جنكيز أكتار
فبراير 17 2018

الحرب التركية في عفرين تفتح باب جهنم بحق بشر تمّ إخراجهم من ربقة الإنسانية

 

لا بدّ من معارضة الحرب بإصرار كبير رغمًا عمن يتغذون على رائحة الدم. اليوم نحن نرى أن ثمة صدعان يبرزان لنا التصدعات والتشققات الأخرى التي تعاني منها تركيا. أولهما ذلك الصدع الفاصل بين من يفكرون ويتحركون بنفس أسلوب النظام الحاكم من جهة، وبين من هم على النقيض من ذلك تمامًا من جهة أخرى. لكن خط الصدع الثاني الذي تسببت فيه الحرب، بات يوضح لنا هذا الأمر بشكل جلي. المكان الذي انقسم عنده المجتمع، هو ذلك الحد الفاصل بين من يقدسون الحرب والموت، ومن يعارضونهما.
الحرب التركية في عفرين تفتح باب جهنم الذي قنّنن كافة أشكال المعاملات غير الإنسانية بحق بشر باتوا لا يُعتبرون بشرًا بعد إخراجهم من "ربقة الإنسانية".
الغارات الجوية والبرية التي تقتل أكراد عفرين بكل استمتاع، تظهر لنا أن هؤلاء الناس ممن لقوا حتفهم أُخرجوا من ربقة الإنسانية فتم قتلهم. فالمحارب الذي كان بالأمس القريب يبذل قصارى جهده ليتستر على مجزرة "روبوسكي" ( أسفرت عن مقتل 34 كرديا على الحدود التركية مع منطقة شمال العراق في عام 2011.)، بات اليوم واثق بشدة من مشروعية ما يقوم به في عفرين.
عملية المطاردة التي انطلقت ضد كل من يعارضون الحرب داخل تركيا، مفتاح ضبط وربط لم ينجح النظام في استخدامه بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ رغم كل ما يقوم به من ممارسات غير قانونية. النظام الذي يزأر ضد معارضي الحرب قائلا "من أين أنتم"، يرى في هؤلاء المعارضين خونة يتعين قتلهم، أي أنهم وفق وجهة نظر النظام، ليسوا وطنيين قوميين.
لا شك أن الحرب كما شاهدنا من قبل في النموذجين الألماني، والإيطالي، ما هي إلا رحم شديد الخصوبة لظهور الفاشية. لا سيما أن الفاشية التركية تتغذى على الحرب وتتعاظم.
لا شك في أن تطهير هذه الأرض من العنف الذي أسرها منذ قرون، ليس بالأمر الهيّن. ذلك العنف الذي ضرب بجذوره في كل ركن من حياتنا، وفي كل تصرف وخطاب، لقد أسر الدولة، والسياسة، والمجتمع، حتى أن بيوتنا لم تسلم هي الأخرى منه. يبقى هذا العنف مجرد كلام يجري على ألسنتنا، إذا لم يطبق بشكل فعلي على أرض الواقع، كما أنه لا يتضرر منه أحد سوى من هم في عداد الأقلية.
من المؤكد أن تاريخ البشرية، هو تاريخ الحرب. والسجلات التي بدأت مع اختراع الكتابة عند السومريين، تقول إنه منذ ذلك الحين، وحتى الآن، أي من 5600 عام شهد العالم فترة سلام استمرت 300 عام، أكبر فترة منها تلك التي تسمى بـ"سلام روما" التي استمرت وحدها 200 عام.
ومن المعروف أن الحرب ليست مجرد خسائر بشرية فحسب، بل هي بكل المقاييس أكثر أفعال البشر تكلفة وتدميرًا. ولعل التماس طرق لعرقلة حرب ما، يوضح لنا العلاقات القائمة بين المجتمعات المختلفة. وبشكل ملخص فإن الحكمة من السعي لعرقلة الحروب مفادها "المحافظة على اختلافاتنا، وصراعاتنا الناجمة عنها، دون أن يقتل بعضنا البعض". السعي لعرقلة نشوب الحروب ليس أمرًا خاصة بالفترات الزمنية القريبة، بل هي موجودة منذ وجود الإنسان على ظهر البسيطة.  لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو، كيف تعاملت المجتمعات البشرية مع الحرب؟ لا غرو أن جزءًا كبيرًا له قيمته من الدراسات الأنثروبولوجية يركز على هذه المشكلة.
جارتنا أوروبا التي نعرفها بشعار "لا للحرب ثانية على الإطلاق"، لم تكفيها حرب عالمية راح ضحيتها الملايين، ومن ثم فإنها بعد استراحة دامت فترة بلغت 20 عامًا، وقعت حرب أخرى تسببت في مقتل ملايين آخرين. 
ولقد مضى أكثر من 70 عامًا على آخر حرب كبيرة. ولم تكل أو تمل مساعي البحث عن العدالة، رغم أنه كان هناك عنف يعكس بشكل واضح همجية بني الإنسان، هذا العنف كان منتشرًا في كل مكان بدءًا من الكتب الدراسية وحتى الثقافة الشعبية. وفي الحرب الثانية كان 60 في المئة من الخسائر البشرية التي تقدر بالملايين بأوروبا، من المدنيين. وبخلاف استثناء واحد أو اثنين في قارة أوروبا بأكملها، فإن القارة العجوز لم تأخذ نصيبها من الحروب التي وقعت بالقرن العشرين، والسبب بسيط، وهو أنه لم يكن هناك مدنيون.
مناهضة الحرب التركية في عفرين

 

وعلى الرغم من هذا السجل المروع لخسائر الحروب، فإنه لا أحد بهذه القارة في وضع يسمح له اليوم بضمان عدم وقوع حروب وقتال ثانية. وذلك لأنه في ظل النسيان لن يعني السلام شيئًا للأجيال الجديدة التي لم ترَ الوجه الحقيقي للحرب، وضحاياها من البشر.
ولهذا السبب كان "مؤشر السلام العالمي" أحد الأعمال الخيّرة التي كان يتعين إنجازها دون ملل أو كلل من أجل التشديد على أهمية السلام في العالم. وهذا المؤشر بمثابة محاولة لقياس وضع المسالمة النسبي للدول والمناطق المختلفة. وهذه الدراسة هي من بنات أفكار رجل الأعمال الأسترالي ستيف كيلليا، وتهدف لإطلاع الحكومات، والمؤسسات الدولية، وناشطي السلام، على معلومات وبيانات في هذا الصدد.
 والمؤشر من إنتاج معهد الاقتصاد والسلام، ووضع بالتشاور مع فريق دولي من الخبراء والمعاهد ومراكز البحوث، والفكر. ولقد أُطلق المؤشر أول مرة عام 2009، ويصدر سنويًا بشكل منتظم. ونفس الهيئة العلمية تضيف للمؤشر المذكور مؤشرًا آخر عن الإرهاب العالمي، فضلا عن إعدادها تقريرًا عن السلام الإيجابي.
ويقول رجل الأعمال الأسترالي ستيف كيلليا "هذا المؤشر مناشدة وتحذير لرؤساء العالم الذين يتعين عليهم أن يكونوا أكثر سلمية من أجل حل المعضلات الكبرى التي يواجهونها، بدءًا من التغيّر المناخي للدول، وحتى التنوع البيولوجي".
المؤشر يبحث في 26 معيارًا لتقييم وضع المسالمة النسبي في 163 دولة يشملها. وهذه الدول لا بدّ أن يكون عدد سكانها أكثر من مليون نسمة، و/أو تكون مساحتها فوق 20 ألف كيلو متر مربع.
ويعتمد مؤشر السلام العالمي على مجموعة من المعايير تدور حول عدة محاور منها الشؤون الداخلية والخارجية للدول مثل الاستقرار السياسي، ومدى انتشار الجريمة فيها، ومدى العنف المنتشر بين أفراد المجتمع، والصراعات الداخلية، والعلاقة مع البلدان المجاورة والجرائم الإرهابية الواقعة على أراضي الدولة، ومستوى احترام حقوق الإنسان أو ما يُسمى بـ"نطاق الإرهاب السياسي".
كما يعتمد على معايير أخرى منها مدى المشاركة في دعم قوات حفظ السلام، والقدرات العسكرية للدولة وحجم المشاركة السياسية، ومدى انتشار الفساد، والمساحة المتاحة لحرية الإعلام، ومشاركة المرأة في الحياة العامة والحياة السياسية، وتقديرات أعداد الوفيات الناجمة عن الحروب الخارجية، وتقديرات أعداد الوفيات الناجمة عن الحروب الداخلية، والإنفاق العسكري كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، واحتمال وقوع مظاهرات عنيفة، ومدى الرعاية الصحية المقدمة للسكان وفرص التعليم وغيرها من المحاور.
ولنتحدث هنا باختصارٍ عن مفهومين يتناولهما التقرير، ألا وهما السلام السلبي، والسلام الإيجابي:
السلام السلبي يعني عدم وجود العنف أو عدم وجود الشعور بالخوف منه، أي أنه ليس سلامًا بالمعنى المعروف. وهذا الوضع متعارف عليه في أدبيات العلاقات الدولية بعبارة "لا حرب ولا سلام".
مناهضة الحرب التركية في عفرين

 

أما السلام الإيجابي فمختلف عن سابقه، إذ يتم قياسه بمدى وجود تصرفات ومؤسسات وهياكل تشكل السلام في المجتمعات السلمية، وتحافظ على استمراريته. فهذه هي الأمور التي تهيئ الأجواء لتطور بني الإنسان. وبفضلها، تكون التنمية البشرية، والنشاط الاقتصادي العادل، والعلوم والابتكار، والحكم الرشيد أكثر تأثيرًا، وذات أمد طويل.
ومن الجدير بالذكر أن نصيب العنف في الاقتصاد العالمي يبلغ 14.3 تريليون دولار وهذا يعادل القوة الشرائية بأكملها عام 2016، كما أنّ هذا الرقم يعادل 12.6 في المئة من الناتج العالمي، وهذه الخسارة تقدر بـ 1953 دولار لكل شخص يعيش على هذه الأرض. ومن هذه الأرقام يتضح لنا مُجددًا أن الحرب والعنف، أنشطة تعتبر هي الأكثر تكلفة.
أما بخصوص بيت القصيد من كل هذا، فهو أن تركيا بحسب تقرير مؤشر السلام العالمي لعام 2017، احتلت مكانة تليق بها، وهي المرتبة الـ146 من بين 163 دولة!.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: