ذو الفقار دوغان
يونيو 02 2018

"الجمهوري" والسعادة: معًا بروح 1974 نحو البرلمان بأكثر من 300 نائب

 

حزب السعادة التركي بعد أن أصبح هو وحزب الشعوب الديمقراطي، حزبا محوريا في الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في 24 يونيو المقبل، تعرّض لهجومين كبيرين بعد أن دخل في العملية الانتخابية.
الهجوم الأول تم يوم 3 مايو الجاري في وضح النهار في ميدان "كيزلاي" مركز العاصمة أنقرة. وكان هذا الهجوم عبارة عن اعتداء قامت به مجموعة من الأشخاص على  مكان تجمع عدد من أنصار حزب السعادة لجمع توقيع 100 ألف شخص من أجل رئيس الحزب، تمل كرم أولا أوغلو، لدعم ترشيحه للانتخابات الرئاسية. إذ قام هؤلاء المعتدون ببعثرة المكان الذي كان يحتشد فيه أنصار الحزب.
أما الهجوم الثاني، فوقع مساء الـخامس والعشرين من شهر مايو أيضًا، وكان أكثر دموية من الهجوم الأول. مكان الحادث كان العاصمة أنقرة أيضًا. الاعتداء استهدف هذه المرة عددًا من أنصار حزب السعادة في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وهو يقومون بتعليق أعلام الحزب، ولافتته الانتخابية، وكانت ذرائع الهجوم أن أنصار الحزب هؤلاء قاموا بإنزال أعلام حزب الحركة القومية المعارض، وعلقوا أعلامهم مكانها.
وبعد الحادث الثاني، أصدت رئاسة فرع حزب الحركة القومية بأنقرة بيانًا قالت فيه: "ونحن في شهر رمضان المبارك، قام أنصار حزب السعادة الصغير والذي لا أهمية له، بإنزال لافتات حزبنا. وبناء على ذلك فإن مجموعة من المنتمين لحزبنا الذين تصادف مرورهم بالمكان وقت عملية الإنزال، قامت بتحذير أنصار حزب السعادة، فكان ردهم على هذا التحذير، مطاردة أنصار حزبنا بالعصي والركلات واللكمات، فلما تمت مقاومتهم أشهروا أسلحتهم، وأطلقوا النيران على أصدقائنا. وهنا استخدم أنصار حزبنا حقهم المشروع في الدفاع عن أنفسهم. وهذا إعلان نقدمه باحترام للرأي العام".
من جهته علّق رئيس حزب السعادة، تمل كرم أولا أوغلو، على الحادث، ولفت في تصريحاته الانتباه إلى إصابة 15 من أنصار الحزب جراء الهجوم 7 منهم إصاباتهم بالغة، نقلوا جميعًا للمستشفى لتلقي العلاج اللازم، وأن المرشح لتمثيل الحزب في الانتخابات البرلمانية المقبلة عن العاصمة أنقرة، محمد فتحي أوزترك، يخضع للعلاج في العناية المركزة بالمشفى. كما لفت رئيس الحزب إلى أنه لم يصب أي أحد بسوء من أنصار حزب الحركة القومية. أما ولاية أنقرة فقد اعتبرت أنصار حزب السعادة متهمين، وذكرت في بيان أنها بصدد اعتقال المصابين منهم بمجرد تعافيهم وخروجهم من المستشفى.
ولا أخفي عليكم قولًا إن هناك هجمات مماثلة سيتعرض لها حزب السعادة خلال الأيام المقبلة، من أتباع "تحالف الشعب" المبرم بين حزبي العدالة والتنمية الحاكم، والحركة القومية، وما جعلني أتوقع هذا هو أن الرئيس رجب طيب أردوغان في إفطاره السنوي مع رجال الشرطة الذي نظم في مدينة إسطنبول، قال في كلمته بهذه المناسبة "خلال الأيام الـ28 المتبقية أمامنا حتى موعد الانتخابات في شهر يونيو، لن يقف أهل الشر صامتين، سيبذلون كل ما في وسعهم لتأجيج العملية الانتخابية بشكل سلبي، سيلجأون إلى كافة الافتراءات والأساليب التي لا يتخيلها عقل من أجل وسم الديمقراطية التركية بالعار". وحقًا كانت كلمات أردوغان ذات مغزى من هذه الناحية، ومنها يمكننا إدراك السبب الذي يقف وراء الاعتداءات التي طالت حزب "السعادة".
ولا شك أن حزب السعادة كما تعلمون يمتلك قوة التأثير على حزب العدالة والتنمية الذي انشق عن حركة "مللي غروش" أو "الرأي الوطني"، وقوة التأثير على القاعدة الانتخابية لذلك الحزب، كما أن السعادة هو الحزب الذي ينزعج العدالة والتنمية بشكل كبير من وجوده في "تحالف الأمة" الذي يتكون إلى جانب السعادة من أحزاب الشعب الجمهوري، و"الصالح"، و"الديمقراطي"، وذلك لما يسببه ذلك الحزب من قلق لدى حزب العدالة والتنمية من احتمال تحول الناخبين عن الأخير لصالحه.
 في سياق متصل يؤكد تمل كرم أولا أوغلو، رئيس حزب السعادة، أن استطلاعات الرأي التي قاموا بها تبين أن نسبة "المستاءين" بين ناخبي العدالة والتنمية، وقاعدته وصلت إلى 20 في المئة.
ولعل الخطوة التي لفتت الانتباه بعد هجوم أنصار حزب الحركة القومية على أنصار حزب السعادة، جاءت من كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي قام برفقة عدد من النواب من حزبه بزيارة مصابي حزب السعادة بالمستشفى بأنفسهم، وتمنوا لهم الشفاء العاجل.
أما ميرال أكشنير زعيمة الحزب "الصالح" فقد عبرت عن تمنيها بالشفاء لمصابي حزب السعادة من خلال تغريدة نشرتها على حسابها الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر". كما أن كمال كليتشدار أوغلو، بعد الاحتفال الذي أقيم بهدف الإعلان عن البيان الانتخابي لحزبه، والتعريف بمرشحيه لخوض الانتخابات المقبلة، قام برفقة عدد من النواب بزيارة أخرى للمصابين، الأمر الذي يعد إشارة توضح بما لا يدع مجالًا للشك أن الاتفاق الانتخابي بين حزبي السعادة والشعب الجمهوري يسير على أرضية أخرى صلبة أكثر من التحالف الانتخابي.
ومن الجدير بالذكر أن الحوار القائم الآن بين كمال كليتشدار أوغلو، وتمل كرم أولا أوغلو، يهدف إلى نقل روح الائتلاف الذي أبرم بين حزب الشعب الجمهوري  وحزب السلامة الوطني عام 1974، إلى الوقت الحاضر، وكذلك نقل روح الشراكة التي كانت بين رئيس الشعب الجمهوري آنذاك، بولنت أجاويد، وزعيم الحزب الثاني، نجم الدين أربكان.
ومما يؤكد كل هذه التكهنات بشأن ذلك التعاون وتلك الشراكة القوية بين الحزبين في الوقت الراهن، هو أن كمال كليتشدار أوغلو، رد بقوة على عدد من النواب داخل حزبه ممن يمثلون جناح اليسار فيه، حينما هاجموا رئيس حزب السعادة تمل كرم أولا أوغلو، على اعتبار أنه كان رئيس بلدية "سيواس" حينما وقعت مجزرة فندق "ماديماك" التي راح ضحيتها 33 شخصًا لقوا حتفهم حرقًا على يد متطرفين حينما حرقوا الفندق عام 1993. ومن بين نواب حزب الشعب الجمهوري البارزين المعارضين لـ"تحالف الأمة" وتعاون حزبها مع حزب السعادة،  زينب آلطي أوق التي راح والدها  متين آلطي أوق ضحية حادث الفندق المذكور.
وبسبب موقف زينب آلطي أوق من تعاون الشعب الجمهوري مع حزب السعادة، لم يرشحها حزبها ضمن قائمة الأسماء المعروفة بـ"نواب المقدمة"، كما أن الحزب لم يضعها أيضًا ضمن الأسماء التي توصف بأنها "معارضة اليسار"، في حين أنه في العام 2015 رشح الحزب ذات النائبة عن ولاية إزمير.
ولا جرم أن تمل كرم أولا أوغلو، يعرف جيدًا حساسية هذه الواقعة لدى القاعدة الانتخابية لحزب الشعب الجمهوري، لا سيما العلويين منهم، ومن ثم فإنه كان حريصًا في كل التصريحات التي أدلى بهذا الخصوص، على وصف الحادث بأنه كان "يومًا أسودًا" في تاريخ سيواس، بل في حياته السياسية كرجل كان يترأس آنذا رئيس بلدية الولاية. وفي آخر لقاء تلفزيوني شارك فيه الرجل قال إنه "لم يحزن عندما دخل السجن في 12 سبتمبر، بقدر حزنه على ما وقع في أحداث فندق سيواس".
كما أن الحزب "الصالح" الذي يعتبر أحد الأحزاب المكونة لـ"تحالف الأمة"، يبدو أقرب من شريكه الآخر في التحالف "الحزب الديمقراطي"، ومن ثم فإنه رشح على قائمته عددا من مرشحي الحزب الآخير.
أما حزب الشعوب الديمقراطي كما قلنا آنفًا إنه قريب أكثر من حزب السعادة في ذلك التحالف المكون من أربعة أحزاب.
ووصول حزب السعادة للعدد الذي يمكنه من تشكيل كتلة نيابية في البرلمان، ونجاح 20 نائبا على الأقل من قائمته في دخول المجلس التشريعي، واحدة من أهم الاستيراتيجيات الانتخابية لحزب الشعب الجمهوري. لذلك نجد أن زعيمه كليتشدار أوغلو زعيم الشعب، قد وضع الأسماء التي أبلغها حزب السعادة، على قوائم الترشح الخاصة بحزبه، بل وإن هذا الرجل قاوم الاستقالات التي جاءت من الحزب كرد فعل غاضبة حيال هذه الخطوة.
وتشير استطلاعات الرأي التي تتم حاليًا، أن نسبة أصوات حزب السعادة التي سيحصل عليها في الانتخابات المقبلة ستتراوح بين  2و3 في المئة، لكن في حال ما إذا نجح الحزب في الحصول على نسبة 4 في المئة أو أكثر، فإن هذا يعني أن "تحالف الأمة" سيحصل على الأغلبية المطلقة في البرلمان، أي أن هذا التحالف سينجح في إدخال أكثر من 300 عضو في البرلمان. ولعل هذا الأمر هو ما يجعل من مكانة حزب السعادة وأهميته أمرًا محوريًا. 
تمل كرم أولا أوغلو، رئيس حزب السعادة، يزعم أن استطلاعات الرأي لا تعكس الحقيقة بأي حال من الأحوال، بسبب تلاعب يشوبها، مشيرًا إلى أن الاستطلاعات التي أجراها حزبه توضح أن الحزب لن يعاني خلال الانتخابات المقبلة من أية مشكلة بخصوص مسألة العتبة الانتخابية، وأنهم وفق تلك الاستطلاعات تجاوزوا معدل الـ10 في المئة. وأوضح أن هناك تحول كبير لصالح حزب السعادة من القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، لا سيما من المستاءين.
ومن الجدير بالذكر أن حزب "السعادة" من بين الأحزاب التي يمارس ضدها حظر إعلامي هو الأشد من نوعه، مع حزبي "الصالح"، والشعوب الديمقراطي. كما أنه كحزب يضطر  لإدارة برامج تجمعاته الانتخابية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت؛ وذلك بسبب الصعوبات المادية التي يواجهها في ذات الوقت. ومن ثم هو يحاول ألا يصبح متأخرًا في حملته الانتخابية، لذلك يقوم بعمل نقل مباشرًا للتجمعات التي يعقدها في القاعات المغلقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ كي يتسنى له مواكبة التطورات.
تمل كرم أولا أوغلو قال في وقت سابق (موجهًا خطابه لأردوغان وحزب العدالة التنمية)، "إذا كان الإعلام ملكك، فنحن ملوك مواقع التواصل الاجتماعي"، ولقد أجرى أول تجمع انتخابي إلكتروني من ولاية سكاريا التي تنتشر فيها بشكل كبير حركة "مللي غروش"، ولقد أجاب هذا الرجل على مئات الأسئلة التي تدفقت عبر الإنترنت.
ولقد قيل إن ما يقرب من 120 ألف شخص تابعوا ذلك التجمع عن طريق الإنترنت. وبعد البرنامج الذي نظمه حزب السعادة في مدينة إسطنبول للتعريف بمرشحيه للانتخابات المقبل، أعلن يوم الأحد 27 مايو بيانه الانتخابي.
البيان الانتخابي الذي تلخص في 6 عناوين رئيسية، قدم وعودًا بالشفافية وإمكانية المحاسبة، نظام شفاف لطرح المناقصات،وتشكيل آليات رقابة داخلية وخارجية قوية لمتابعة السلطة التنفيذية، وإنهاء الاستقطاب والتعايش المجتمعي، وتأكيدحيادية القضاء واستقلاله، وتخليصه من الضغوط السياسية، والفصل بين السلطات.
ولقد شدد البيان على أن حزب العدالة والتنمية يطبق نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الفوائد والريع، وأن الاقتصاد بهذا النموذج لا يمكن بأي حال إنقاذه من الانهيار. كما وعد بحل القضية الكردية بشكل سلمي من خلال العقل، والعدالة، والمساواة، والحقوق، والتصالح.
ومن المنتظر أن تشهد الأيام المقبلة قيام تمل كرم أولا أوغلو بإعلان "تقرير حل القضية الكردية" الذي اشتغل عليه حزب السعادة منذ فترة طويلة، وسيكون هذا الإعلان من ولاية ديار بكر.
وتتلاقى مع وعود حزب السعادة، تلك الوعود التي أفصح عنها حزب الشعب الجمهوري في بيانه الانتخابي الذي أكد فيه بأنه سيجعل من عيد "النوروز" مناسبة رسمية. وتدور الوعود الانتخابية التي وردت في بيان الحزب حول مسائل متعلقة بنماذج حل الأزمة الاقتصادية، وكذلك تلك الوعود المتعلقة بالقضاء، والجامعات، والبطالة بين الشباب، والحد الأدنى للأجور، وسن الإحالة للتقاعد.
وبحسب التوقعات التي تشير إليها بعض استطلاعات الرأي فإنه في حال حصول حزب السعادة على نسبة 4 أو 4.5 في المئة من الأصوات، فإن عدد نواب "تحالف الأمة" الذين سيدخلون البرلمان سيتراوح بين 303 و311 نائبًا.
وعلى الجانب الآخر فإن استطلاعات رأي أخرى ترى أن حزب الشعوب الديمقراطي لن يجد صعوبة في تخطي العتبة الانتخابية، وأنه قد يمثل في البرلمان بعدد من النواب يتراوح بين 50 و 70 نائبًا، ما يعني أن تكتل المعارضة في البرلمان سيكون له ثقل كبير.
ومقابل هذا فإن هناك أقويل تشير إلى أن قبول الولاة في 19 ولاية بمنطقتي شرق، وجنوب شرقي تركيا طلبات اللجنة العليا للانتخابات بخصوص نقل الصناديق الانتخابية، ودمج أخرى في العديد من المناطق النائية، والقرى تحت ذريعة الأمن، الهدف الرئيس منه هو عرقلة حزب الشعوب الديمقراطي، ودفعه ليصبح عاجزًا عن تخطي العتبة الانتخابية.
ولا غرو أن قرار نقل الصناديق الانتخابية يشمل ما يقرب من 270 ألف ناخب متواجدين في المناطق التي يكون التصويت فيها لصالح حزب الشعوب الديمقراطي.  نائب ذلك الحزب عن ولاية ماردين، نهاد سنجار، تقدم بالتماس اعتراض على قرار النقل، لكن المحكمة العليا للانتخابات رفضت التماسه، واعتبر النائب قرار اللجنة الخاص بنقل ودمج صناديق الانتخابات "تدخلًا يهدف للتأثير على نتيجة الانتخابات التي سيكون الفرق فيها ولو 0.1 في المئة، أمرًا فارقًا في تلك النتيجة".
على جانب آخر عقدت الجمعية العامة للمحكمة الدستورية التركية جلسة في 31 مايو الجاري، من أجل النظر في الدعوى القضائية التي رفعها حزب الشعب الجمهوري بزعم أن التعديلات التي أجريت على قانون الانتخابات من قبل، تتعارض مع الدستور المعمول به في البلاد.
لكن المحكمة الدستورية رفضت إلغاء بعض المواد المتعلقة بقانون الانتخابات المثيرة للجدل.
وعموما فإن الأجندة الأساسية لدى الرأي العام لن تخلو من جدل آخر حول مزاعم الوصاية السياسية المفروضة على المحكمة الدستورية التي يختار أغلبية أعضائها الرئيس رجب طيب أردوغان، والكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية، لا سيما وأن هذه المزاعم مطروحة منذ فترة طويلة على تلك الأجندة.
وحري بنا في نهاية المقال أن نؤكد على أن هذه الفوضى العارمة قانونيًا، وسياسيًا، وقضائيًا سيكون لها تأثيرها السلبي البالغ على الاقتصاد، وأسعار صرف العملات الأجنبية، والفوائد.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: