عمر تاشبنار
نوفمبر 28 2017

الجيش التركي بعد اختراقه من الاسلاميين .. ماذا بعد؟

يحب الأتراك جيشهم. هذه حقيقة راسخة حتى في الثوابت الوطنية التركية حيث ينظر الشعب التركي إلى بلادهم باعتبارها مثالا على الأمة المحاربة التي لا تقهر، وحتى يومنا هذا، لا تزال الخدمة العسكرية الإلزامية من الطقوس التي تعبر عن بلوغ سن الرشد بالنسبة لمعظم الشبان الأتراك.

لكن في حالتي، كانت الخدمة العسكرية أشبه بالانخراط في تجربة اجتماعية قصيرة.

"كل الأتراك يولدون جنودا!" هذا كان نشيد المعركة أثناء تدريباتنا العسكرية، وغالبا ما كنا نؤديها بحماسة وكفاءة متباينتين. ولن أنسى أبدا الشعور الغامر بالفخر الوطني الذي ظهر على أوجه رفقائي في السلاح عندما ارتدوا زيهم العسكري لأول مرة.

كما أن الخدمة العسكرية - جنبا إلى جنب مع النظام التعليمي - هي المرحلة التي تُزرع فيها روح بناء الدولة في شبابها حيث درسنا من فصل دراسي لآخر داخل الجيش تاريخ الأعداء الذين تم قهرهم والأراضي التي تم فتحها من آسيا الوسطى إلى الأناضول.

تعلمنا داخل الجيش أن تاريخ نشأة الدولة التركية هو عبارة عن مسيرة بطولية لا هوادة فيها ولم يكن بالإمكان كبح جماحها إلا على بوابات فيينا. والمفرح في الأمر بالنسبة لنا أن هؤلاء الأوروبيين "المزعجين" غالبا ما كانوا هم الطرف المهزوم أمام القوة التركية الساحقة آنذاك.

هذا لا ينفي بالطبع أن هناك صورة مغايرة لهذا التاريخ في نظر الغربيين حيث يبدي المتشككون منهم نظرة أقل إيجابية بكثير عن براعة العسكرية التركية.

ولم تتجاوز سمعة "التركي الرهيب" سوى شهرة المغول قساة القلب في شراستهم وعُرف عن المحاربين الأتراك والمغول الشراسة الناتجة عن حياة الترحال وبراعتهم في الفروسية وحدة الطباع وهي سمات مشتركة كان لها من الأثر الكبير في سير الحملات التركية والمغولية التي عصفت بالممالك الغربية.

لكن ما يميز حقا الثقافة السياسية التركية هو الطابع الراسخ للعقيدة العسكرية واستمراريتها، فعلى الرغم من الهزائم التي لا حصر لها على مدى قرون طويلة موجعة من اضمحلال الإمبراطورية العثمانية، جدد الجيش مجده مع أتاتورك. ووُلدت الجمهورية الكمالية فوق ساحات القتال مع إظهار الجنود الأتراك بطولة ملحمية ضد أعداء كانوا أكثر قوة بكثير.

وحتى في ثقافتنا السياسية المعاصرة، نمت مكانة الجيش بشكل مطرد حتى أصبح المؤسسة التي تتمتع بأكبر قدر من الثقة مجددا. على الأقل هذا كان الحال حتى محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي حدثت العام الماضي.

غير أنه من السابق لأوانه التيقن ما إذا كانت أزمة يوليو 2016 الصادمة والدموية قد أدت إلى تغير الصورة الإيجابية للجيش في أعين الأمة التركية صاحبة التاريخ الطويل في الحروب.

ومما لا شك فيه أن ما حدث كان مهينا بشدة لمؤسسة تفخر بانضباطها ومهنيتها وتسلسل قيادتها الصارم.

كما أنه من المرجح أن تطارد أجيال المستقبل العديد من المشاهد المؤسفة من الأزمة، مثل صور الجنود الشباب وهم يطلقون النار على المدنيين على جسر البوسفور ومقاتلات "إف-16" وهي تقصف البرلمان وأفراد الجيش الذين تعرضوا للسحل من قبل الحشود الغاضبة واصطفاف ضباط الجيش أمام رجال الشرطة الذين عاملوهم بوحشية، ناهيك عن أحداث الفوضى والإهانة في هذه الليلة العصيبة.

وسوف يستلزم الأمر أكثر من بضع سنوات من أجل أن ينسى المواطنون ما حدث ويبدأون في التعافي والعفو والمسامحة.

ويتملكني إحساس بأن الجيش التركي لا يزال يعاني من الصدمة وانخفاض المعنويات والإحباط. ومن المؤكد أن توجيه أصابع الاتهام إلى أتباع فتح الله غولن بوصفهم الجناة الرئيسيين يمكن أن يساعد على معالجة هذا الوضع، لكن أعداد الضباط ذوي الرتب العالية الذين شاركوا في الانقلاب تثير العديد من الأسئلة التي لا تزال دون إجابة حتى الآن.

وأعفي بالفعل ما يقرب من نصف الجنرالات والأميرالات في القوات المسلحة التركية، وهو رقم ضخم. هل كانوا جميعا أعضاء في شبكة غولن؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الجيش يمر بالتأكيد بأزمة وجودية حيث أن هذا يعد اعترافا بفشل ذريع داخل صفوفه.

وهذه الاحتمالية تأخذنا إلى سؤال آخر: ماذا أصاب آلية المراقبة والتدقيق في شؤون عناصر الجيش والتي كانت تشتهر بفعاليتها إلى حد كبير؟ لماذا كان من السهل للغاية بالنسبة لحركة إسلامية التسلل إلى المؤسسة الأقل قابلية للاختراق في البلاد؟

من المعروف أن تركيا دائما ما تكون أرضا خصبة لنظريات المؤامرة، وبالطبع ظهرت العديد من الروايات المختلفة لما حدث بالضبط يوم 15 يوليو. لكن لا أحد يملك الحقيقة الكاملة على وجه اليقين.

فعلى سبيل المثال، يؤمن حزب المعارضة الرئيسي أن القيادة السياسية ساهمت في تدبير محاولة الانقلاب بمقدار النصف على الأقل ويسمونها "انقلابا خاضعا للسيطرة"، فيما تشكك وسائل الإعلام الغربية كذلك في الرواية الرسمية للحكومة التي تلقي بكل اللوم على غولن.

كما أن تحول تحقيق برلماني بشأن الانقلاب الفاشل إلى مهزلة لم يساعد على تجاوز الأزمة، بل على العكس ظهر التحقيق وكأنه محاولة متعجلة للتغطية على الأمر.

لكن هناك شيء واحد مؤكد، وهو أنه من مصلحة الجيش وإردوغان الحفاظ على احترام المؤسسة العسكرية من خلال تبرئة الضباط الكماليين من أي مسؤولية في الانقلاب.

ومن المهم للغاية أيضا ألا يكون للعقيدة الأساسية للجيش والجمهورية (الكمالية) دور في هذا التمرد "غير القانوني" أو "الإرهابي" الذي شنه خونة بحق الأمة.

وبعبارة أخرى، فإن توجيه الاتهام إلى جماعة غولن (التي باتت تعرف رسميا باسم "منظمة فتح الله غولن الإرهابية") باعتبارها المسؤولة الأولى والوحيدة عن محاولة الانقلاب يخدم هدفا رئيسيا، وهو استعادة الإحساس بالوحدة الكمالية والتماسك والانضباط وحس التضامن في صفوف الجيش.

ولن يكون هناك خلاف بين إردوغان وقادة الجيش بشأن وصم منظمة فتح الله غولن باعتبارها تهديدا وجوديا للجمهورية والسبب الجذري لجميع مشاكلها.

ويشكل هذا الموقف أيضا سببا في أن تمهد محاولة الانقلاب الفاشلة الطريق جزئيا أمام إفصاح إردوغان عن إعجابه مجددا بأتاتورك.

وبينما لا يزال إردوغان يحلم بجيل أكثر تدينا (وأقل اتباعا للحركة الكمالية) في الجيش، تظل السياسة هي فن إتقان الحلول التوفيقية. وفي الوقت الراهن، سيسعى الرئيس التركي إلى الوصول إلى حل وسط.

وقد تشكل نسخة إسلامية جديدة من الحركة الكمالية تستهدف الأكراد والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومنظمة فتح الله غولن الأرضية المشتركة المنشودة بين الطرفين.

وليس من المستغرب أن يكون ضباط الجيش الكماليين سعداء للغاية بشأن الانخراط في هذه الخطة حيث أن استهداف هذه القائمة من الأعداء سيحظى بتأييدهم المطلق.

باختصار، وجد إردوغان والجيش منصة مشتركة، وهذه العلاقة الجديدة المبنية على المصلحة من المرجح أن تدوم لفترة من الوقت.

وعلى المدى الطويل، فإن نظرة الغرام التركية تجاه الجيش ستتغلب على تداعيات انقلاب منظمة فتح الله غولن "الإرهابية".

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: