الحكومة التركية في مواجهة ازمة جديدة بسبب قضية إبادة الأرمن

لم تكن الحكومة التركية تنتظر ولا تتوقع ان تعود قضية إبادة الأرمن مجددا وبهذه الحدّة الى الواجهة، ففي فترة متقاربة اعترفت هولندا بأبادة الأرمن فيما الغت أرمينيا اتفاقية السلام الموقّعة بين البلدين.
 فقد أقر البرلمان الهولندي مؤخرا مذكرة تعترف بمذبحة قتل فيها ما يصل إلى 1.5 مليون أرمني عام 1915 على أنها إبادة جماعية.
مما اثار غضبا تركيا فقامت باستدعاء القائم بالأعمال الهولندي وابلغته احتجاجها على القرار.
وتهدد المذكرة الهولندية، التي نالت دعم جميع الأحزاب الكبيرة، بزيادة توتر العلاقات الدبلوماسية بين أمستردام وأنقرة منذ منعت هولندا وزيرا تركيا من تنظيم حملة انتخابية في هولندا العام الماضي.
القرار الهولندي يكمل قرار نحو 12 دولة من الاتحاد الأوروبي كانت قد اعترفت أن المذبحة التي حدثت في ذروة الحرب العالمية الأولى تمثل إبادة جماعية.

كارثة ابادة الارمن ما زالت حاضرة وهنالك المزيد من الدول تعترف بها مما يسبب احراجا شديدا لتركيا
كارثة ابادة الارمن ما زالت حاضرة وهنالك المزيد من الدول تعترف بها مما يسبب احراجا شديدا لتركيا

سوف نتجاهل أي قرار من جانب البرلمان الأوروبي يصف قتل الأرمن عام 1915 بالإبادة، إن مثل ذلك القرار سيدخل من أذن ويخرج من الأخرى.

اردوغان

بعد ذلك مباشرة نقل تلفزيون يركير ميديا عن المتحدث باسم الرئيس الأرميني قوله إن أرمينيا ألغت اتفاق سلام وقعته مع تركيا في 2009 كان يستهدف تطبيع العلاقات بين البلدين.
ونسبت المحطة التلفزيونية إلى فلاديمير هاكوبيان قوله "الرئيس الأرميني سيرج سركسيان أبلغ اجتماعا لمجلس الأمن القومي بأن الاتفاقية بين أرمينيا وتركيا ألغيت".وكتب المتحدث باسم الخارجية الأرمينية تيجران بالايان على مواقع التواصل الاجتماعي قائلا إن الرئيس سركسيان أعلن أن الاتفاقية باتت باطلة وملغاة".
وكانت أرمينيا وتركيا قد وقعتا اتفاقا تاريخيا للسلام في أكتوبر 2009 لإعادة العلاقات وفتح حدودهما المشتركة بعد قرن من العداء بسبب عمليات القتل الجماعي للأرمن على يد القوات العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى ولكن لم يتم التصديق على الاتفاقية منذ ذلك الحين.
وتشير الوقائع التاريخية انه بين عامي 1915 و1917، قتل وشرّد مئات آلاف الأرمن الذين كانوا يعيشون تحت حكم الدولة العثمانية في مجازر مروعة ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. ولكن السجال حول توصيف ما حصل في تلك الفترة لا يزال دائراً، وخاصةً على المستوى السياسي.
أما في أوساط المؤرخين، فالأغلبية تميل إلى وصف ما حصل بالإبادة الجماعية، وهذا ما عبّر عنه بيان كانت قد أصدرته 126 شخصية أكاديمية واعتبر أن "الإبادة الجماعية للأرمن في الحرب العالمية الأولى هي حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها".
وبحسب مصادر تاريخية، فأنه في عام 1915، كان يسكن حوالى مليوني أرمني في الأمبراطورية العثمانية. 

قرار ارمينيا ألغاء اتفاق السلام مع تركيا في 2009 لتطبيع العلاقات بين البلدين كان صدمة لتركيا ( الصورة للرئيس الارميني )
قرار ارمينيا ألغاء اتفاق السلام مع تركيا في 2009 لتطبيع العلاقات بين البلدين كان صدمة لتركيا ( الصورة للرئيس الارميني )

وفي فترة الحرب العالمية الأولى، اتهم الأرمن بتأييد جيوش الحلفاء وبالتحديد بالتواطؤ مع الجيش الروسي وذلك للتغطية على الخسائر الفادحة التي لحقت بالسلطنة في المعارك التي جرت في المحافظات الأرمنية.
هكذا راح بعض الجنرالات الأتراك يصفون الأرمن بـ"أعداء الداخل". وشنّ العثمانيون حملة لتجريدهم من السلاح وطالب البعض بإبعادهم عن خطوط المواجهة الحربية على الجبهة الشرقية. 
حملات تجريد الأرمن من السلاح تمت بشكل تعسفي دفع الأرمن غير المسلحين إلى شراء قطع أسلحة من الأتراك والأكراد فقط ليسلموا شيئاً ما إلى القوات المكلفة بالمهمة. وأيضاً نزع سلاح العناصر الأرمنية في الجيش العثماني وقتل بعضهم وحوّل آخرون إلى العمل اللوجستي.
وكانت أزمة مماثلة للأزمة في العلاقات التركية – الهولندية قد اندلعت مع المانيا عشية تصويت مجلس النواب الألماني (البوندستاغ) على قرار رمزي يصف مذابح الأرمن على يد القوات العثمانية في عام 1915 بأنها إبادة جماعية.
وصوت النواب الألمان الـ630 على مشروع قرار بعنوان "إحياء ذكرى إبادة الأرمن وأقليات مسيحية أخرى بعد 101 عام"، قدمته كتل الأكثرية البرلمانية- محافظو تكتل الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي- إضافة إلى حزب الخضر المعارض.
ويؤكد الأرمن أن 1,5 مليون أرمني قتلوا بشكل منهجي قبيل انهيار السلطنة العثمانية، فيما أقر عدد من المؤرخين في أكثر من عشرين دولة بينها فرنسا وإيطاليا وروسيا بوقوع إبادة.

البرلمان الاوربي وبرلمانات اوربية اخرى صوتت لصالح الاعتراف بأبادة الارمن بوصفها نوعا من الابادة الجماعية
البرلمان الاوربي وبرلمانات اوربية اخرى صوتت لصالح الاعتراف بأبادة الارمن بوصفها نوعا من الابادة الجماعية

في حين تقول تركيا إن هؤلاء القتلى سقطوا خلال حرب أهلية ترافقت مع مجاعة وأدت إلى مقتل ما بين 300 ألف و500 ألف أرمني فضلاً عن عدد مماثل من الأتراك حين كانت القوات العثمانية وروسيا تتنازعان السيطرة على الأناضول.
هذا الموقف التركي كثيرا ما روجت له وسائل الاعلام التركية الرسمية دفاعا عن الموقف الحكومي الرسمي ومنه ما نشر مثلا في جريدة صباح التركية حيث تقول انه لا توجد أدلة تاريخية تثبت قيام الدولة العثمانية بارتكاب إبادة جماعية في حق المواطنين الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى.
ورغم أن الوثاق المتاحة تشير إلى أن ما حدث كان اقتتالاً بين جماعات مسلحة وليس قتلاً ممنهجاً قامت به الدولة.
 ويقول المسؤولون الاتراك أن أرمينيا والارمن بصفة عامة يسعون لتصوير الأحداث على أنها إبادة عرقية ارتكبتها الدولة العثمانية في حق المواطنين الأرمن. كما يحاولون الضغط على العديد من الدول كي تقر بأن ما حدث هو إبادة جماعية.
وتتهم أوساط الحكومة التركية الدول الغربية بأنها تحاول استخدام الأمر ورقة ضغط ضد تركيا، من خلال التلويح باستصدار قوانين تعترف بقيام الدولة العثمانية بارتكاب إبادة جماعية في حق الأرمن، رغم أن مثل تلك القوانين ليست ملزمة بأي حال من الأحوال لتركيا. علاوة على أن البرلمانات والحكومات ليست هي الجهة التي يمكنها بت مسألة تاريخية شائكة مثل تلك بحسب المصادر الرسمية التركية.
من جانب آخر، تؤكد تركيا عدم إمكانية اطلاق صفة الإبادة العرقية على أحداث 1915، بل تصفها بـالمأساة لكلا الطرفين، وتدعو إلى تناول الملف بعيدًا عن الصراعات السياسية، وحل القضية عبر منظور ما تسميه الذاكرة العادلة الذي يعني باختصار التخلي عن النظرة أحادية الجانب إلى التاريخ، وتفهم كل طرف ما عاشه الطرف الآخر، والاحترام المتبادل لذاكرة الماضي لدى كل طرف.
كما تقترح تركيا القيام بأبحاث حول أحداث 1915 في أرشيفات الدول الأخرى، إضافة إلى الأرشيفات التركية والأرمنية، وإنشاء لجنة تاريخية مشتركة تضم مؤرخين أتراكا وأرمنا، وخبراء دوليين وهو ما لم تستجب إليه أرمينيا.

This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.