بيهتار أوكوتان
يناير 12 2019

الحكومة التركية تدفع بالدولة إلى الهاوية

لا يدري أردوغان، وهو يتبع سياسته التوسعية، الرامية إلى إعادة رسم حدود وطن جديد للأتراك، تمتد حتى الدول العربية، واضعًا نصب عينيه فكرة الإمبراطورية التركية-العربية، أن سياسته تلك سيكون مصيرها الفشل، كما أخفقت الدولة العثمانية في سياستها التوسعية أيضًا في الماضي، بل إن الأمر لن يقتصر على هذا الحد، بل سيوقع الدولة، بالإضافة إلى هذا، في كثير من الكوارث كذلك.

ماذا جنينا من الركض خلف حلم القومية التركية- الطورانية غير تركيا ضعيفة، منهكة، تحيط بها النيران من كل جانب؟ 

تولت جماعة الاتحاد والترقي الحكم بعد عام 1912، وفعلت ما يفعله أردوغان اليوم بسعيها لتحويل الشارع إلى "أداة" تقضي بها على وجود التيار المعارض في البلاد. 

تقوم حكومة أردوغان اليوم أيضًا بتنفيذ الكثير من العمليات ضد المعارضة تحت حماية الشارع نفسه. 

لقد غذَّت مشاعر البغض والكراهية، التي كنَّتها الدولة العثمانية لغير المسلمين، ما يقوم به أردوغان اليوم من استهداف مُمَنهج للأكراد، مع الفارق أن الأكراد هنا من المسلمين.  

ضللنا طريقنا، وصرنا نهذي بعبارات من قبيل أن عفرين "أرض تركية"، وأن الأكراد هم الأعداء الجُدُد.

وبالتأكيد يدخل كل من لا يتفق مع هذه الأيديولوجية المريضة داخل إطار العداء هذا.

من ناحية أخرى، جعلت تصريحات مايك بومبيو، الذي يعد أحد أبرز المسؤولين في الإدارة الاميركية، الحليف القديم لتركيا، هواجس كلمة "المذابح"، التي قامت بها تركيا في الماضي، تطفو على السطح من جديد، وأصبحت كالظل الذي يلازم صاحبه أينما ذهب.

أشار بومبيو، في تصريحه إلى مذابح محتملة، قد تنفذها تركيا على الأراضي سوريا بقوله "تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى حماية الأكراد في سوريا؛ خشية تعرضهم للمذابح على أيدي الأتراك".

وهذا يعكس فهمًا دوليًّا عميقًا لطبيعة العملية العسكرية التي تنوي تركيا القيام بها ضد الأكراد في شرق الفرات. 

ليستكمل الزمان مسيرته منذ عهد الاتحاد والترقي، ولنعرف مدى بغض الدولة وعدم تقبلها للآخر، وأية هاوية ستسقط فيها بسبب جشع النظام الحاكم كما يصورها فيلم "القطع" أو The cut للمخرج السينمائي الألماني ذو الأصول التركية فاتح أكين.

الزمان: عام 1915

المكان: ماردين

شبح الموت يُخيِّم على المكان، ويأسر شاب أرمني وعائلته..

بطل الفيلم هو حدَّاد أرمني يدعى "نازاريت"، ولديه ابنتان توأم..

وفي أحد الأيام، وبينما يسير "نازاريت" بصحبة ابنتيه، أثناء عودتهما من المدرسة، إذ بهم يرون أحد طيور اللَقْلَق في السماء. يهتف الأب بتلقائية شديدة مشيرًا إلى السماء، لم يدرِ أنه يستشرف المستقبل، وهو يقول: 

"يقولون إن من يرى طائر اللَقْلَق سيخرج في رحلة طويلة".

يعرض مشهد آخر البطل، وهو جالس في مكانه على المائدة، يتحدث مع أفراد أسرته. 

يتبادل الأب أطراف الحديث مع أفراد أسرته حول اختفاء أعداد كبيرة من شباب الأرمن في منطقة "مرعش" الحالية.  

كان الجميع يخشون أن يكون الدور قد حان عليهم أيضًا.

تحدث رب الأسرة قائلًا "كانت معاملتنا معهم تتسم بالصدق دائمًا".

أما الابن فسأل "هل سينفوننا نحن أيضًا إلى خارج البلاد؟" 

عاجله فرد آخر من أفراد الأسرة، وكأنه يحاول أن يُسَلِّي عن نفسه، وعن باقي أفراد الأسرة برده "نحن حرفيون، وهم بحاجة إلينا هنا".

لم يكن الأطفال مدركين حقيقة اللعبة.

لم يمهلهم القدر طويلًا؛ فقد سمعوا في إحدى الليالي ضربات مطارق على باب بيتهم.  

دخل عسكر الدرك، واقتادوا الذكور ممن يتجاوز عمرهم الخامسة عشرة أمام الجميع.

ساروا بهؤلاء الشباب إلى مكانٍ ناءٍ، وقاموا بتجنيدهم للعمل في خدمة الجيش العثماني في أعمال أقرب إلى السخرة. 

في ديار بكر. 

في البداية حاول هؤلاء الشباب أن يسلوا عن أنفسهم بقولهم "هذا المكان، على أية حال، أفضل من ميدان الحرب"، ولكنهم أدركوا الحقيقة عندما رأوا جماعات من النساء والأطفال من الذين تم نفيهم خارج الديار، وهم يمرون من أمام أعينهم بائسين جوعى، وقد ظهرت عليهم حالة من الإعياء الشديد. 

أدركوا أن الأمر قد انتهى، عندما رأوا عشرات الرجال عاجزين عن دفع الأذى عن أنفسهم من اللصوص المارقين... 

كان أرمن منطقة خاربوط أول من بدأ بالنزوح عن دياريهم في شكل جماعات لا تفرق بين كبير أو صغير..

كان هذا إيذانًا بنفي الأرمن خارج البلاد..

كان هناك آباء وأمهات يفقدون أطفالهم في الصحراء، ويرجعون للبحث عنهم، ولكنهم لا يلبثون أن يجزعوا هاربين عندما يبصرهم أحد جنود الجيش العثماني.  

كانوا يدركون تمامًا أن مصيرهم سيكون الموت؛ سواء أكان بالقتل أو بالزج بهم في أعمال لن يتحملوها؛ فينتهي بهم الأمر إلى الموت كذلك.. 

أقل ما توصف به أحداث هذه الفترة أنها كانت مجزرة رخيصة، حاولوا التقليل من فظاعتها في كل مكان وزمان. 

لا يمكن لعقل أن يتصور أن تقوم الدولة العثمانية بهذه الفظائع في حق أقوام عاشت على هذه الأرض لآلاف السنين، وخضعت لنظامها، وسددت ما عليها من ضرائب...

ولكن هذا ما حدث بالفعل.

لم تعد الدولة العثمانية ترغب في وجودهم، ولم تعد تعتبرهم "الطائفة المخلصة" كما كانوا يطلقون عليهم في السابق...  

وجاء الفرمان. 

أُجبر البعض على اعتناق الإسلام، وقاموا بتقييد الباقين إلى بعضهم البعض ليبدؤوا الرحلة الطويلة، التي لن يعودوا منها مرة أخرى... 

لم يطلقوا عليهم النيران توفيرًا للطلقات، بل قاموا في بادئ الأمر بفصل الرؤوس عن الأجساد، ثم مثَّلوا بجثثهم بعد ذلك. 

كانوا يقطعون رقابهم على أيدي مجموعة من السجناء الذين أُطلق سراحهم لهذا الغرض؛ أي لكي يصبحوا أدوات لقتل الأرمن.

لكن بينما نرى الفظاعة التركية في أبلغ صورها، نرى أيضًا رجلًا تركيا من أولئك المساجين – لصاً سابقاً أُطلق سراحه- يتردد في قطع رقبة نازاريت، ثم يتظاهر بقطعها، بينما يكتفي بطعنةٍ في رقبته؛ لكي يصبح نازاريت الوحيد بين رفاقه الذي نجا من تلك المذبحة.

يظهر هذا اللص، وهو يقول "لم أكن قاتلًا يومًا، جعتُ فسرقت فحبسوني مع هؤلاء، ثم أطلقونا لنقتلكم".

كانت "الطعنة" بمثابة هدية منحها هذا السجين لنازاريت.

يلتقي  نازاريت بعد ذلك بصديقه القديم، ويحاول الفرار به، بصحبة إحدى العائلات الثرية في رحلة إلى حلب في شمال سوريا، حيث واحد من معسكرات الموت. 

كان هدف وزير الداخلية آنذاك طلعت باشا هو القضاء على الأرمن الموجودين على الأراضي السورية كذلك، بعد أن يفرغ من الأرمن في الداخل.

يحكي الفيلم كذلك كيف سيقت زوجة نازاريت (راكيل) وكل أفراد أسرته إلى الموت سوقًا.

لا أريد الخوض في الحديث عن هذه المذابح، التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء أثناء نزوحهم "القسري" عن وطنهم... 

ما أخشاه  الآن هو أن يلقى الأكراد نفس المصير، وأن يتعرضوا، هم أيضًا، لمذبحة مماثلة. 

من أجل هذا أُحذر من يحاولون الدفع بتركيا نحو الهاوية من الإقدام على عمل كهذا مرة أخرى..

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: 

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.