نوفمبر 26 2017

الحزب الواحد ينتقل بتركيا من الديموقراطية الى قبضة الحكم الشمولي

لم تكن تركيا بمؤسساتها الدستورية الراسخة منذ تأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال اتاتورك في العام 1923 ، تنتظر يوما تتحول فيه تلك المؤسسات الى سلالم لمجد الرئيس الاوحد.
هذا المشهد الكابوسي هو الذي يسيطر على الشارع التركي اليوم.
الديموقراطية لم تكن الا بوابة واسعة لولوج الرئيس بحزبه ومريديه برصيد شعبي واستحقاق دستوري.
كل ذلك تحقق في العام  2014 عندما انتخب اردوغان انتخابا شعبيا مباشرا من دون المرور بالبرلمان ، خطوة تكتيكية ارادها اردوغان  غطاءا وتفويضا شعبيا كاملا للأستحواذ على السلطات الثلاث.
اسدل الرئيس الستار على حقبة الرئيس بوجوده الرمزي وعدم تدخله المباشر في تسيير امور الحكومة وانهى عمليا وجود رئيس الوزراء الذي يجتهد ويعمل وفق اجتهاده وحوّله الى موظف تابع للرئيس يأتمر بأمره.
كان صعود نجم حزب العدالة والتنمية في العام 2002 قد رافقه ذلك الطموح الشخصي الذي لا حدود له لدى اردوغان ولكنه طموح ضامر وهزيل امام فصل السلطات وتدخل الجيش عند الضرورة واوامر القضاء التي لا تُرَد واجهزة الامن والمخابرات التي ليس امامها من كبير اكبر من مصلحة الامة التركية.

صعود نجم العدالة والتنمية وصعود اردوغان على اكتاف الاخرين
صعود نجم العدالة والتنمية وصعود اردوغان على اكتاف الاخرين

هذا الجبل الذي بدأ اردوغان صعوده مواصلا تهشيمه صخرة فصخرة هو الذي  جعل اردوغان يفرض ارادة الحزب والاتباع والاعوان التابعين والمخلصين وليس بالضرورة الوطنيين الذين لا يضمن ولاءهم.
كان اردوغان بحاجة ماسة لبسط سلطة الحزب على امتداد الارض التركية وان يصنع ما شاء من الرجال المخلصين الذين يرون في سلطة الاخ الاكبر بديلا عن جميع السلطات.
القصة هنا خرجت عن اطار النموذج الكمالي ولا اي نموذج آخر عرفه الاتراك من الزعماء الذين كان جلّ همهم هو الفصل بين السلطات وتقوية ذلك الى اقصى حد ، فمثلا لا يمكن لشخص مثل اردوغان ان يمر مرور الكرام على ارث رؤساء حكومات ارسوا شكلا متقدما لادارة الدولة ومنهم توركوت اوزال على سبيل المثال.
يذكر الباحث هوشنك اوسي أن" من بين كل رؤساء تركيا، يعتبر تورغوت أوزال المؤسس الثاني للجمهوريّة التركيّة، وواضع حجر الأساس للنهضة الاقتصاديّة التي تشهدها تركيا الآن.
 بالإضافة إلى كونه الأب الحقيقي لليبراليّة التركيّة، إن جاز التعبير، نتيجة جهوده وإصلاحاته وانفتاحه على التيّار القومي الكردي والإسلامي التركي".
وعلى رغم محاولة البعض تشبيه أوزال برئيس الوزراء التركي السابق عدنان مندريس (1899-1961) الذي أعدم شنقاً، عقب انقلاب 1960 بقيادة الجنرال جمال غورسيل (1895-1966) الا ان اوزال حقق ما لم يحققه مندريس على صعيد لبرلة الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والانفتاح على الاكراد والإسلاميين. 

توركوت اوزال هو الأب الحقيقي لليبراليّة التركيّة في رأي المحللين للشأن التركي
توركوت اوزال هو الأب الحقيقي لليبراليّة التركيّة في رأي المحللين للشأن التركي

هذا النموذج القريب هو ايضا من النماذج المتقدمة التي اجهز عليها اردوغان وحزب العدالة والتنمية في ايقاف التحقيق في جريمة اغتيال أوزال وإطلاق سراح المتهم، في صفقة واسعة النطاق مع الجيش ضد جماعة فتح غولن .
كانت تركيا قبل الاستفتاء الاخير ما تزال تحكم وفق دستور 1982 الذي صكته المجموعة العسكرية التي قامت بانقلاب عام 1980، وصوت الناخبون الأتراك لصالحه بنسبة 91.4%.
 ورغم إجراء 18 تعديلاً على هذا الدستور، 9 منها في عهد حزب العدالة والتنمية، تناولت 108 مواد فيه، إلا أن تعديلات توسيع صلاحيات الرئيس ، قد منحته سلطات كاسحة تبقيه في منصبه حتى 2029، وصولاً إلى زيادة عدد النواب.
القفزات السريعة التي حدثت بعد الاستفتاء الشكلي على التعديلات الدستورية وعودة اردوغان وهو رئيس الجمهورية رئيسا للحزب بعد التخلص من عبد الله غل و داود اوغلو هي التي جعلت الحزب الحاكم يمهد الطريق لولادة الشمولية الاردوغانية والدكتاتورية المصبوغة بصبغة انتخابية.
لقد شملت التعديلات الدستورية الجديدة على تغيير هيكلي في تراتبية السلطة والإدارة داخل الدولة التركية، فبعد أن كان منصب رئيس الجمهورية منصبًا شرفيًا ذا صلاحيات محدودة، اصبح منصب الرئيس التركي هو الأقوى في الجمهورية. 
ومع تحول البلاد إلى النظام الرئاسي، تركزت السلطات التنفيذية، لا في يد رئيس الوزراء ولا مجلسه، ولكن في يد رئيس الدولة، المنتخب انتخابًا مباشرًا. 
ثم توسع اردوغان في النفوذ الشمولي الى الغاء منصب رئيس الوزراء ليكون بن علي يلدرم آخر رئيس وزراء تركي فضلا صلاحية واسعة في تعيين الوزراء .
 كما منح اردوغان نفسه عبر التعديل الدستوري صلاحيات أكبر في إعلان حالة الطوارئ في تركيا، التي تعيش فعليا في ظل حالة طوارئ منذ محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016.

منح اردوغان نفسه سلطات مطلقة وصارت صورة الاخ الاكبر تنتشر في كل مكان
منح اردوغان نفسه سلطات مطلقة وصارت صورة الاخ الاكبر تنتشر في كل مكان

يقول الكاتب محمد ممدوح في موقع اضاءات، " ان المعارضين لمشروع الانتقال إلى النظام الرئاسي يرون فيه مدخلًا لحكم شمولي دكتاتوري، إذ ترى المعارضة أن أردوغان سيستغل هذا الانتقال ليصبح حاكمًا مطلقًا، بما يشكل خطرًا على الديمقراطية والتعددية في البلاد".
 هذه  المعارضة كانت قد رصدت الخطوات القمعية التي قامت بها حكومة حزب العدالة والتنمية في ضوء محاولة الانقلاب وبوضع التعديل الدستوري هذا في نفس السياق.
 تستنتج المعارضة أن الاتجاه نحو النظام الرئاسي لن يعني سوى المزيد من تكريس الحكم القمعي في البلاد والقضاء على القوى المعارضة لأردوغان تحت غطاء الصلاحيات الواسعة التي سيحوذها وحالة الطوارئ المفروضة في البلاد.
ويضيف الباحث ممدوح ايضا" يخشى بعض المعارضين أن يؤدي الانتقال إلى النظام الرئاسي إلى محاولة انقلابية أعنف من السابقة، حيث يمكن أن يتحرك الجيش تحت غطاء حماية الديمقراطية وقيم الجمهورية التركية، والتي يرى أن حكومة العدالة والتنمية وأردوغان تحاول القضاء عليها بهذه التعديلات".

ليعلم الشعب التركي ان مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة رفض تلك الصلاحيات التى يريد الرئيس رجب طيب إردوغان الآن الإنفراد بها، لابد ان نسأل انفسنا : يا ترى لماذا نعطى هذه الصلاحية لرجل واحدا ونتجاهل 80 مليون مواطن تركي؟

ان التعديلات الدستورية هذه هي في الحقيقة  إلغاء للديموقراطية والحكم الجمهوري والانتقال إلى حكم الرجل أو الحزب الواحد السلطوي.
 لقد قلت إن اردوغان ليس الا  ديكتاتور فارغ واستاء. وسبق وأن وصفته في السابق بأنه ديكتاتور ولم يتأثر.

من الواضح أن ما أزعجه هو أن يوصف بأنه ديكتاتور فارغ وليس بأنه ديكتاتور فقط.

كمال كيليتشدار أوغلو

زعيم المعارضة

اردوغان: التمرد على ارث الكمالية في الفصل بين السلطات
اردوغان: التمرد على ارث الكمالية في الفصل بين السلطات وجمعها في قبضته

يذكر الباحثان سيرجي غورييف ودانييل تريسمان في مقال لهما في صحيفة نيويورك تايمز نشر مترجما في موقع نون بوست بصدد سيكولوجية النظام الدكتاوري انه عندما" تسير العجلة الاقتصادية بشكل جيد، يحاول الدكتاتور  استمالة النقاد المحتملين بالمكافآت المادية.
 وفي حال استفحلت الانتقادات، فإنه يتجه لاستخدام نظام الرقابة المشدد، كما يعمد إلى رشوة ملاك وسائل الإعلام بعقود دعائية، أو تهديدهم برفع دعاوى تشهير، وبذات الوقت، يشجع المستثمرين الموالين لهم لشراء المنصات الإعلامية الهامة في البلاد".
وهو الاسلوب الذي اتبعه اردوغان تماما وكذلك انسحب الامر على تعامله مع التكنولوجيا الحديثة وهو ما يؤكده الباحثان عندما يستغل الدكتاتور الأساليب الحديثة لتعزيز مركزه ، فهو يسيطر على شبكة الإنترنت من خلال حجب المواقع المستقلة، واجهزته تتعاقد مع أشخاص لإغراق الصفحات بتعليقات موالية للحكم الشمولي ويدفعون لقراصنة الإنترنت بغية تخريب مواقع وسائل الإعلام المعارضة على الإنترنت.
وقد تعمد الديكتاتور أيضًا للحفاظ على قطع متشرذمة من المعارضة الديمقراطية، لتحاكي عن طريقها أساليب المنافسة الديمقراطية، وبذلك تثبت الانتخابات شعبية الزعيم اللامتناهية؛كما فعل اردوغان تماما.