"الحصانة" التي كان يتمتع بها أردوغان تحطّمت وتلاشت

 

بعد الخطوة المثيرة للجدل التي أقدمت عليها اللجنة العليا للانتخابات في تركيا، وألغت نتائج الانتخابات المحلية في إسطنبول، بدأت قطاعات اجتماعية مختلفة، بدءًا من الفنانين ورجال الأعمال ونقابات المحامين، مرورًا بأقدم الأندية الرياضية والكتاب المقربين للسلطة السياسية، وانتهاءً بعامة الناس في الأسواق، ترفع صوتها، بعدما كانت تتجنب أن تنبس ببنت شفة، بسبب مناخ الخوف السائد في كل أنحاء البلاد.
فقد رأت هذه القطاعات العريضة أن خطوة إلغاء نتائج الانتخابات في إسطنبول، التي أحدثت أثر القنبلة في الشارعين المحلي والدولي على حد سواء، جاءت وفق سيناريو معد سلفًا، ولم تكن لجنة الانتخابات العليا سوى أداة منفذة له.
وهبّ حزب الشعب الجمهوري، الذي فاز مرشحه أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، معترضًا على نتائج الانتخابات في 39 بلدة في إسطنبول، وذلك استنادًا إلى الحجة ذاتها التي استندت إليها لجنة الانتخابات العليا في قرارها الخاص بإعادة الانتخابات في إسطنبول، وهي تشكيل لجان صناديق الاقتراع بشكل مخالف للقوانين، أي اختيار أعضاء ورؤساء الصناديق من غير موظفي الدولة.
ليس هذا فحسب، بل ذهب الحزب الجمهوري أبعد من ذلك وطالب بإلغاء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أجريت في 24 يونيو الماضي، وفي ظل الظروف ذاتها، وسحب وثيقة تنصيب أردوغان رئيسًا للبلاد، الخطوة التي حشرت كلاً من حزب أردوغان واللجنة العليا في زاوية ضيقة. وبعد هذه المبادرة لم يبقَ أمام اللجنة إلا أن ترفض شرعية الحجة التي اعتمدتها في إلغاء انتخابات إسطنبول أو تقبلَها وتقرِّر إعادة الانتخابات في المدينة بشكل كامل، بما يشمل اختيار أعضاء المجالس البلدية ومخاتير القرى.
وفي حال إعادة الانتخابات بشكل كامل فإن إمام أوغلو سيحصد عددًا أكبر من الأصوات، وفي الوقت ذاته ستنتقل بعض بلديات حزب أردوغان إلى المعارضة، إذا أخذنا في الاعتبار المظلومية التي تعرض لها إمام أوغلو وحزبه. أما إذا رفضت اللجنة العليا طلب الحزب الجمهوري فإنه سيترسخ في ذهن الرأي العام والناخبين أن أعضاء اللجنة العليا يقعون تحت قمع السلطة السياسية، وأنهم اتخذوا قرار إعادة الانتخابات في إسطنبول استجابة لتعليمات أردوغان، وهو الأمر الذي يتوقع أن يزيد نسبة دعم إمام أوغلو أيضًا.
يؤكد عدد لا يستهان به من أنصار أردوغان أنهم سيدعمون إمام أوغلو في الانتخابات المعادة، احتجاجًا على قرار اللجنة العليا. وقد صدر أعنف رد من الكاتب الإسلامي عبد الرحمن ديليباك المعروف بقربه للحزب الحاكم، حيث وصف القرار بـ"الكسوف العقلي"، وأضاف: "أسأل الله أن يعاقب كل الذين أقحمونا في المهاترات والمناقشات السياسية المفرغة من الجدوى وسط هذه الأجواء الرمضانية، والذين تدخلوا في الإرادة الشعبية بالتزوير والتلاعب."
في حين أن المدير السابق لوكالة الأناضول للأنباء الكاتب الصحفي كمال أوزتورك أعلن توقفه عن نشر مقالاته في جريدة "يني شفق" الموالية لحزب العدالة والتنمية، عقب منعها نشر مقال له سبق أن صرّح أنه سيتناول فيه "أكرم إمام أوغلو الذي أصبح رمزًا سياسيًا أكثر أهمية، بعدما صار ضحية سياسية وسحبت منه رئاسة البلدية."
أما إمام أوغلو فنظم مؤتمرًا في ليلة صدور قرار تجديد الانتخابات في إسطنبول، وألقى كلمة على جمهوره أعاد فيها مقولته الشهيرة: كل شيء سيكون رائعًا! ودعا في الوقت ذاته الفنانين ورجال الأعمال وعموم المواطنين لرفع أصواتهم ضد الظلم الممارس عليه وعلى أهل إسطنبول، النداء الذي لقي صدى واسعا في كل مكان وبين جميع الفئات.
وعقب انتشار الدعم المقدم لإمام أوغلو كالنار في الهشيم، عبر وسائل مختلفة، خصوصًا في وسائل التواصل الاجتماعي، توجه مدير قسم الأرشيف في الرئاسة محمد صافي إلى نشر تغريدة مرفقة بصورة تضمّ كل الأسماء التي ساندت إمام أوغلو عبر إعادة المقولة المذكورة، وهو الأمر الذي اعتبرته المعارضة تصنيفًا قائمًا على توجهات الناخبين، وهو محظور دستوريًّا، من جانب؛ وتهديدًا صريحًا للناخبين الذين لا يصوتون لصالح حزب أردوغان من جانب آخر.
وكانت جميعة رجال الأعمال والصناعيين الأتراك توسياد، التي تندرج تحتها أعرق وأكبر الشركات التركية، ضمن المؤسسات التي انتقدت قرار اللجنة العليا. حيث قالت في تغريدة نشرتها في هذا الصدد: "العودة إلى الأجواء الانتخابية المتوترة مرة أخرى تبعث على القلق، في فترةٍ نحن بحاجة إلى التركيز على أجندة إصلاح اقتصادي وديمقراطي شاملة". أغضبت تلك التصريحات أردوغان كثيرًا ودفعته إلى تهديد عالم الأعمال قائلاً: "نرى أن بعضًا من رجال الأعمال يدلون بتصريحات غريبة بعد قرار إعادة انتخابات إسطنبول.. فقبل كل شيء يجب على الجميع أن يعرفوا حدودهم"، على حد قوله.
وجاء الرد على تصريحات أردوغان من إمام أوغلو نفسه، حيث قال: "من هم الذين يجب علهم أن يعرفوا ويلزموا حدودهم يا ترى؟ هم السياسيون! على السياسيين أن يعرفوا ويلزموا حدودهم. ينبغي عليّ بوصفي سياسيًّا أن أعرف حدودي ومسؤولياتي. فالمواطنون من اختاروني أو اختاروا الرئيس والنواب البرلمانيين ورؤساء البلديات..الخ. ويجب على هؤلاء أن يعرفوا مهامهم وصلاحياتهم المحدّدة بالقانون والدستور. فالسياسيون هم المطالبون بأن يلزموا حدودهم لا المواطنون."
من الملاحظ أن عالم الأعمال بدأ يرفع عقيرته تجاه أردوغان، وأن كثيرًا من السياسيين من رفقاء درب أردوغان، وفي مقدمتهم الرئيس السابق عبد الله غول، ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والكتَّاب الموالين له، لا يتجنبون انتقاده وانتقاد الحكومة وإجراءاتها. وهذا يعني أن "الحصانة" التي كان يتمتع بها أردوغان تحطمت وتلاشت، وأنه أصبح رجلاً قابلاً للنقد والنقاش. لذلك قد يلجأ أردوغان إلى تطبيق استراتيجية جديدة للضغط والتخويف حتى موعد إعادة الانتخابات في 23 يونيو المقبل.
أما أكرم إمام أوغلو فنشر مقطع فيديو عبر الإعلام الاجتماعي، دعا فيه كل من يحبه إلى الابتعاد عن مواطن الصراع والشجار، والتركيز على نشر التحية والسلام والحب والتسامح بين جميع أطياف الشعب دون أي تفريق وتمييز على أساس دين أو قوم أو لغة أو مذهب، ونادى 16 مليون ناخب في إسطنبول لدعمه في الانتخابات المعادة.
 
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

 

https://ahvalnews.com/tr/guncel/sindirilmis-farkli-kesimler-de-artik-sesini-yukseltiyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.