الجمعيات التركية تكافح للبقاء أمام ضغوطات نظام أردوغان

كان عدد الجمعيات الناشطة في تركيا يبلغ 108 آلاف عندما أعلنت الحكومة حالة الطوارئ بحجة التصدي لمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016. إلا أن تركيا شهدت بعد هذا التاريخ يوميًّا إغلاق عشرات من الجمعيات بموجب قرارات صادرة في إطار قانون الطوارئ. 
وتكشف التقارير أن السلطات التركية أغلقت ألفًا و419 جمعية في ظل الطوارئ فقط، وكانت بينها من تعمل في مجال النساء والأطفال، ومن تعمل في مجال الهجرة واللاجئين. 
ولا شك في أن الأنشطة التي تزاولها والخدمات التي تقدمها منظمات المجتمع المدني دون انتظار مقابل مادي انطلاقا من المسؤولية الاجتماعية الواقعة عليها، كما أنها تشكِّل عنصر توازن يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة عدم المساواة بين الناس من جانب، وتساهم في ترسيخ الثقافة الديمقراطية في البلاد من جانب آخر. لكن منظمات أو كيانات المجتمع المدني قد تعرضت لأضرار كبيرة بالتزامن مع خروج مفهوم "الديمقراطية" من أجندة الحكومة بعد إعلان حالة الطوارئ على وجه الخصوص.
وقد دافع وزير الداخلية التركي سليمان سويلو عن ضرورة إغلاق تلك الجمعيات في تصريحات أدلى بها مطلع الجاري قائلا: 
"لقد تم إغلاق ألف و400 جمعية، لكن تم افتتاح جمعيات جديدة تفوقها عشرة أضعاف بدلا منها بحيث يصل إجمالي عدد الجمعيات العاملة في الوقت الحالي إلى 112 ألفا. ويبلغ عدد الجمعيات التي تأسست خلال 21 شهرًا قبل إعلان حالة الطوارئ 20 ألفا. بمعنى أنه ليس هناك فرق شاسع بين الجمعيات المفتوحة قبل حالة الطوارئ وتلك التي فتحت بعدها. ولا يزال مجتمعنا يحافظ على حيويته ونشاطه في مجال تأسيس منظنات مجتمع مدني والجمعيات"، على حد قوله.
وعلى الرغم من أن الوزير سويلو يزعم أن تركيا تحقِّق تقدُّمًا مستمرًّا في مجال المجتمع المدني، إلا أن التقرير الذي أعدته منظمة العفو الدولية تطرق إلى هذا الموضوع، وكشف أن الوضع ليس كما صوره الوزير التركي. وقد لخصت المنظمة وضع منظمات المجتمع المدني في جملة واحدة: "لقد تم استغلال حالة الطوارئ وتحويلها إلى وسيلة ضغط على المجتمع المدني!"
وعلى الرغم من الأجواء المظلمة المخيمة على تركيا، إلا أن الساحة لا تخلو بالكلية من وجود مجموعات وكيانات اجتماعية تحاول البقاء على قيد الحياة عن طريق التضامن أمام الإجراءات التعسفية لنظام أردوغان.  
مركز الشارع الثقافي واحدٌ من تلك المجموعات والكيانات. وقد تزامن تأسيس المركز مع احتجاجات ما سمي  "أحداث جيزي باركي" الشهيرة بإسطنبول في 28 مايو 2013. فقد بادر حوالي 50 شخصًا إلى نقل روح التضامن في أثناء تلك الأحداث إلى ساحة الفعل. وأعضاء المركز المكون من غرفتين فقط يعملون بجد دون توقف وبلا مبالاة بموسمي الشتاء والصيف.
أبواب مركز الشارع الثقافي مفتوحة طوال أيام الأسبوع، ويقوم بأعمال وأنشطة فنية وتعليمية للمتقدمين بصورة مجانية، بدءًا من عروض السينما إلى دروس في رقصة "التانغو"، ويتكون المدربون والمعلمون تحت من المتطوعين. 
فعاليات المركز الواقع في قلب منطقة "غازي عثمان باشا" بمدينة إسطنبول منصبّة على الأطفال والنساء بشكل أساسي. ونظراً لأن المركز يقوم على أساس العمل التطوعي، فإن معظم ورشات العمل المفتوحة تكون مجانية. 
وعندما وجّهنا سؤالَ: "لماذا كانت أحداث جيزي باركي مؤثرة في تجمّعكم إلى هذا المستوى؟" للسيد كوركماز أصلان، أحد مؤسسي مركز الشارع الثقافي، أجاب قائلاً: 
"لقد أثرت احتجاجات جيزي باركي في كل المنظمات المجتمعية المعارضة. ولم تكن مجموعتنا مستثناة من ذلك. لقد فكرنا استلهامًا من هذه الاحتجاجات المجتمعية أنه يجب علينا أن نكون أكثر تضامنًا وسعيًا لتحقيق المساواة والشمولية".
يقع الفرع الآخر للمركز في منطقة "غازي" بإسطنبول، وهو كذلك يقدم خدمات وينظم دورات تدريبية في مجال الفن والتعليم.
يبذل المركز جهوداً جبارة لتصل الخدمات والدورات إلى الفقراء بصفة خاصة، ولكن الأمور لا تكون سهلة في كثير من الأحيان. فوفقًا لكوركماز أصلان يرجع سبب ذلك إلى استمرار ظروف حالة الطوارئ في البلاد حيث يقول:
"حاولنا البقاء على قيد الحياة في فترة حالة الطوارئ أيضًا، ونجحنا في ذلك بنسبة معينة. لكن لا تزال ظروف حالة الطوارئ مستمرة ومؤثرة. وبالرغم من أن الحكومة قررت إنهاء مدة الطوارئ، غير أننا ما زلنا نشعر بظلالها وضغوطها على أنشطتنا. "
ويقول كوركماز أصلان إنهم يعتقدون أن الدور سيأتي يومًا على إغلاق مركزهم أيضًا، بعد أن تم إغلاق كثير من الجمعيات في فترة حالة الطوارئ، ويؤكد أنهم يواصلون أنشطتهم تحت الضغوط رغم كل شيء:
"بعد محاولة الانقلاب مباشرة أقمنا مهرجانًا في ظل حالة الطوارئ، وقمنا بأنشطة مختلفة في جميع مجالات الفن استمرت نحو عامين. وفي العام الثالث نظّمنا مهرجانًا آخر تحت اسم "مهرجان في كل الظروف". لكن لا بد أنه أزعج السلطات حيث أحسسنا بضغوط الشرطة علينا بصورة صارخة؛ إذ جاؤوا إلى المركز، بما فيهم قيادات رفيعة المستوى، وأعلنوا أن هناك ضغوطًا من الأعلى، وأنهم سيتابعون تحركاتنا وفعالياتنا. بمعنى أن ضغوطات السلطة الحاكمة تستمر وتؤثر علينا."  
من الطبيعي أن تؤثر تلك الضغوط على الناس، ويضعون مسافة معينة بين أنفسهم والأعمال الفنية والأنشطة التعليمية. فليس من السهولة بمكان التغلب على الخوف من التجمع والتجمهر في الأنظمة القمعية. 
ويشير أصلان إلى حصول مشاركة واسعة في أنشطتهم في الأوقات العادية، إلا أنه يلفت إلى أن عدد المشاركين شهد انخفاضًا ملحوظًا في ظل حالة الطوارئ وفي الفترة الحالية كذلك:
"الحقيقة أن المهم بالنسبة لنا هو النوعية والإتقان فيما نقدِّم من خدمات تعليمية وفنية، ولا نهتم كثيرًا للعدد والكمية. أو بعبارة أصحّ، لا نقيّم قيمة أعمالنا وفقًا لعدد المشاركين، إلا أنه يجب أن نعترف بتراجع الإقدام على الدورات التدريبية بصورة متزايدة في الفترة التي تلت حالة الطوارئ. ذلك لأن الناس يخافون من أن يتعرضوا لسوء في ظل عجزهم أمام السلطات، لعدم التزامها بأي قانون أو قاعدة. ويذكّر أصلان في هذا السياق: 
"سيطرت على الناس في تركيا حالة من العجز، خاصة بعد انتخابات 7 يونيو 2015. الديموقراطيون واليساريون متعودون أصلاً على خسارة الانتخابات، لكنهم ليسوا معتادين على الاستسلام لحالة العجز واليأس. ولا ريب أن هذه الحالة تؤثر سلبًا حتى على أمثالنا الذين يسعون للتضامن إزاء الضغوطات الممارسة. وهو الأمر الذي يدل على أهمية وجود جمعيات مماثلة لجميعتنا." 
ليس كل شيء على يبرام في مركز الشارع الثقافي بل إنه يواجه صعوباتٍ مالية، وبالتالي خطرَ الإغلاق من حين لآخر، إلا أن هناك متطوعًا يدعى "صادق ترك أوغلو" يسعى للمساهمة في تخطي المركز هذه المشكلات الاقتصادية. 
يقول السيد صادق بأنه متقاعد ولديه طفلان، وأن طريقه تقاطع مع المركز بعد تقاعُده، ليكون ظهيرًا له في تجاوزه العقبات الاقتصادية. حيث لما بدأ المركز يعاني من صعوبات مالية في الآونة الأخيرة طوّر السيد صادق حلاً متواضعًا ومتناسبًا مع وضعه المادي. فهو يأتي إلى المركز ويفتح أبوابه في الساعة التاسعة من كل صباح، ويصنع الطعام من أجل تسديد إيجار المركز البالغ 700 ليرة (حوالي 130 دولار) وفواتيره المختلفة. فهو يصنع ثلاثة أنواع من الطعام اللذيذ للغاية يوميًّا ويبيعها مقابل 10 ليرات (نحو دولارين). ويشرح السيد صادق طبيعة عمله قائلاً: 
"إننا لسنا كمنظمة مجتمع مدني، هناك كثير من الأغنياء يعرضون علينا مساعدات مادية، إلا أننا لا نقبلها، وذلك لكي نواصل البقاء بالاعتماد على قدراتنا الذاتية. فهذا هو الأفضل. هناك جو من الهدوء والطمأنينة في المركز. كما أن الخدمات الصغيرة التي يقدمها الجميع وفق وضعه المادي والمهني تخلق لدينًا شعورًا بالانتماء إلى هذا المركز الجميل. لذا أرى ما أصنعه هنا (من طعام) نجاحًا. وأنا أواصل كفاحي بخالص النية دون أن أنتظر أي مقابل مادي. أما تعليم الأطفال وتطويرهم من الناحية الفنية فأمر يبعث على السرور والسعادة لا يمكن وصفهما. فمن أجل هؤلاء الأطفال سأستمر في صنع الطعام وسأساهم في إبقاء أبواب المركز مفتوحًا.. فهذا أمر ينطوي على أهمية كبيرة عندي." 
وينوِّه السيد صادق بأن الإقبال على الطعام الذي يجهزه في المركز شهد زيادة مع شروعه في إرسال قائمة الطعام إلى الأسماء الموجودة على هاتفه عبر رسائل قصيرة. ثم يتابع بقوله: 
"لقد أصبح مركز الشارع الثقافي متنفسًا لنا في هذه الأيام السوداء.. لقد زرعوا الخوف في القلوب.. وقد يكون الناس معذورين في خوفهم، إلا أننا لا نخاف ونستمر في كفاحنا دون ملل أو كلل"!

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/bir-nefes-alma-mekani-yemek-yapip-satarak-cocuklara-sanat-ogretiyorlar
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.