يشار ياكش
أغسطس 26 2018

الحزب الحاكم يجدّد نفسه ليُحكم قبضته الحديدية

لا يزال حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا مستمرا في عملية إحلال وتجديد من الداخل. فلطالما كان زعيم الحزب، وهو رئيس البلاد رجب طيب أردوغان، مؤيدا للتناوب الدائم بين الأعضاء على المناصب داخل الحزب.
وبهذه العقيدة، عمد أردوغان في المراحل التأسيسية للحزب لإدخال قاعدة في لوائحه الداخلية تنص على منع نواب الحزب في البرلمان أو رؤساء البلديات المنتمين له من الترشح للمنصب ذاته لأكثر من ثلاث دورات متتالية.
لا يوجد حزب آخر في تركيا يضع مثل هذا القيد على أعضائه، رغم أنه ربما يعاني من نقص العناصر في عمليات الاختيار. لكن هذه القاعدة تتيح لحزب العدالة والتنمية اختبار أعضاء آخرين في مناصب تنفيذية والحفاظ على مستويات أداء أفضل.
ويمثل هذا أحد أهم الميزات التي ينفرد بها حزب العدالة والتنمية عن غيره من الأحزاب السياسية في تركيا.
لا شك أن أردوغان قد رصد تمسك الساسة بالمناصب التي يصلون إليها في الهيكل الإداري للحزب أو في الحكومة فيبقون فيها لفترات طويلة ويمنعون تصعيد دماء جديدة.
كما أن التغيير المستمر في هيكل الحزب أمرٌ محمودٌ لدى الناخبين المؤيدين له، والذين يسعدون برؤية وجود جديدة.
دارت مناقشات مستفيضة داخل الحزب محورها إن كان من الضروري الإبقاء على هذه القاعدة وذلك مع اقتراب نهاية فترة بقاء المسؤولين في المنصب لثالث مرة (مدة كل فترة أربع سنوات).
وأبقى أردوغان على القاعدة الأساسية الخاصة بالبقاء في المنصب لثلاث فترات متتالية فقط وهو الآن يجني ثمار ذلك.
لكن الحظ كان حليفا لنواب البرلمان من أعضاء حزب العدالة والتنمية ممن شغلوا المنصب لثلاث فترات متتالية. فالفترة الرابعة لم تستمر لأكثر من خمسة أشهر بسبب حلول موعد الانتخابات وبذلك بات من حقهم الترشح مرة أخرى لثلاث فترات متتالية أخرى.
ويتيح هذا لأردوغان مرونة كافية لإعادة توزيع المناصب التنفيذية على أعضاء الحزب من أصحاب الأداء الجيد.
لقد جاء نظام الحكم الرئاسي الجديد بنموذج مختلف للمناصب الوزارية.
فلم يعد ممكنا اختيار الوزراء من بين أعضاء البرلمان، وإن وقع الاختيار على أحد نواب البرلمان لشغل منصب وزاري، فإنه يفقد صفته وامتيازاته البرلمانية.
وبالتالي يُغلق الباب على أعضاء البرلمان لشغل المناصب الوزارية الستة عشر وهي أهم المناصب في الإدارة الحكومية.
لكن حزب كالعدالة والتنمية، بهيمنته على جميع أركان الدولة التركية، يملك سيلا من الفرص لإرضاء أولئك الذين تطبق عليهم قاعدة الحزب تلك ويرحلون عن المناصب التنفيذية بعد ثلاث فترات متتالية، بطريقة أو بأخرى.
فحسب درجة النجاح التي يحققها كل من هؤلاء خلال فترة عضويته في البرلمان، يتم تعيينهم كنواب للوزارء أو مديري عموم في الشركات التابعة للدولة أو كوزراء أو مستشارين لرئيس الجمهورية، أو في العديد من المناصب الرفيعة في الهيكل الإداري.
فالكثير من الوزراء السابقين، الذين يُعاد انتخابهم لأنهم لم يشغلوا المنصب لثلاث فترات متتالية، يُعينون كرؤساء للجان نوعية داخل البرلمان.

لقراءة المقال باللعة الانكليزية على هذا الرابط
وهذا هو ثاني أرفع مستوى في الهيكل الوظيفي للبرلمان بعد رئيسه ونوابه.
وعادة ما يثير هذا خيبة أمل لدى غيرهم من أعضاء البرلمان ممن يطمعون في شغل تلك المناصب.
في الأسبوع الماضي، أدخل أردوغان دماء جديدة في هيكل حزبه إذ تم استبدال ثمانية وخمسين بالمئة من أعضاء المجلس الإداري المركزي، وهي أرفع هيئة لصناعة القرار داخل الحزب.
وبهذا أصبح المجلس هو أكثر هيئات الحزب تأثرا بعملية تجديد الدماء.
مرر حزب العدالة والتنمية قوانين جديدة، الواحد تلو الآخر، لخفض سن السماح بعضوية البرلمان من ثلاثين إلى خمسة وعشرين عاما.
وقبل هذا التعديل، كانت تركيا واحدة من الدول ذات المعدلات العمرية المرتفعة لعضوية البرلمان.
وبعد ذلك، جاء قانون جديد ليخفض ذلك المستوى العمري مرة أخرى إلى ثمانية عشر عاما. وسعى الحزب من خلال هذا القانون لجذب الشباب للتصويت لصالحه، لكن نسبة أكبر من الشباب منحوا أصواتهم لأحزاب معارضة.
الآن تتجه الأنظار إلى انتخابات المحليات المقرر عقدها في الرابع والعشرين من مارس 2019. ولا يزال من غير الواضح إن كانت عملية الإحلال والتجديد ستمتد لتشمل هذه الانتخابات. فالخبرة والأداء من بين أهم المواصفات المطلوبة في انتخابات المحليات.
يمكننا ببساطة القول إن رئيس بلدية يملك سلطات تتجاوز ما لدى عضو برلمان.
ويجب هنا التذكير بأن رؤساء البلديات في المدن الكبرى التي يسكنها ما بين عشرة وخمسة عشر مليون نسمة يعاملون معاملة قادة الدول أو رؤساء الحكومات في العديد من دول الاتحاد الأوروبي.
ربما يُفضل أن يكون المرشح صغيرا في السن، لكن لا يمكن استبعاد الخبرة وتجربة الأداء السابقة من الحسابات حين يجري اختيار شخص لمنصب رئيس بلدية.
كما أن عملية الإحلال والتجديد تمثل استثمارا قيّما من أجل مستقبل الحزب. ولعل أردوغان يدرس إجراء مثل هذه العملية بغرض ضخ مزيد من الديناميكية في هيكل الحزب وترسيخ أقدام كيانه في المستقبل.