ذو الفقار دوغان
فبراير 07 2018

الحالة النفسية للسياسة التركية في وضع يُرثى له

بعد مضي نحو أسبوعين على انطلاق عملية غصن الزيتون التي تشنها القوات المسلحة التركية ضد وحدات حماية الشعب الكردية، وحزبي العمال الكردستاني، والاتحاد الديمقراطي في عفرين شمالي سوريا، نجد أن حالة الجدل الدائرة في الداخل التركي على خلفية العملية تزيد من المخاوف المتعلقة بلغة السياسة التي يستخدمها السياسيون في البلاد.
المشادات الكلامية بين المعارضة والرئيس رجب طيب أردوغان، بشأن الجيش السوري الحر، كان من شأنها رفع حدة التوتر في السياسة، وتصعيد لهجة الخطابات بين الجانبين.
رئيس الجمهورية اعتبر في وقت سابق أن الجيش السوري الحر المشكل بدعم من القوات المسلحة التركية، يماثل "القوة الوطنية" التي خاضت حرب الاستقلال الوطني لتركيا. أما حزب الشعب الجمهوري الذي يتزعم المعارضة في البلاد، في الوقت الذي دعم فيه عملية غصن الزيتون على أنها "حق ومشروعة"، جاء من جهة أخرى وأعرب عن مخاوفه وقلقه بدعوى أن الجيش السوري الحر له صلات بالقاعدة والتنظيمات الجهادية المختلفة.
الحزب المعارض يزعم أن تركيا من الممكن أن تبقى في وضع صعب بسبب الجيش السوري الحر، وفي المقابل جاء رد فعل أردوغان حيال تلك الانتقادات عنيفًا، وكال لمن يقولون ذلك اتهامات عدة من بينها خيانة الوطن، ودعم الإرهاب.
وردًا على ذلك خرج أنغين آطلاي، نائب رئيس الكتلة النيابية للشعب الجمهوري، ليقول إن أردوغان "مصاب بعادة البذاءة والتحقير"، وبعدها جاء ماهر أونال، متحدث حزب العدالة والتنمية الحاكم، ورد على آطلاي مؤكدًا أن المنتمين للحزب المعارض المذكور "مصابون بالمرض النفسي وباضطراب الشخصية المتعدد".
الأطباء النفسيون يقولون إن قيام السياسيين بـ"التشخيص المتبادل للأمراض النفسية" له انعكاساته على المجتمع، مشيرين إلى أن اللغة السياسية ذات الجرعة العالية من الغضب والعنف والشتائم، من الممكن أن تتسبب في حدوث صدمات اجتماعية شديدة، وعداوات.
وفي تعليق منه على ذلك قال شاهوت دوران، عضو اللجنة التنفيذية المركزية لجمعية الطب النفسي التركية، المتحدث باسم الجمعية، لموقع "أحوال تركية"، إن "العواطف معدية"، وأضاف قائلا: 
"العواطف المختلفة مثل الغم، والقلق، والحزن، والبهجة، والسعادة والغضب، تؤدي إلى نوع من التفاعل المتبادل. ولا غرو أن استمرار السياسة في استخدام لغة إعلامية غاضبة مليئة بالعنف، أمر من شأنه أن يعزز من وجود وانتشار ثقافة  الفتك بالآخر خارج إطار القانون. وبالتالي فإن تأثر الحالة النفسية للمجتمع جرّاء ذلك، أمر مؤكد لا محالة".
في الحقيقة عندما نرجع للوراء، نجد أن هذه اللغة السياسية التي نتحدث عنها، تظهر على السطح وتنتشر قبيل كل فترة انتخابية.
 وفي السياق ذاته يرى آيتون تشيراي، أمين عام الحزب الصالح، ونائبه عن ولاية إزمير، أن المجتمع التركي لا يستحق هذا التشاؤم واليأس اللذين تسببت فيهما اللغة السياسية. ولفت أن استطلاعات الرأي التي أجريت أظهرت تدني مستوى الثقة في السياسة والسياسيين، مشيرًا إلى أن اللغة السياسية المتداولة يتم استخدامها بوعي شديد.
 وتابع تشيراي قائلا:
"اختيار النظام الحاكم لهذه اللغة، ليس من قبيل الصدفة، فهو يفعل ذلك عن معرفة ودراية. إذ نرى أحدهم يصيح، ويرفع نبرة صوته بكلام ملئه العنف والغضب والشتم، وعندئذ لا يسمع المرء مقابله".
 فالغضب عاطفة قوية، وبه لا يمكن نقاش الأفكار والانتقادات. وهذا الأمر يحدث حتى عند الحديث في موضوعات تقتضي وحدة وطنية مثل عملية عفرين. إذ يُشَنُّ الهجوم على من يدعم، ومن يرغب في توضيح شيء، أو تقديم توصية ما بخصوص العملية.
 وهذه السياسة تسمى بسياسة (العجز) التي يتم استخدامها عن دراسة لإسكات المجتمع وقمعه. لكن آن الآوان لإنهاء الاستقطاب ولغة الغضب هذه؛ لأن الاستماع يوميًا إلى العنف والسب، أمر بات يصيب الناس بالملل".
وإذا انطلقنا من مقولة "العواطف معدية"، يمكننا الوصول لنيجة مفادها أن انعكاسات لغة السياسة المليئة بالبهجة والحب والاحترام، حتمًا ستكون انعكاسات إيجابية. وأحد أكثر الطرق المؤثرة لتحقيق ذلك، هو مشادات السياسيين الهزلية، والفكاهة النقدية.
 فلا شك أن الأسلوب الهزلي يعتبر أحد الوسائل الأساسية لدى المجتمع لجعل خطابات الأقوياء مواد مزاحٍ فكاهية.
تجدر الإشارة أنه قبيل انقلاب 12 سبتمبر 1980، كانت هناك العديد من المجلات الهزلية التي كانت تتخطى مبيعاتها الأسبوعية المليون نسخة، مثل مجلات ميكروب، وفرات، وغيرغير، كانت موجودة حتى في الفترات التي وصلت فيها الفوضى والصراعات ذروتها.
وبعد الانقلاب استمرت هذه المجلات في نشر موادها التي كان يعارض بها المجتمع الأنظمة القمعية من خلال رسوم الكاريكاتير الهزلية، والنكات والنوادر وغيرها. حتى إنه كانت هناك نوادر تسخر من الانقلابي كنعان أفرين، ومنها على سبيل المثال نكتة "الديمقراطية" والتي تقول:
كان حلاق أفرين الخاص إذا أرد أن أن يحلق ذقن سيده بشكل أفضل، كان في كل مرة يتعمد سؤاله قائلًا "سيدي متى تنتقل البلاد للديمقراطية ؟"، وسبب ذلك السؤال، هو أن أفرين عند سماع كلمة الديمقراطية، يقف شعر بدنه، فيتمكن الحلاق من أداء عمله بصورة أفضل لخروج الشعر بشكل واضح.
ومن السياسيين الذين قيلت بحقهم نكات، ورسمت لهم صور هزلية، بل وكتبت بشأنهم كتب نوادر، الرئيسان سليمان ديميرال، وتورغوت أوزال، ورئيس الوزراء يلدريم آق بولوط. 
كما كانت هناك ألقاب خاصة بالسياسسن، مثل "جوبان سولو/سليمان الراعي" لقب سليمان ديميرال، و"خفيف الظل" كان لقب تورغوت أوزال، و"قرا أوغلان" لرئيس الوزراء بولنت أجاويد، و"الأستاذ" لنجم الدين أربكان، أما تانسو جيلار فكان لقبها "المرأة الجميلة الشقراء".
 

نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاة، وسليمان ديميرال زعيم حزب الطريق القويم (الى اليسار)، وأردال إينونو زعيم حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي (على اليمين)، أثناء مشاركتهم في مؤتمر الديمقراطية الذي نظمته جمعية كان يترأسها الكاتب التركي عزيز نسين. (صورة أرشيفية-
نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاة، وسليمان ديميرال زعيم حزب الطريق القويم (الى اليسار)، وأردال إينونو زعيم حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي (على اليمين)، أثناء مشاركتهم في مؤتمر الديمقراطية الذي نظمته جمعية كان يترأسها الكاتب التركي عزيز نسين. (صورة أرشيفية-


لا جرم أن هناك العديد من المجلات الهزلية التي برزت في الوقت الراهن، مثل ليمان، وبانغوان، وأويكوسوز، لكنها ما إن سلكت مسلكًا هزليًا له علاقة بالسياسة، سرعان ما اصبحت عرضة للتحقيقات، ولقضايا الشتم، ومطالبات بوقف النشر، والحظر، وسحب جمع نسخها من الأسواق. 
فعلى سبيل المثال نجد أن مجلة بانغوان اضطرت لإنهاء مسيرتها الهزلية التي استمرت 10 سنوات، وأوصدت أبوابها.
ويؤكد الطبيب النفسي الشهير جمهور بوراتاف، أن برامج الطب النفسي على شاشات التلفزيون كان لها دورها الفعال في استخدام المصطلحات النفسية في اللغة اليومية، ولغة السياسة.
 وأن السياسيين يستخدمون تلك المصطلحات بشكل أكثر بغرض الإهانة والتحقير، وكذلك بغرض العنف اللفظي. 
وأوضح أن طريقة حديث الرئيس أردوغان، كانت فعالة ومؤثرة في الفترة الأخيرة من هذه الناحية. كما أكد أن رسوم الكاريكاتير، والنكات الهزلية، لها تأثير كبير في تأصيل فكرة التسامح في الحياة السياسية، لكن في الفترة الأخيرة بات الاتجاه الهزلي غير مستحب كثيرًا. 
وتابع الطبيب بوراتاف قائلا:
"لقد انتشرت بشكل كبير فكرة استخدام العنف اللفظي تجاه الآخرين. ولقد بدأ هذا الأسلوب ينتشر بشكل كبير في اللغة اليومية،لأنه استقر في الوجدان أن هذه الطريقة تجدي في كبح جماح الناس.
 فمن يلجأ إلى لغة العنف والغضب، يكبح جماح منافسه من ناحية، ومن ناحية أخرى يغلف الإهانات التي يطلقها بالمصطلحات النفسية التي يتعلمها من التلفاز".
ولنائب رئيس الوزراء التركي السابق، عبد اللطيف شَنَر، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، عددًا من القناعات المثيرة في هذا الصدد. 
فهو يرى أن أسلوب السياسيين يشكل الثقافة الاجتماعية، والمواقف المتبادلة في ظل أجواء يهيمن فيها النظام الحاكم على وسائل الاتصال والتواصل.
ويقول شنر إن الفترة الأخيرة "شهدت اتباع أسلوب سياسي حاد، وعدواني، وانفصالي، في التقرب للآخرين وكأنهم ليسوا من أبناء هذا البلد، أمر من شأنه إلحاق أضرار جسيمة بالوطن والمجتمع".
شاهوط دوران المتحدث باسم جمعية الطب النفسي التركية، شدد على أن التشخيصات النفسية التي يطلقها السياسيون على بعضهم البعض بين الحين والآخر، أمر لا يمكن قبوله أخلاقيًا.
 مضيفًا ان "الأحاديث والخطابات المليئة بالبذاءات والشتائم، نوع من أنواع التشخيص. ولعل أن استخدام السياسيين للمصطلحات النفسية من أجل تحقير الآخرين، أمر من شأنه عرقلة نظرة الأفراد بشكل إيجابي للعلاج، وبالتالي يمنعهم من الخضوع لهذا العلاج. 
فلا شك أن السياسة لا تختلف عن الطب من حيث أن كليهما يستهدفان الإنسان والقيم الأخلاقية. لذلك فإن الميل إلى استخدام لغة غير أخلاقية، أمر يزيد من ثقافة العنف والإرهاب، ويلحق الضرر بالمجتمع ككل".
من الجدير بالذكر أن رئيس الوزراء الراحل بولنت أجاويد كان حريصًا على استخدام كلمة "السيد" أثناء الحديث مع منافسيه السياسيين، وذلك رغم الأزمات الاقتصادية، وصراعات اليمين واليسار في فترتي السبعينيات والستينيات. فالرجل لم يتخلَ عن كياسته السياسية حتى في أكثر النقاشات ضراوة.
عبد اللطيف شَنَر، يقول أيضًا إن فترات حكم  أربكان، وديميرال، وأجاويد وأوزال، "كانت النكت والفن الهزلي يشكلان فيها عنصرًا هامًا من عناصر المنافسة السياسية، إذ كانت سببًا في التخفيف والترويح عن الجماهير التي تتبنى أرآء سياسية مختلفة، لكن اليوم باتت النكات السياسية أمر غير مقبول، ولا يتحملها أحد".
في ذات السياق أوضح شنر أن صلاح الدين دميرطاش الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي، كان أكثر القادة السياسيين تمتعًا بروح الفكاهة والدعابة، وأضاف قائلا:
"لقد كان دميرطاش أحد مرشحي الانتخابات الرئاسية التركية لعام 2014، وكان حينها يتمتع بروح الدعابة وخفة الظل، وهو أسلوب استطاع من خلاله خلق معارضة شديدة، فلم يستطيعوا تحمله، ومن ثم أبعدوه عن السياسة.
 لا شك أن النظام الحاكم قبل المعارضة، تقع على عاتقهم مسؤولية استبعاد العنف والغضب من لغة السياسة. فالمعارضة ستنتقد، وترفض، والنظام الحاكم يستمع بكل أريحية، ويصغي لما يقال. فهذا شرط عودة السياسة إلى طبيعتها". 

صلاح الدين دميرطاش زعيم حزب العشوب الديمقراطي، معتقل في أحد السجون بولاية أدرنة منذ 4 نوفمبر 2016
صلاح الدين دميرطاش زعيم حزب العشوب الديمقراطي، معتقل في أحد السجون بولاية أدرنة منذ 4 نوفمبر 2016

في المقابل نجد أن حزب السعادة التركي يعترض على مساعي النضال السياسي التي تهدف للإقصاء في ظل الأجواء العامة التي تسببت فيها عملية عفرين، تلك المساعي التي تعتمد على "تصنيف هذا أو ذاك بكونه وطني أو غير وطني، محب للوطن وخائن، وداعم للإرهاب". 
ولقد أعرب الرئيس العام للحزب تمل كرم أولاأوغلو، عن انتقاده الشديد "للمساعي الراغبة في استخدام عملية عفرين كأداة في السياسة الداخلية".
قيام الصراع بين النظام والمعارضة في السياسة الداخلية، على محور "لغة العنف والغضب"، لا شك يغذي ثقافة الفتك بالآخرين والنيل منهم، كما أوضح الأطباء النفسيون آنفًا.
وختامًا نود التأكيد على أن الحالة النفسية للمجتمع وأفراده، تتأثر سلبًا باللغة المستخدمة في السياسية، وبالرسائل التي تتبناها بعض وسائل الإعلام بهدف تهديد كل من يعارض عملية عفرين من صحفيين، ونواب برلمان، وتوعدهم بالقتل، وشتمهم.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/zulfikar-dogan/turkiye-siyasetinin-psikolojisi-bozuldu