نيت شنكان
مارس 26 2018

الحكومة التركية توجه ضربة مزدوجة للصحافة

لم تحظ الضربة المزدوجة التي تعرضت لها الصحافة التركية يوم الخميس سوى بتغطية رمزية في وسائل الإعلام الغربية. وحيث أننا كنا قد كتبنا جميعا بالفعل تأبيننا للإعلام التركي، فربما يبدو أنه لا مبرر لرثاء من مات بالفعل. وعندما أقول "نحن" فأنا أعني الكلمة، إذ كنت قد كتبت عن ذلك في وقت متأخر عام 2016.
لكن التطورات التي حدثت في الأسبوع الأخير فارقة بما يكفي كي تحتم علينا التعليق عليها. الأمر الأول كان التقرير الذي تحدث عن صفقة لبيع مجموعة دوغان الإعلامية إلى شركة ديميرورين القابضة الموالية للحكومة، والثاني كان إقرار البرلمان قانونا يفرض قيود التراخيص الإذاعية والتلفزيونية على وسائل الإعلام التي تبث موادها عبر الإنترنت.
وحتى قبل خمس سنوات كان ما يزال من المنطقي تقسيم الإعلام التركي بين الجهات الموالية للحكومة وأتباع غولن والعلمانيين واليساريين والإسلاميين والأكراد وإعلام "الاتجاه العام". وقد كانت مجموعة دوغان الإعلامية – وهي مالكة لعلامات كبرى مثل حرييت وسي.إن.إن ترك وقناة دي – الحصن الأخير لهذا "الاتجاه العام" الذي يضم المنافذ الإعلامية التي تعتمد على الكثافة السوقية، والتي حاولت في أغلبها المحافظة على تحقيق ربحية من خلال بيع الإعلانات والمنتجات بدلا من السعي وراء موقف أيديولوجي. كانت هذه الفئات قادرة نوعا ما دائما على النفاذ إلى السوق. وعلى حسب القضية وتوقيتها، قد يكون الإعلام الموالي لغولن – أو الإعلام الإسلامي – مؤيدا للحكومة أو ناقدا لها. وقد يتبنى جزء من إعلام الاتجاه العام آراءً علمانية في قضية ما وفي الوقت ذاته يتبنى آراء ليبرالية في قضية أخرى حتى داخل المجموعة الإعلامية الواحدة، كما كان الحال غالبا مع منافذ دوغان. لم يكن هذا نظاما مثاليا، فقد كان هناك الكثير من الرقابة المباشرة وبخاصة للصحافة الكردية واليسارية وعلى القضايا التي تدخل في نطاق المحرمات، وهي تلك المرتبطة بالقومية والدين. كما كان ذلك النظام ينطوي على الكثير والكثير من الرقابة الذاتية، وكان قدر كبير من تلك الرقابة من جانب المالكين الذين كانوا يحاولون دائما السير في الاتجاه المتغير للرياح فيما يتعلق بأولويات الحكومة من أجل الفوز بمشتريات لشركاتهم القابضة.
لم تكن تركيا بيئة إعلامية حرة خلال عامي 2012 و2013، لكنها كانت تعددية. فقد كان بوسعك الذهاب إلى أكشاك الجرائد لشراء نسخة من صحيفة ستار وأخرى من يني آكيت وثالثة من صحيفة راديكال وواحدة من جمهوريت لتصبح أمامك تشكيلة من الآراء المختلفة حول أخبار اليوم. وإذا كنت من سكان ديار بكر، فقد كان بإمكانك حتى أن تختار صحفا كانت تشير بإيجابية إلى عبد الله أوجلان في انعكاس لقدر كبير من الرأي العام السائد في تلك المدينة. وقد كان هناك قدر أقل من التنوع على شاشات التلفزيون، لكن ظل هناك بعض النقاش والحديث. ففي عامي 2013 و2014، كانت سي.إن.إن ترك تذيع برنامجا حواريا يوميا كان يتسم بسخونة النقاش، وحاورت فيه الصحفية أسلي أيدين تاشباش الكاتب المؤيد للحكومة عاكف بيكي. بمعنى آخر، كانت متابعة الإعلام التركي وسيلة لتكوين فكرة عن الكيفية التي كان الناس في تركيا –وليس الحكومة– يفكرون بها ويتناقشون حول حياتهم بها.
كانت دوغان الإعلامية نموذجا لتلك التعددية التي كانت حقيقية على ما بها من تحفظ. وقد بنى آيدين دوغان مالك المجموعة إمبراطوريته خلال تسعينيات القرن الماضي التي شهدت تحررا عندما صار الإعلام سلاحا لمالكيه الجدد ووسيلة للتزلف والفوز بعقود حكومية كبيرة في قطاعات أخرى. لكنه احتفظ أيضا بصحفيين حقيقيين كانوا يلتمسون كتابة تقارير صحفية تعكس المعنى الحقيقي لكلمة صحافة. وحتى بعدما اضطر إلى بيع ميلليت ووطن عندما لاحقت الحكومة الشركة بسبب ما كانت تنشره عن الفساد، ظلت "مجموعة دوغان الإعلامية" المجموعة الإعلامية النادرة التي تحقق ربحا في تركيا وتقدم للجمهور تغطية صحفية حقيقية عبر منافذها الإعلامية.
بيد أن هذا الوضع لم يعد قائما، فقد ذهبت البيئة التعددية على عدم حريتها أدراج الرياح. وفي عام 2014، صار لدينا مفهوم جديد وهو إعلام "الحوض المالي" بسبب الطريقة التي طلب بها رئيس الوزراء من الزمرة المقربة من الحكومة "رمي" أموالها لشراء منافذ إعلام الاتجاه العام. لقد كانت الحكومة تقلب منطق تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي في رأسها. فبدلا من أن يستخدم مالكو وسائل الإعلام منافذهم للتأثير على قرارات الشراء الحكومية على نحو يصب في مصلحتهم، ستجعل الحكومة الملاك يطرحون الآراء التي تريدها هي مقابل نفاذ هذه الشرذمة إلى الدوائر الداخلية لمشتريات الدولة. وببيع دوغان، صارت جميع وسائل إعلام الاتجاه العام الآن تتبع إعلام الحوض المالي.
وجرى النفاذ إلى أجزاء أخرى من القطاع عبر وسائل مختلفة. فالإعلام الموالي لغولن جرت مصادرته خلال 2014-2016 بينما أُغلقت منافذ كردية ويسارية بالجملة بعد عودة القتال مع حزب العمال الكردستاني في عام 2015 وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة. ويقبع العشرات من الصحفيين في السجون بينما يعاني من تم إطلاق سراحهم أو فصلهم من العمل شظف العيش في رحلة بحث عن وظيفة إن بقوا أصلا في البلاد. أما المنافذ اليسارية (مثل إفرنسال)، فتتزايد أهميتها كملاذ لأي نوع من الكتابة والصحافة الحقيقية، لكن تاريخ وسيرة تلك المنافذ يشيران إلى محدودية جمهورها.
ويجرنا هذا إلى الحديث عن القوانين الجديدة المنظمة لنشر المواد عبر الإنترنت. فالفضاء الإلكتروني التركي يتعرض لرقابة لصيقة وعملية تنقيح وترشيح من خلال الحجب الرسمي للمواقع الإلكترونية وحجب منشورات ومستخدمين بعينهم من قبل منصتي الاحتكار فيسبوك وتويتر، بل وأيضا من خلال الرقابة الذاتية الآن إلى درجة جعلت الحكومة تحاكم بقسوة أشخاصا بسبب ما ينشرونه على وسائل الإعلام الاجتماعي. يضاف إلى هذا طبقة أخرى من الرقابة والإنفاق، وهي الإجراء الأخير الذي سيسند إلى المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون سلطة إصدار تراخيص وسائل الإعلام التي تنشر موادها عبر الإنترنت وتنظيمها وفرض الغرامات عليها. وستخضع المنافذ الصغيرة مثل ميديا سكوب وديكان لمزيد من الفحص الدقيق بل وحتى المزيد من اللوائح العقابية.
وككلّ شيء في السنوات الذهبية "للنموذج التركي"، لم يكن الإعلام أبدا حرا أو معبرا عن المجتمع بالقدر الذي كانت تسوق له الحكومة ومؤيدوها. لكن كان هناك حوار ولم يكن ما تحبذه الحكومة هو العامل الوحيد الذي يحدد ماهية ذلك الإعلام. ذاك الزمن قد ولَّى.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: