلافات سواء دينية أو عرقية أو جنسية، أو الأغلبية بالمعنى الأشمل هي "عادة" لا مفر منها.
تعتبر الجماعات ذات المصالح المختلفة في هذا الإطار، والاتفاقيات التي نشأت على أساس عرقي أو ديني استراتيجية قصيرة العمر. حيث أنّ هذه الاتفاقيات تنشأ بمبادرة من الدولة، وتعتمد على مفهوم التسامح والانضواء تحت فكرة الاختلاف.
إنّ القول بتراجع مفهوم الجماعة الدولتية ليس مبالغة في ظل عدم تكون مجتمع مدني بالمعنى الحقيقي في تركيا، وعدم تأمين حقوق الإنسان الأساسية أو حقوق الأقليات في أي فترة من الفترات.
يمكن الفصل بين الجماعة الدولتية، ومفهوم المجتمع متعدد المهام الذي دافع عنه فلاسفة السياسة مثل أليسداير مكنتاير، وميشيل ساندل، وكارليس تايلور في نقطتين.
أولهما: أن الجماعة الدولتية كما أسلفنا تتقبل الاختلاف مهما كان، وذلك طالما دعت مصالحها لذلك. وهذا النوع من الجماعات لا يعطي أولوية للوحدة المرتبطة بالقيم المشتركة والارتباط بالمؤسسات. حيث تفرض الدولة القيم والؤسسات التي تراها مناسبة لكل الجماعات. وسيتحتم على الذين لا يخرجون عما قامت الدولة بفرضه دفع مقابل لذلك.
وثانيهما: أن التكتلات التي تقوم في هذا النظام الذي يفتقد إلى القيم المشتركة والمؤسسات ليست قوية ولا دائمة. فالهدف الأساسي للجماعات هو البقاء بالقرب من السلطة، وبما أنها تستفيد من الدولة فتأخذ العلاقة بين هذه الجماعات شكل التنافس من أجل أن يزيح كل منها الآخر.  وهذه الجماعات ليست منفتحة للحوار خارج الاتفاقيات القسرية، ولا تثق بمن هم خارجها. والأهم من ذلك فهي لا تنظر بترحاب للمنتقدين لسياستهم من الداخل، أو الاختلاف.
إن الجماعة الدولتية التى تُحدد الثقافة السياسية التي تُهيمن على تركيا، هي المفتاح الذي سيساعدنا على فهم الماضي والحاضر وربما المستقبل أيضاً.
سأستمر في كتاباتي القادمة في الحديث حول كيفية تحوّل تركيا من شبه الديموقراطية إلى الأوتوقراطية كاملة في هذا الوقت القصير وبهذه السهولة، وسأطرح أمثلة واقعية في إطار هذا المفهوم.
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: